<FONT COLOR=#0000FF><FONT COLOR=#0000FF>يكتبها : أبو هييله*
قال ابو هيله غفر الله له ولوالديه:
ان من اكثر الاشياء سخافة عندي التفكير في اسئلة لا يمكن الحكم عليها الا بالمقوله العامية : (ما تدري وش تبي)!
ومن ذلك السؤال السفسطائي: هل نحن نأكل لنعيش؟ أم نعيش لنأكل؟
واظن من وضع هذا السؤال ينتمي الى سلالة عريقة ضاربة اطنابها في القدم حتى ان جده الاول هو الذي سأل:
هل الدجاجة وجدت قبل البيضة؟ ام ان البيضة كانت قبل الدجاجة؟
ما يهم في الموضوع هو اننا نأكل ونعيش ونعيش ونأكل وما عندنا الا العافية.
لكننا في غمرة متعتنا بالاكل يظهر علينا بعض المنغصين من امثال طيبة الذكر مريم نور اللي وقفت العالم على رجل(هذا مصطلح يعني انها حاست الناس) لتقول لنا انكم مرضى وان اكلكم دمار!
لكن من حسن الحظ اننا أمة تستعصي على التغيير، فما هي الا كم يوم وعدنا الى ما كنا عليه من عادات غذائية سيئة.
عندما اتناول سيرتي الشخصية الغذائية، اجدها عامرة بمتابعة ما جد من الاصناف وما فتح من المطاعم يوم ان كنت في الرياض. كان لي صاحب يعتقد انه احد مقومات بقاء المطاعم الشعبية اقتصاديا اذ انه كان يأكل وجبة الغداء في الوحدة ظهراً في احد هذه المطاعم، وعندما يعود الى المكتب لا يتواني في تلبية دعوة اي زميل يريد صحبة غدائية ما دام هذا الزميل سيتكفل بتوفير النفقة اولا ثم سيرتاد مطعما شعبياً ثانياً. وعبثا كنا نحاول في زميلنا الشعبي في ان نغير وجهة المطعم الى غير المطاعم الشعبية. وكانت مبررات الرفض ثابتة تتلخص في ان في ارتياد مطاعم الاكلات السريعة او الاكل الشامي او حتى المطاعم الاوروبية والامريكية تمرد على الوطنية. وكان يختم وصلته الشهيرة بقوله: الوطنية لا تقتصر على جبهات القتال والمواقف السياسية، انها تتمثل بوضوح في ما تأكله، ثم يضيف: ان من مظاهر الميوعة الغذائية، الا تستسلم لوجبة من المندي او المظبي... او حتى المضغوط.
كان صاحبي عرضة لانتقادي وسخريتي وتهكمي رغم اني كنت انضوي تحت لواءه كثيرا، لكني ندمت على موقفي السابق منه عندما انعدمت الخيارات واصبح الهمبرجر هنا في بلاد العم سام... سيد الموقف.
انعدام الخيارات يذكرني عندما كنت في رحلة صحافية الى ايران قبل سنوات... عندما قابلت احد السعوديين العاملين في السفارة في طهران تجاذبنا اطراف الحديث الشهي عن الطعام فاشرت اليه الى ان المطبخ الايراني يتميز بكباب شهي، فاشار الي ان هذا الموضوع صحيح للوهلة الاولى لكنك مع الوقت لا تملك الا ان تمل الكباب لانه لا خيار اخر غيره، واردف بلهجة عامية : (في هالديرة ما عندك الا يا تاكل كباب يا تقضب الباب)!
ومن اطراف سيرتي الغذائية اني كنت ذات رحلة صحافية اخرى في اليمن في التسعينات، فمملت اكل الفندق وكنت مفتوناً بالفاست فود (عافاكم الله) فسألت عن الهامبرجر فدلوني على مطعم يصنعه في سارع القيادة بصنعاء فذهبت الى المطعم وقلت له اريد تشيز برجر لو سمحت، فانتفض العامل وزمجر في وجهي والقى علي خطبة في الوطنية واننا نحن اليمنيين نذهب الى السعودية (ظنني يمنياً) فنتعلم الترف ونأتي لنتحكم في اصناف الطلبات والبلد تمر بازمات اقتصادية طاحنة، ثم ختم خطبته التوبيخية بان لديه همبرجر وليس لديه تشيز برجر.
ولم يعلم صاحبنا ان الفارق بين الاثنين قطعه جبن تفصل اللحم عن الخبز، ولم اكن لابين له ضعفه فقد آثرت السلامة واعتذرت له من ترفي وتفريطي ووعدته بان لا ازيد من تفاقم الازمة الاقتصادية اليمنية!
ولان الاكل بالاكل يذكر، ففي رحلة اليمن هذه ذقت لأول مرة حلوى لذيذة يسمونها بنت الصحن وهي اقرب ما تكون الى خبز منزلي خفيف مع عسل اليمن الذي لا يجارى، ومن الطرائف التي يتناقلها اهل اليمن عن بنت الصحن ان الرئيس السوداني تناول ذات زيارة وليمة في اليمن فلما فرغ من الطعام اراد ان يقوم الى حيث مكان راحته فاشاروا عليه ان باقي بنت الصحن، فقال : (هاتوها للغرفة).
ولبعض الخبثاء ان بنت الصحن وأم علي لا يقدمان الا لوحدهما، فسئل لماذا؟ فقال منعاً من الاختلاط.
وفي اختلاف مسميات الشعوب لاصناف الطعام طرائف ايضاً، فقبل اسبوع كنا نلبي دعوة بعض الاصدقاء في مدينة تبعد نحو مئة ميل عن مدينتي ولما استيقضنا ظهراً زارنا جار صديقنا وكان رجلا قطرياً في العقد الرابع من عمره، فقال: لو اخبرتموني لجعلت زوجتي تصنع لكم فطوراً شهياً... لقد اعدت اليوم لنا بلاليط! ولقد عقدت المفاجأة لساني، فماذا عسى هذه البلاليط تكون؟ وهل هي صيغة جمع أخرى للبلاط؟ قلت لنفسي لا شك ان الاشتقاق هنا مثل الاشتقاق في تسمية بعض الدول العربية لديوان الحاكم بالبلاط السلطاني مثلا كما في عمان، او كما يطلقون على الصحافي انه قضى من عمره نيفا من السنين في بلاط صاحبة الجلالة، ولكن اعياني البحث عن اي بلاط تنتسب هذه البلاليط حتى اتصلت بعد خروج الجار بصاحب لي قطري، وسألته فاخبرني ان البلاليط تنتسب الى بلاط الشعيرية.
ولأني لم اتوقع ان الكتابة عن الطعام تسيل اللعاب فانا مضطر للتوقف، لا لشيء الا حفاظاً على كي بوردي...
</FONT><FONT COLOR=#0000FF> </FONT>*
قال ابو هيله غفر الله له ولوالديه:
ان من اكثر الاشياء سخافة عندي التفكير في اسئلة لا يمكن الحكم عليها الا بالمقوله العامية : (ما تدري وش تبي)!
ومن ذلك السؤال السفسطائي: هل نحن نأكل لنعيش؟ أم نعيش لنأكل؟
واظن من وضع هذا السؤال ينتمي الى سلالة عريقة ضاربة اطنابها في القدم حتى ان جده الاول هو الذي سأل:
هل الدجاجة وجدت قبل البيضة؟ ام ان البيضة كانت قبل الدجاجة؟
ما يهم في الموضوع هو اننا نأكل ونعيش ونعيش ونأكل وما عندنا الا العافية.
لكننا في غمرة متعتنا بالاكل يظهر علينا بعض المنغصين من امثال طيبة الذكر مريم نور اللي وقفت العالم على رجل(هذا مصطلح يعني انها حاست الناس) لتقول لنا انكم مرضى وان اكلكم دمار!
لكن من حسن الحظ اننا أمة تستعصي على التغيير، فما هي الا كم يوم وعدنا الى ما كنا عليه من عادات غذائية سيئة.
عندما اتناول سيرتي الشخصية الغذائية، اجدها عامرة بمتابعة ما جد من الاصناف وما فتح من المطاعم يوم ان كنت في الرياض. كان لي صاحب يعتقد انه احد مقومات بقاء المطاعم الشعبية اقتصاديا اذ انه كان يأكل وجبة الغداء في الوحدة ظهراً في احد هذه المطاعم، وعندما يعود الى المكتب لا يتواني في تلبية دعوة اي زميل يريد صحبة غدائية ما دام هذا الزميل سيتكفل بتوفير النفقة اولا ثم سيرتاد مطعما شعبياً ثانياً. وعبثا كنا نحاول في زميلنا الشعبي في ان نغير وجهة المطعم الى غير المطاعم الشعبية. وكانت مبررات الرفض ثابتة تتلخص في ان في ارتياد مطاعم الاكلات السريعة او الاكل الشامي او حتى المطاعم الاوروبية والامريكية تمرد على الوطنية. وكان يختم وصلته الشهيرة بقوله: الوطنية لا تقتصر على جبهات القتال والمواقف السياسية، انها تتمثل بوضوح في ما تأكله، ثم يضيف: ان من مظاهر الميوعة الغذائية، الا تستسلم لوجبة من المندي او المظبي... او حتى المضغوط.
كان صاحبي عرضة لانتقادي وسخريتي وتهكمي رغم اني كنت انضوي تحت لواءه كثيرا، لكني ندمت على موقفي السابق منه عندما انعدمت الخيارات واصبح الهمبرجر هنا في بلاد العم سام... سيد الموقف.
انعدام الخيارات يذكرني عندما كنت في رحلة صحافية الى ايران قبل سنوات... عندما قابلت احد السعوديين العاملين في السفارة في طهران تجاذبنا اطراف الحديث الشهي عن الطعام فاشرت اليه الى ان المطبخ الايراني يتميز بكباب شهي، فاشار الي ان هذا الموضوع صحيح للوهلة الاولى لكنك مع الوقت لا تملك الا ان تمل الكباب لانه لا خيار اخر غيره، واردف بلهجة عامية : (في هالديرة ما عندك الا يا تاكل كباب يا تقضب الباب)!
ومن اطراف سيرتي الغذائية اني كنت ذات رحلة صحافية اخرى في اليمن في التسعينات، فمملت اكل الفندق وكنت مفتوناً بالفاست فود (عافاكم الله) فسألت عن الهامبرجر فدلوني على مطعم يصنعه في سارع القيادة بصنعاء فذهبت الى المطعم وقلت له اريد تشيز برجر لو سمحت، فانتفض العامل وزمجر في وجهي والقى علي خطبة في الوطنية واننا نحن اليمنيين نذهب الى السعودية (ظنني يمنياً) فنتعلم الترف ونأتي لنتحكم في اصناف الطلبات والبلد تمر بازمات اقتصادية طاحنة، ثم ختم خطبته التوبيخية بان لديه همبرجر وليس لديه تشيز برجر.
ولم يعلم صاحبنا ان الفارق بين الاثنين قطعه جبن تفصل اللحم عن الخبز، ولم اكن لابين له ضعفه فقد آثرت السلامة واعتذرت له من ترفي وتفريطي ووعدته بان لا ازيد من تفاقم الازمة الاقتصادية اليمنية!
ولان الاكل بالاكل يذكر، ففي رحلة اليمن هذه ذقت لأول مرة حلوى لذيذة يسمونها بنت الصحن وهي اقرب ما تكون الى خبز منزلي خفيف مع عسل اليمن الذي لا يجارى، ومن الطرائف التي يتناقلها اهل اليمن عن بنت الصحن ان الرئيس السوداني تناول ذات زيارة وليمة في اليمن فلما فرغ من الطعام اراد ان يقوم الى حيث مكان راحته فاشاروا عليه ان باقي بنت الصحن، فقال : (هاتوها للغرفة).
ولبعض الخبثاء ان بنت الصحن وأم علي لا يقدمان الا لوحدهما، فسئل لماذا؟ فقال منعاً من الاختلاط.
وفي اختلاف مسميات الشعوب لاصناف الطعام طرائف ايضاً، فقبل اسبوع كنا نلبي دعوة بعض الاصدقاء في مدينة تبعد نحو مئة ميل عن مدينتي ولما استيقضنا ظهراً زارنا جار صديقنا وكان رجلا قطرياً في العقد الرابع من عمره، فقال: لو اخبرتموني لجعلت زوجتي تصنع لكم فطوراً شهياً... لقد اعدت اليوم لنا بلاليط! ولقد عقدت المفاجأة لساني، فماذا عسى هذه البلاليط تكون؟ وهل هي صيغة جمع أخرى للبلاط؟ قلت لنفسي لا شك ان الاشتقاق هنا مثل الاشتقاق في تسمية بعض الدول العربية لديوان الحاكم بالبلاط السلطاني مثلا كما في عمان، او كما يطلقون على الصحافي انه قضى من عمره نيفا من السنين في بلاط صاحبة الجلالة، ولكن اعياني البحث عن اي بلاط تنتسب هذه البلاليط حتى اتصلت بعد خروج الجار بصاحب لي قطري، وسألته فاخبرني ان البلاليط تنتسب الى بلاط الشعيرية.
ولأني لم اتوقع ان الكتابة عن الطعام تسيل اللعاب فانا مضطر للتوقف، لا لشيء الا حفاظاً على كي بوردي...
</FONT><FONT COLOR=#0000FF> </FONT>*






تعليق