الموجوعون بالفواتير
وحتى ما ( نبعد بعيد ) .. أتذكرون ( الشاب محمد سعيد الصحّاف ) وزير الاعلام العراقي قُبيل سقوط بغداد ..كان شعره ليلاً حالكاً من القوّة والمَنَعة ..وبعد إختفائه الشهير ..خرج علينا كمن يخرج من كيس طحين ..عجوزاً طاعناً في البياض والاستسلام ..!! وحتى لا يفهمني أحدٌ خطاءً فأنا من أشد المُعجبين به ..وأحفظ عنه ألف تصريح ..وأخذتُ منه عشرون ألف حركة ..منها حركته الأشهر ..تلك التي يمد يده اليمنى وكأنها الساطور ويقول وهو يرفع يده وينزلها عدة مرّات: ( يتم الآن تقطيع الأفعى..أحب أبشّركوا الأفعى تتقطع ) ..!!
أعلم إنني شطّيت عن موضوع الفواتير قليلاً ..بل كثيراً ..ولكن المثال سرق منّي فكرتي ..!! الفواتير أيضاً سرقتْ عُمري ذبحاً ونواحاً ..فمنذُ صحوتُ على قاع الفقر ..وأنا أرى في الفاتورة ( أيْ فاتورة ) شيئاً مُستتراً سيخرج إليّ بعد حين ولو طمستها بألف طامس ..!! ولو أبعدتها عن نظرك خمس سنوات ..ولو تركتها في مكانها ورحلت إلى قرية أُخرى أو مدينة أبعد ..لأنك المقصود بالفاتورة ..هي كشف الحساب ..هي شبحك الذي سيخرج في هدأة الليل ويطلب منك فقط أن تخاف منه و تعملها في البنطلون ..وإذا ما كُنْتِشْ لابس ؛ يأمرك أن تلبس كي تعملها فيه ..!!
يا لعذاباتنا مع الفواتير ..فمن فاتورة الولادة إلى فاتورة الممات ..نبقى نسكن في نيران كثيرة ..فكل فاتورة نار ..وكل حبر فيها وقود ..وكل بياض للونها استسلام ..!! والعجيب ..أن الفاتورة غالباً ما تكون جميلة الشكل ؛ وحروفها مطبوعة بشكل لائق ..حتى اسمك فيها قلّما يكون فيه خطأ ..لأنك المطلوب الوحيد لها ..!!
من الذي اخترع الفاتورة ..من الذي هَدى الحكومات إليها ..؟؟ ومن الذي اخترع الفاتورة المعنوية ..تلك التي لا تُكتب ولكنها أشدّ فتكاً ..من الذي جعل رأسك دائماً مطلوباً حتى بعد موتك ..؟؟ بل ..من الذي يكشف ظهرك أيها الفقير ..وظلّ يكتب عليه فاتورة عيشك كاملة ..وبدلاً من أن يستخدم القلم والحبر .يستخدم السكين والكرباج ...!!!



تعليق