الكرة الأرضية

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • حكماوي
    عضو
    • Oct 2005
    • 42

    #1

    الكرة الأرضية

    انتشر الخبر في الدوار بسرعة، لأن ريال من الجاوي يبخر الدوار كله كما يقول أهل البلدة. وأصبح حديث العامة والخاصة. وعقدت اجتماعات وتلتها أخرى في الحوانيت؛ وخلف المسجد وعلى سور المقبرة، وتحت الأشجار، وفي الطرقات. وبلغ الحاضرالغائب. وصل الخبر إلى السوق الأسبوعي ومن هناك إلى باقي الدواويرالمجاورة. وقال فيه النظامون القصائد، وتغنى به الرعاة خلف القطعان في المراعي، والناس في الحقول، والعجائز في المآتم والمنادب. وأصبح الناس يؤرخون من يوم الخبر. كأن يقول أحدهم: "اشتريت حماري قبل الخبر بسوقين، أو السوق الذي تلا يوم الخبر".
    انقسم الناس في الدوار إلى فريقين، أحدهما يعارض الفكرة ويعتبرها كفرا ومروقا عن الدين. والآخر يؤيدها ظاهريا وإن كان يخفي معارضتها في قرارة نفسه.
    وجدها فقيه المسجد فرصة لمحاربة الدخيل، والدفاع عن مصلحته، فقد أحس أن حصته من السمن والدراهم أخذت تقل عاما بعد عام منذ فتح باب الفتنة. وفقد شيئا من هيبته ومكانته. فلن يترك المناسبة تمر دون أن يسجل إصابات في مرمى الخصم. قرر أن يبدأ بالمعلم ويثني بالممرض. وأعلن الحرب على غريميه.
    هيأ خطبة الجمعة خصيصا للخبر الذي شغل الناس وغطى على أثمنة الدقيق والسكر والزيت التي صعدت مع سنوات الجفاف.
    طلع المنبر، بسمل وحوقل، وتنحنح قائلا:" يقول بعض السفهاء ممن يدعون العلم ليبثوا في عقول الصبيان أن الأرض كروية، وأنها تدور حول نفسها وحول الشمس. وإني قرأت عدة كتب ولم أعثر على نص يذكر هذه الفتنة التي ابتلي بها الدوار من طرف الكفرة الفجرة. وأطالبكم ونفسي بالإكثار من الدعاء حتى لا تنزل عليكم مصيبة أو بلاء". أجابه المعلم في قرارة نفسه خوفا من لغو الجمعة، وكان يجلس في الصفوف الخلفية من المسجد:" وهل هناك مصيبة أكبر مما تقول".
    خرج الناس من المسجد صفا واحدا لمقاومة الخبر. وتحاشى الشيخ المعلم وكان يدعوه دائما بعد الصلاة لأكل الكسكس معه.
    وأخذ الناس يتفادون لقاء المعلم وتحيته، ومنهم من منع أبناءه من الذهاب إلى المدرسة خوفا من الفتنة التي حذر منها الفقيه. فالأرض يحملها الثور فوق أحد قرونه كل مئة عام، وبتمام القرن يحولها إلى القرن الآخر مما يجعلها تتحرك وتقع الزلازل، كما يقول الفقيه، وليس ما يقول المعلم.
    حتى ارحيمو التي كان يناديها أمي رحمة قطعت عليه خبزها المرشوش بحبات السمسم . وإيطو أوقفت إرسال البيض والحليب خوفا من مكروه قد يصيب بقرتها الوحيدة، وأصبحت ترسلهما للفقيه لجلب بركته. ونساء أخريات كن يأخذن ملابسه معهن إلى العين لتصبينها، غيرن الطريق وسلكن آخر.
    وامتنع صاحب الحانوت أن يبيعه علب السردين وإن كان يعلم أنه لا أحد من أهل الدوار يشتريها غيره. وأحمد الصغير التلميذ النجيب في القسم الملقب بالنحلة أصبح يتأخر يوما ويغيب آخر. ولم يواظب على الحضور سوى بضعة أطفال منهم بوراس ولد الفقيه. وكتبت عبارات السب والشتم والتهديد بالفحم على جدران المدرسة. وقذف منزله بالأحجار وأشياء أخرى، في الليل والنهار. وهشمت دراجته وأفرغت إطاراتها من الهواء.
    اجتمع الناس من جديد لتدارس الوضع وبإيعاز من الفقيه؛ كونوا لجينات لتتبع الخبر ومحاربته. وقرروا إخبار الشيخ، وإن كانوا على علم أنه يعلم كل تحركاتهم قبلهم، وكلفوه بإخبار القائد والدرك وجميع السلطات. وراسل الآباء ركن المفتي، وانتظروا الجواب الذي تأخر أكثر من اللازم. ومنهم من قرر أن يرفع دعوى قضائية ضد المعلم، وتكلف أكثر من واحد بأداء أتعاب المحامي، وتعهد آخرون بدفع رشوة. وأصبح الناس يختلقون النكث حول الخبر، ولقبوا المعلم بالكرة الأرضية. كلما مر بهم سمع همهماتهم وغمزهم وسخريتهم. ولم يرد عليه أحد منهم السلام. يسمع "حذار أن تسقط من على ظهر الكرة الأرضية وقت دورانها". " سيصبح باب منزلك متجها صوب الغرب بعدما كان متجها صوب القبلة". " سيلعب الثور الذي يحملها ويسجل هدفا نتأهل به إلى كأس العالم".
    حضر المدير، واجتمع الناس من كل أطراف الدوار، حتى الذين ليس لهم أبناء، يشتكون من فعلة المعلم النكراء، كيف يفرق بين الأب وابنه، أصبح الابن يقول إن الأرض كروية وتدور، والأب يقول:" إنها منبسطة حسب رواية الفقيه". أيد المدير رواية المعلم وحاول أن يشرح لهم ، فانفض الجمع واشتد الناس هياجا.
    في صباح اليوم الموالي حضر بعض التلاميذ واصطفوا أمام القسم، وانتظروا ثم تفرقوا، ورجعوا في المساء وانتظروا وتفرقوا. ثلاثة أيام متتالية، وفي اليوم الرابع فاحت في الدوار رائحة كريهة غطت على الخبر...

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...