عزيزي القارئ...
لا تتعجل فتظن أنني أتحدث عن عجيبة من عجائب القرن الواحد والعشرين؛ حيث يجلس الكلاب في مقهى مخصص لهم ويطلبوا شاياً ونرجيلة كما يفعل الناس، فليس هذا -في الوقت الحالي- من اهتمامنا، وأظن أننا نحتاج إلى قرون طويلة حتى نتفرغ للتفكير في الكلاب!!
كانت المقاهي في الوطن العربي دومًا مرتبطة بصورة أو بأخرى بمثقفيه… مقاهي شارع الحمرا في بيروت التي كانت حتى بداية الثمانينيات ملتقى للمثقفين العرب من كافة الاتجاهات، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكذلك كانت مقاهي العرب في لندن وباريس وفي القاهرة، ارتبطت كثير من المقاهي بالصالونات الأدبية لمشاهير الأدباء؛ كمقهى "الفيشاوي" و"صفية حلمي"، وارتبط بعضها بتنظيمات سياسية وفكرية - كمقهى شارع الفلكي الذي شهد بداية تنظيم "حدتو" أو "حركة الديمقراطية والتجمع الوطني" التي عرفت بالحزب الشيوعي المصري في الأربعينيات من هذا القرن، ويبدو أن المثقفين العرب بدافع من اللاوعي يحبون دائماً أن يقرنوا بين كلامهم ومناقشاتهم وبين الدخان المتطاير في الهواء.
وتستطيع من تتبع حالة المقاهي تلك في وطننا العربي أن تستشعر حالة الس**** أو البرودة في الوسط الثقافي والسياسي، فحالة الس**** عندنا مرتبطة بمناقشات عالية الصوت تتطور في معظمها إلى اللكمات وتشابك بالأيدي، ومرتبطة أيضًا بنوع من "النميمة الثقافية" تسمع معها عبارات ومفردات "العمالة" و"خيانة القضية" (!!!)، و"فلان باع" و"زيد غيّر جلده"، و"هذه الأديبة علا نجمها هذه الأيام لأنها موهوبة جدًا ثم بضحكة صفراء "في أشياء غير الأدب". أما في حالة البرودة فلا يتخلّى مثقفونا أبدًا عن تلك "النميمة الثقافية"، وإن كانت في تلك الحالة مقترنة بإيقاع "قرقرة" النرجيلة الهادئ الممل، وانبعاث الدخان ببطء إلى العدم!!
أما حكاية "مقهى الكلاب" فمرتبطة بحكاية الصحافة والصحفيين في مدينة "القاهرة"، وثمانون بالمائة منهم بلا مكاتب أو حتى جهات عمل يرتزقون منها بشكل ثابت، وأشبه فئة بهم هم "الأنفار" أو "الأرزقية" الذين يجلسون في أماكن معروفة لـ "مقاولي الأنفار"، حتى إذا احتاج هؤلاء إلى بعض العمال في مهمة لمدة يوم أو يومين أو أسبوع ذهبوا بسيارة نصف نقل واستأجروا بعضًا منهم نظير أجر يوميّ، وبمجرد أن تقف السيارة يتدافع الأنفار جريًا نحوها، ثم تبدأ المناقصة في الأجر لكي يتراجع المتدافعون ولا يبقى إلا من تضطره ظروفه إلى قبول هذا الأجر المتدني، وهكذا يبدأ الغد بسعر الأمس وتبدأ المناقصة من جديد!!
بالأمس كان "برجوازية المثقفين" يجلسون في كازينو "الجوريون"، أما "الصعاليك" من الأدباء والشعراء الشبان والصحفيين فكانوا يجلسون على مقهى "زهرة البستان" الذي كُتِب تحت اسمه عبارة "ملتقى الأدباء والفنانين".
كان "زهرة البستان" مقهى متواضعاً؛ كراسيه وطاولاته قديمة، وكذلك ديكوراته، مما يتناسب مع أسعاره الزهيدة التي تلائم "ممتهني الأدب والصحافة"، ثم جرى على "زهرة البستان" ما جرى على غيره اشتراه "مستثمر" جديد واشترى كراسيّ وطاولات جديدة وصمم ديكورات حديثة، ولم يبق من القديم سوى اسم المقهى والعبارة المكتوبة تحته، ومع الجديد قوانين جديدة "الشكك ممنوع والزعل مرفوع" و"اللي حيطلب راح يقعد، واللي ما يطلبش يبعد". وكان الصحفيون أول المبعدين لأنهم كانوا -من قبل- "المتعاملين بالشكك" وأقل من يطلب المشروبات، وأصبح روّاد المقهى ناساً غير الناس، شباب جامعات وشابات لا يتحدثون في الثقافة ولا يبالون، لكنهم يمارسون "الحرية" التي طالما كانت "الإغراء الأكبر" لكثير من مدعي الثقافة، فلا ثقافة ولا "ديالوغ" ولا وجع قلب ومخ وأعصاب، ومن يريد أن يفعل شيئاً فليفعله دون تنظير ولا بحث في "أصل العائلة" و"الأسرة كنتيجة لبروز الملكية الخاصة"….!!
أصبحت مدينة القاهرة في "زهرة البستان" مختلفة عن القاهرة، وحمل الصحفيون وصغار الأدباء قروشهم، وشعاراتهم وذهبوا إلى مقهى "فيينا"؛ حيث وجدوا كل الترحيب والتسامح، ودارت الأيام، ووجدت إدارة المقهى أن الأمر لا يستحق، وأن "الأخ من دول" يجلس ساعات طويلة ويستقبل أصحابه ويتصرف على راحته ولا يطلب أكثر من كوب شاي بخمسين قرشًا، فبدأت المضايقات، يأتي القهوجي مرة بعد أخرى ويسأل "تطلب حاجة يا أستاذ؟"، وحين لا يجد استجابة يتصرف بسماجة: "لو سمحت وسّع. عايزين نفضِّي مكان للزباين اللي بتدفع" أو "بعد إذنك يا أستاذ.. المكان محجوز للمعلم فلان.. اقعد جوّه".
ومرة أخرى حمل الصحفيون همومهم وفقرهم وانكسارهم إلى إحدى أكثر المقاهي تواضعًا في شارع رمسيس عند نهاية كوبري 6 أكتوبر وهي مقهى يتجاور مع محال ميكانيكا وسمكرة السيارات، ومرتادوه هم أصحاب الورش وصبيانهم-ولهم كل الاحترام-، ويختلط هناك الكلام عن أسعار طلاء السيارات وإطاراتها بالحديث عن طرد الصحفي فلان من "روزاليوسف"، وغلق جريدة كذا أو إفلاسها، أو رفض المطابع لطباعتها بأوامر فوقية لأن رئيس تحريرها مغضوب عليه.. كلام وغضب وإفلاس وجوع، و"الكلب الذي ينبح لا يعض" هذا ما حدا بأحد الصحفيين المغضوب عليهم والذي أغلقت جريدة كان يرأس تحريرها قبل سنتين لأن يسميها "قهوة الكلاب". وهو تعبير استخدمه هتلر بصورة أكثر تهذيبًا في سياسته الإعلامية التي قادها جوبلز قبل ستة عقود، وكان يطلق على سياسته "حرية الصراخ" اصرخ كما تشاء. وانبح كما تريد، ولكن لا تفعل شيئًا.
وهل من كانت تلك حالته قادر على أن يكتب شيئًا ذا معنى، أو يحصّل ثقافة ذات معنى وإطلالة صغيرة على حال الصحافة المصرية في زمن الشعارات من "السماوات المفتوحة" و"الإعلام عبر الفضاء" وغيرها، سيكون أبلغ من أي كلام، صحافة بلا شكل ولا مضمون ولا حرفة، إقطاعيات كإقطاعيات التليفزيون والإذاعة يتوارثها أبناء الأكابر، أما الصحفيون فلا زالوا يتصايحون على "مقهى الكلاب"!!.
____________
عذاب نون: من شارع الثقافة العربي!!
لا تتعجل فتظن أنني أتحدث عن عجيبة من عجائب القرن الواحد والعشرين؛ حيث يجلس الكلاب في مقهى مخصص لهم ويطلبوا شاياً ونرجيلة كما يفعل الناس، فليس هذا -في الوقت الحالي- من اهتمامنا، وأظن أننا نحتاج إلى قرون طويلة حتى نتفرغ للتفكير في الكلاب!!
كانت المقاهي في الوطن العربي دومًا مرتبطة بصورة أو بأخرى بمثقفيه… مقاهي شارع الحمرا في بيروت التي كانت حتى بداية الثمانينيات ملتقى للمثقفين العرب من كافة الاتجاهات، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكذلك كانت مقاهي العرب في لندن وباريس وفي القاهرة، ارتبطت كثير من المقاهي بالصالونات الأدبية لمشاهير الأدباء؛ كمقهى "الفيشاوي" و"صفية حلمي"، وارتبط بعضها بتنظيمات سياسية وفكرية - كمقهى شارع الفلكي الذي شهد بداية تنظيم "حدتو" أو "حركة الديمقراطية والتجمع الوطني" التي عرفت بالحزب الشيوعي المصري في الأربعينيات من هذا القرن، ويبدو أن المثقفين العرب بدافع من اللاوعي يحبون دائماً أن يقرنوا بين كلامهم ومناقشاتهم وبين الدخان المتطاير في الهواء.
وتستطيع من تتبع حالة المقاهي تلك في وطننا العربي أن تستشعر حالة الس**** أو البرودة في الوسط الثقافي والسياسي، فحالة الس**** عندنا مرتبطة بمناقشات عالية الصوت تتطور في معظمها إلى اللكمات وتشابك بالأيدي، ومرتبطة أيضًا بنوع من "النميمة الثقافية" تسمع معها عبارات ومفردات "العمالة" و"خيانة القضية" (!!!)، و"فلان باع" و"زيد غيّر جلده"، و"هذه الأديبة علا نجمها هذه الأيام لأنها موهوبة جدًا ثم بضحكة صفراء "في أشياء غير الأدب". أما في حالة البرودة فلا يتخلّى مثقفونا أبدًا عن تلك "النميمة الثقافية"، وإن كانت في تلك الحالة مقترنة بإيقاع "قرقرة" النرجيلة الهادئ الممل، وانبعاث الدخان ببطء إلى العدم!!
أما حكاية "مقهى الكلاب" فمرتبطة بحكاية الصحافة والصحفيين في مدينة "القاهرة"، وثمانون بالمائة منهم بلا مكاتب أو حتى جهات عمل يرتزقون منها بشكل ثابت، وأشبه فئة بهم هم "الأنفار" أو "الأرزقية" الذين يجلسون في أماكن معروفة لـ "مقاولي الأنفار"، حتى إذا احتاج هؤلاء إلى بعض العمال في مهمة لمدة يوم أو يومين أو أسبوع ذهبوا بسيارة نصف نقل واستأجروا بعضًا منهم نظير أجر يوميّ، وبمجرد أن تقف السيارة يتدافع الأنفار جريًا نحوها، ثم تبدأ المناقصة في الأجر لكي يتراجع المتدافعون ولا يبقى إلا من تضطره ظروفه إلى قبول هذا الأجر المتدني، وهكذا يبدأ الغد بسعر الأمس وتبدأ المناقصة من جديد!!
بالأمس كان "برجوازية المثقفين" يجلسون في كازينو "الجوريون"، أما "الصعاليك" من الأدباء والشعراء الشبان والصحفيين فكانوا يجلسون على مقهى "زهرة البستان" الذي كُتِب تحت اسمه عبارة "ملتقى الأدباء والفنانين".
كان "زهرة البستان" مقهى متواضعاً؛ كراسيه وطاولاته قديمة، وكذلك ديكوراته، مما يتناسب مع أسعاره الزهيدة التي تلائم "ممتهني الأدب والصحافة"، ثم جرى على "زهرة البستان" ما جرى على غيره اشتراه "مستثمر" جديد واشترى كراسيّ وطاولات جديدة وصمم ديكورات حديثة، ولم يبق من القديم سوى اسم المقهى والعبارة المكتوبة تحته، ومع الجديد قوانين جديدة "الشكك ممنوع والزعل مرفوع" و"اللي حيطلب راح يقعد، واللي ما يطلبش يبعد". وكان الصحفيون أول المبعدين لأنهم كانوا -من قبل- "المتعاملين بالشكك" وأقل من يطلب المشروبات، وأصبح روّاد المقهى ناساً غير الناس، شباب جامعات وشابات لا يتحدثون في الثقافة ولا يبالون، لكنهم يمارسون "الحرية" التي طالما كانت "الإغراء الأكبر" لكثير من مدعي الثقافة، فلا ثقافة ولا "ديالوغ" ولا وجع قلب ومخ وأعصاب، ومن يريد أن يفعل شيئاً فليفعله دون تنظير ولا بحث في "أصل العائلة" و"الأسرة كنتيجة لبروز الملكية الخاصة"….!!
أصبحت مدينة القاهرة في "زهرة البستان" مختلفة عن القاهرة، وحمل الصحفيون وصغار الأدباء قروشهم، وشعاراتهم وذهبوا إلى مقهى "فيينا"؛ حيث وجدوا كل الترحيب والتسامح، ودارت الأيام، ووجدت إدارة المقهى أن الأمر لا يستحق، وأن "الأخ من دول" يجلس ساعات طويلة ويستقبل أصحابه ويتصرف على راحته ولا يطلب أكثر من كوب شاي بخمسين قرشًا، فبدأت المضايقات، يأتي القهوجي مرة بعد أخرى ويسأل "تطلب حاجة يا أستاذ؟"، وحين لا يجد استجابة يتصرف بسماجة: "لو سمحت وسّع. عايزين نفضِّي مكان للزباين اللي بتدفع" أو "بعد إذنك يا أستاذ.. المكان محجوز للمعلم فلان.. اقعد جوّه".
ومرة أخرى حمل الصحفيون همومهم وفقرهم وانكسارهم إلى إحدى أكثر المقاهي تواضعًا في شارع رمسيس عند نهاية كوبري 6 أكتوبر وهي مقهى يتجاور مع محال ميكانيكا وسمكرة السيارات، ومرتادوه هم أصحاب الورش وصبيانهم-ولهم كل الاحترام-، ويختلط هناك الكلام عن أسعار طلاء السيارات وإطاراتها بالحديث عن طرد الصحفي فلان من "روزاليوسف"، وغلق جريدة كذا أو إفلاسها، أو رفض المطابع لطباعتها بأوامر فوقية لأن رئيس تحريرها مغضوب عليه.. كلام وغضب وإفلاس وجوع، و"الكلب الذي ينبح لا يعض" هذا ما حدا بأحد الصحفيين المغضوب عليهم والذي أغلقت جريدة كان يرأس تحريرها قبل سنتين لأن يسميها "قهوة الكلاب". وهو تعبير استخدمه هتلر بصورة أكثر تهذيبًا في سياسته الإعلامية التي قادها جوبلز قبل ستة عقود، وكان يطلق على سياسته "حرية الصراخ" اصرخ كما تشاء. وانبح كما تريد، ولكن لا تفعل شيئًا.
وهل من كانت تلك حالته قادر على أن يكتب شيئًا ذا معنى، أو يحصّل ثقافة ذات معنى وإطلالة صغيرة على حال الصحافة المصرية في زمن الشعارات من "السماوات المفتوحة" و"الإعلام عبر الفضاء" وغيرها، سيكون أبلغ من أي كلام، صحافة بلا شكل ولا مضمون ولا حرفة، إقطاعيات كإقطاعيات التليفزيون والإذاعة يتوارثها أبناء الأكابر، أما الصحفيون فلا زالوا يتصايحون على "مقهى الكلاب"!!.
____________
عذاب نون: من شارع الثقافة العربي!!








تعليق