-1-
سحائب الغروب تظلل الغروب البارد ثم تنسحب مع الأضواء الى فراغاتها الشاحبة ..
لم يطل الطرق حتى انفتح الباب ، أسرعت الابتسامة ترتسم في نعومة الترحيب و الترقب .. لكنها تراخت فجأة حينما التقطت عيناها الحقيبة الضخمة في يده اليسرى ..
- خير .. انت شايل الشنطة دي ليه ؟
- طب خليني ادخل الأول و بعدين افهمك ..
أسرعت في لهفة لتفسح له مدخل الشقة ثم مدت عنقها خارج الباب لتتأكد أن أحدا لم يراه يدخل الى بيتها .. أغلقت الباب ثم هرولت اليه ..
- انت مسافر ؟
- أيوة .. في قطر الساعة عشرة !
- رايح فين ؟
- راجع بلدنا .. فيه حاجات لازم اخلصها هناك
أطرقت للحظات و هي تغالب قلق السؤال الآتي ، ثم رفعت رأسها اليه .. ذات الجلسة التي تجمعهما الآن كانت أول جلسة تشهدهما في بيتها .. ذلك المقعد احتوى آخرون من قبله ، لكنه انساها كل من سبقه و وجدت بين ذراعيه تلك الانسانية التي افتقدتها في الآخرين .. هو وحده لم يرد البعث بترملها الباكر و ايرادها الكبير ..
استمدت الأمان من ذكرياتها المفعمة حبا و عطاء .. فانطلقت بالسؤال
- و هترجع تاني ؟
أشاح بوجهه ليتوه بنظراته في تهاويل البساط ..
- سكت ليه ؟ .. هترجع امتى ؟
زفر في توتر و تقلصت ملامحه بانتهاء صبره ..
- اتكلم .. هترجع امتى ؟
نظر الى عينيها في تحد ثم اعتدل يبحث عن حقيبته و هو يقول
- مش هارجع تاني .. هأخلص مشواري بعدين اسافر بعيد
انتفضت في ذعر و اتسعت عيناها لتشمل كل مشاعر الصدمة و المقاومة ، لكنها انهزمت بوقفته المفاجئة و هو يتمتم بكلمات مبهمة لم تستخلص منها سوى كلمة ( كفاية)
هبت واقفة مفرودة الذراعين كأنها تسد عليه منافذ الحياة ، ثم صاحب في استجداء ..
- كفاية ايه ؟ .. انت مش هتخرج من هنا أبدا ..
اشتغل الغيظ في داخله .. فتوالت صفعاته في هياج
- كفاية نجاسة بقى .. كفاية .. كفاية .. كفاية بقى نجاسة
ارتمت على الأريكة في ذهول .. فانتزع الحقيبة و بصق على جسدها المرتعش .. ثم خرج !
-2-
أجمل ما في القطار أنه يعبر الأشياء في الاتجاهين .. أما الفخ المحكم : فالقطار لا يقف عندها أبدا !
تهشمت بللورة اللذة بين أصابعه سعيا للموت الحائم ..
ظل يرقب مدام ( دنيا) شهور طويلة حفظ في بدايتها عادتها شبه اليومية في فتح النافذة صباحا و غلقها بعد الغروب .. ثم ربط بين عادتها ثابتة التوقيت و بين صعود الغرباء الى العمارة و نزولهم .. فأدرك حينئذ سر بللها الدائم كعربة ترمس !
لم يقتصد في نظرات التقزز و الاحتقار .. و ظلت عربة الترمس - مدام ( دنيا ) - رمزا طاغيا للعفن الذي يملأ زوايا حياته .. لكنه يوم تلقى خبر مصرع أمه و قيد الحادث ضد مجهول ، استسلم لطوفان الضعف و ذهب يمرغ جبهته على جسدها ..
يومها ثار على صديقه ( راضي ) .. و تناثر السباب و اللعنات لتشمل الجميع ، لكن ( راضي ) لم يهتز و لم يتبدل ملمح في وجهه الصفيق و انتظره حتى خمدت ثورة كبريائه ثم قال بنبرته الجليدية :
- قول اللي تقوله .. انت عارف انك مش هتعرف تعمل أي حاجة
أفرغ ( راضي ) ما تبقى من زجاجة ( البيبسي ) في فمه ثم أكمل حديثه
- و لو كنت عشمان الحكومة تعمل حاجة .. فالجناية زي ما باقول لك ضد مجهول .. و ملعون أبو اللي يفتح بقه بكلام غير ده !
المرارة تترسب في قلبه و ملامحه تشيخ .. نظر الى ( راضي ) في ذل ثم تصاعدت حروفه المريضة ..
- مجهول ازاي .. هو فيه مجهول أوضح من كده ؟
- عايز نصيحتي ؟ .. انسى الموضوع و حاول تعيش حياتك
- دي أمي يا راضي
- معندكش حاجة تنفعها بيها ..
و بعد أن خرج ( راضي ) استعاد الموقف مرة اخرى ، و تثائبت جروحه القديمة كلها .. فيقرر في ذروة الألم أن ينتقم ..
لكنه - عند الغروب - قرر أن يزور مدام ( دنيا )
تهشمت بللورة اللذة بين أصابعه سعيا للموت الحائم ..
ظل يرقب مدام ( دنيا) شهور طويلة حفظ في بدايتها عادتها شبه اليومية في فتح النافذة صباحا و غلقها بعد الغروب .. ثم ربط بين عادتها ثابتة التوقيت و بين صعود الغرباء الى العمارة و نزولهم .. فأدرك حينئذ سر بللها الدائم كعربة ترمس !
لم يقتصد في نظرات التقزز و الاحتقار .. و ظلت عربة الترمس - مدام ( دنيا ) - رمزا طاغيا للعفن الذي يملأ زوايا حياته .. لكنه يوم تلقى خبر مصرع أمه و قيد الحادث ضد مجهول ، استسلم لطوفان الضعف و ذهب يمرغ جبهته على جسدها ..
يومها ثار على صديقه ( راضي ) .. و تناثر السباب و اللعنات لتشمل الجميع ، لكن ( راضي ) لم يهتز و لم يتبدل ملمح في وجهه الصفيق و انتظره حتى خمدت ثورة كبريائه ثم قال بنبرته الجليدية :
- قول اللي تقوله .. انت عارف انك مش هتعرف تعمل أي حاجة
أفرغ ( راضي ) ما تبقى من زجاجة ( البيبسي ) في فمه ثم أكمل حديثه
- و لو كنت عشمان الحكومة تعمل حاجة .. فالجناية زي ما باقول لك ضد مجهول .. و ملعون أبو اللي يفتح بقه بكلام غير ده !
المرارة تترسب في قلبه و ملامحه تشيخ .. نظر الى ( راضي ) في ذل ثم تصاعدت حروفه المريضة ..
- مجهول ازاي .. هو فيه مجهول أوضح من كده ؟
- عايز نصيحتي ؟ .. انسى الموضوع و حاول تعيش حياتك
- دي أمي يا راضي
- معندكش حاجة تنفعها بيها ..
و بعد أن خرج ( راضي ) استعاد الموقف مرة اخرى ، و تثائبت جروحه القديمة كلها .. فيقرر في ذروة الألم أن ينتقم ..
لكنه - عند الغروب - قرر أن يزور مدام ( دنيا )
-3-
أعمدة الكهرباء تنهب الطريق الى الخلف .. لماذا حينما تنكسر الأعمدة يستبدلونها دون أن يفتشوا مكانها .. فربما خلفت مكانها بقايا منتصبة ؟
حكت له أمه أن أباه مات في حادث سير .. لكنه حينما كبر ، عرف أنه قتل في شجار مع أصدقائه على مائدة القمار ..
و في أيام الحداد .. قيل لأمه ألا تحزن ، فقد ترك لها المرحوم رجلين - هو و اخاه الصغير - سيكونان عمادا لها بعد حين .. لكنه أدرك بعد سنوات أنه لم يكن أكثر من شاهد قبر يعرف كل من ينظر اليه أن ثمة أب مات ..
فمنذ بدأ أبوه رحلته الأبدية في قشرة الأرض و الهوان يلاحق كل أيامه ، عدا دفقات النشوة المتباعدة التي كانت في صورة طعام جيد أو ثوب قديم صالح تأبي به أمه بعد غيابها الصباحي اليومي .. و شيئا فشيئا اعتاد حياته الجديدة و تمرس وجهه ذات الست سنوات على الفقر !
و في ليلة ما .. بدأ الكابوس !
عاد الى بيته الفقير بعد انتهاء جولاته الصبيانية ، ليجد في البيت رجلا غريبا ..
- ( ضاحكة ) جبنا في سيرة القط جه ينط .. تعالى سلم على عمك
(( في زاوية الحجرة ، كان أخوه يعبث بلعبة جديدة .. بينما ارتصت على المائدة لفافات عديدة شهية المنظر ))
تلاشت نصف يده في كف العم الباردة .. ثم أجلسه بجواره و راح يمطره باسئلة متلاحقة عن عمره و احواله ، فكان يجيب بردود بلهاء منشغلا بالتفكير في ما تحويه تلك اللفافات ..
و بعد يومين .. عادت الأسرة اليتيمة الى قرية الأب لتعيش في ظل ( عم موسى ) ابن عمه !
حكت له أمه أن أباه مات في حادث سير .. لكنه حينما كبر ، عرف أنه قتل في شجار مع أصدقائه على مائدة القمار ..
و في أيام الحداد .. قيل لأمه ألا تحزن ، فقد ترك لها المرحوم رجلين - هو و اخاه الصغير - سيكونان عمادا لها بعد حين .. لكنه أدرك بعد سنوات أنه لم يكن أكثر من شاهد قبر يعرف كل من ينظر اليه أن ثمة أب مات ..
فمنذ بدأ أبوه رحلته الأبدية في قشرة الأرض و الهوان يلاحق كل أيامه ، عدا دفقات النشوة المتباعدة التي كانت في صورة طعام جيد أو ثوب قديم صالح تأبي به أمه بعد غيابها الصباحي اليومي .. و شيئا فشيئا اعتاد حياته الجديدة و تمرس وجهه ذات الست سنوات على الفقر !
و في ليلة ما .. بدأ الكابوس !
عاد الى بيته الفقير بعد انتهاء جولاته الصبيانية ، ليجد في البيت رجلا غريبا ..
- ( ضاحكة ) جبنا في سيرة القط جه ينط .. تعالى سلم على عمك
(( في زاوية الحجرة ، كان أخوه يعبث بلعبة جديدة .. بينما ارتصت على المائدة لفافات عديدة شهية المنظر ))
تلاشت نصف يده في كف العم الباردة .. ثم أجلسه بجواره و راح يمطره باسئلة متلاحقة عن عمره و احواله ، فكان يجيب بردود بلهاء منشغلا بالتفكير في ما تحويه تلك اللفافات ..
و بعد يومين .. عادت الأسرة اليتيمة الى قرية الأب لتعيش في ظل ( عم موسى ) ابن عمه !
-4-
هواء القرية يتسلل الى خلايا محملا بالماء .. فهل تلك الرطوبة هي سر تعفن الأشياء ؟
منذ سنوات طويلة نزل الى تلك المحطة و هو يحلم باللفافات التي تركها العم على المائدة .. و لم تكذب الأيام الأولى آماله ، فقد كانت تجيئهم كل يوم الأواني الممتلئة لحوما و طيورا و فاكهة من بيت العم ( موسى ) .. فجرى ماء الشباب الى وجه الأم مرة اخرى ، بعدما أرهقتها الخدمة في البيوت ..
و في الليلة الشوهاء .. انتبه من نومه على تأوهات الألم من حجرة أمه ، فزع الى الحجرة و فتح الباب لينتفض ( موسى ) من فوق أمه و يسحب الغطاء على صدره العاري مصوبا اليه نظرات كالسياط ..
قيدت الدهشة لسانه و تجمد كل شئ فيه سوى عينيه الحائرتين بين وجه موسى الشائط و وجه امه النازع للبكاء .
حاول أن يجد في علقه الصغير تفسيرا للمشهد ، لكن أمه لم تمهله حتى يفهم و صاحت به في صرامة ..
- انت ايه اللي صحاك دلوقتي .. روح نام مع اخوك حالا !
أراد أن يعترض .. لكن نظرة واحدة من عيني ( موسى ) نافذ الصبر حملته على الخضوع ..
فاستدار و أغلق الباب في هدوء ، ثم نام نوما عميقا !!
و في الصباح .. دعته أمه الى حجرتها ، فأعد في نفسه الأسئلة حتى يفهم ما حدث
لكن أمه استقبلته في حزم صادم أربك عقله ثم بدأت حديثها في عتاب جاد ..
- انت مش عارف ان غلط تدخل على حد من غير ما تستأذن ؟
- ما انا سمعتك بتقولي اه .. فافتكرتك تعبانة !
- ولو .. قبل ما تدخل على حد لازم تستأذن
فهم أنه المخطئ .. لكنه لا يزال في حاجة لتفسير مشهد الأمس !
استجمع شجاعة هشة من لامبالاته الطفولية ، كانت كافية لينطق بالسؤال
- هو عم موسى كان بيعمل ايه معاكي امبارح ؟
جاءه الرد سريعا صفعة هائلة ارتج لها جسده و عقله و كل خبراته عن حنان أمه و لطفها الغالب وما وطنه في نفسه من حق في اسداء السؤال ..
- اياك تسأل عن كده تاني .. انت فاهم
ارتجق جسده و انكمش ازاء ثورتها الغريبة ، لكنها تابعت
- و اعرف من هنا و رايح ان عمك موسى هيجي كتير .. و اياك اشوفك بتعامله وحش ولا اعرف انك زعلته
- ( و هو يبكي ) حاضر ..
- غور من وشي دلوقتي
لم يعينه عقله على فهم ما حدث ، لكن فطرته النقية أنبأته بغرابة الأمر كله .. أما أكثر ما كان يشقيه فهو احساسه بأن أمه تؤثر عليه ( عم موسى ) ، و انها صفعته لأجل رجل غريب !
و استمرت زيارات عم ( موسى ) الى بيتهم ، فكان يهرع الى حجرته كلما صعقته النظرات النارية ليتمدد على الفراش بجانب اخيه في محاولة فاشلة للنوم الذي لا يأتي أبدا الا بعد انتهاء التأوهات الليلية في حجرة أمه ..
و حينما بلغ الثامنة .. تشاجر مع صبية القرية أثناء اللعب ، فدفع أحدهم دفعة قوية أسقطته أرضا !
- بتضربني يا ابن الواطية .. طيب و ربنا لاوريك
ثم قام منتفضا و انقض عليه لينتقم منه .. لكنه دفعه مرة اخرى و هو يهتف في غضب وحشي :
- ما تشتمش امي تاني يا كلب
استسلم الصبي الآخر لهزاله فلم يحاول أن يقترب ثانية .. لكنه قال في اغاظة :
- ده كل يوم حاج موسى بيجي عندكم و يبات عند امك
تصاعدت التعليقات الساخرة و ضحكات الشماتة من حوله ، فباخت ثورته و هو يتذكر المشهد القديم ، و تجمد في مكانه ثابت الملامح و النظرات .. ثم غالبته الدموع فظل يبكي طيلة المسافة الى البيت ..
و هناك ، استقبلته أمك في تساؤل عن بكائه فاجابها في براءة عاتبة :
- العيال شتموكي و شتموني علشان عم موسى بيجي عندنا
صمتت في دهشة و حملقت عبر مساحة الباب المفتوح ، و هي تستعيد اعراض الفلاحات عنها حينما تذهب للزيارة !
- امشي دلوقتي و ما تلعبش مع العيال دي تاني ..
و في مساء اليوم التالي ، دخل الى حجرته كالمعتاد حينما انتهى العم ( موسى ) من كوب الشاي .. لكنه نهض مفزوعا على صراخ أمه و نحيبها و صوت صفعات قوية تنهال على جسدها !
أراد أن يذهب الى حجرة أمه .. لكنه لم يتحرك من مكانه الا حينما صفق باب البيت معلنا خروج عم ( موسى ) ..
هرع الى أمه ليراها ثائرة الشعر حمراء الوجه و الذراعين و هي تنظر اليه بعين مقهورة دامعة .. جاوبت دموعه بكائها ثم ارتمى في حضنها و ساد الصمت ..
و في نهاية الصيف .. أخبرته أمه بأن عليه الرحيل الى بلدة أخرى ليواصل الدراسة !
منذ سنوات طويلة نزل الى تلك المحطة و هو يحلم باللفافات التي تركها العم على المائدة .. و لم تكذب الأيام الأولى آماله ، فقد كانت تجيئهم كل يوم الأواني الممتلئة لحوما و طيورا و فاكهة من بيت العم ( موسى ) .. فجرى ماء الشباب الى وجه الأم مرة اخرى ، بعدما أرهقتها الخدمة في البيوت ..
و في الليلة الشوهاء .. انتبه من نومه على تأوهات الألم من حجرة أمه ، فزع الى الحجرة و فتح الباب لينتفض ( موسى ) من فوق أمه و يسحب الغطاء على صدره العاري مصوبا اليه نظرات كالسياط ..
قيدت الدهشة لسانه و تجمد كل شئ فيه سوى عينيه الحائرتين بين وجه موسى الشائط و وجه امه النازع للبكاء .
حاول أن يجد في علقه الصغير تفسيرا للمشهد ، لكن أمه لم تمهله حتى يفهم و صاحت به في صرامة ..
- انت ايه اللي صحاك دلوقتي .. روح نام مع اخوك حالا !
أراد أن يعترض .. لكن نظرة واحدة من عيني ( موسى ) نافذ الصبر حملته على الخضوع ..
فاستدار و أغلق الباب في هدوء ، ثم نام نوما عميقا !!
و في الصباح .. دعته أمه الى حجرتها ، فأعد في نفسه الأسئلة حتى يفهم ما حدث
لكن أمه استقبلته في حزم صادم أربك عقله ثم بدأت حديثها في عتاب جاد ..
- انت مش عارف ان غلط تدخل على حد من غير ما تستأذن ؟
- ما انا سمعتك بتقولي اه .. فافتكرتك تعبانة !
- ولو .. قبل ما تدخل على حد لازم تستأذن
فهم أنه المخطئ .. لكنه لا يزال في حاجة لتفسير مشهد الأمس !
استجمع شجاعة هشة من لامبالاته الطفولية ، كانت كافية لينطق بالسؤال
- هو عم موسى كان بيعمل ايه معاكي امبارح ؟
جاءه الرد سريعا صفعة هائلة ارتج لها جسده و عقله و كل خبراته عن حنان أمه و لطفها الغالب وما وطنه في نفسه من حق في اسداء السؤال ..
- اياك تسأل عن كده تاني .. انت فاهم
ارتجق جسده و انكمش ازاء ثورتها الغريبة ، لكنها تابعت
- و اعرف من هنا و رايح ان عمك موسى هيجي كتير .. و اياك اشوفك بتعامله وحش ولا اعرف انك زعلته
- ( و هو يبكي ) حاضر ..
- غور من وشي دلوقتي
لم يعينه عقله على فهم ما حدث ، لكن فطرته النقية أنبأته بغرابة الأمر كله .. أما أكثر ما كان يشقيه فهو احساسه بأن أمه تؤثر عليه ( عم موسى ) ، و انها صفعته لأجل رجل غريب !
و استمرت زيارات عم ( موسى ) الى بيتهم ، فكان يهرع الى حجرته كلما صعقته النظرات النارية ليتمدد على الفراش بجانب اخيه في محاولة فاشلة للنوم الذي لا يأتي أبدا الا بعد انتهاء التأوهات الليلية في حجرة أمه ..
و حينما بلغ الثامنة .. تشاجر مع صبية القرية أثناء اللعب ، فدفع أحدهم دفعة قوية أسقطته أرضا !
- بتضربني يا ابن الواطية .. طيب و ربنا لاوريك
ثم قام منتفضا و انقض عليه لينتقم منه .. لكنه دفعه مرة اخرى و هو يهتف في غضب وحشي :
- ما تشتمش امي تاني يا كلب
استسلم الصبي الآخر لهزاله فلم يحاول أن يقترب ثانية .. لكنه قال في اغاظة :
- ده كل يوم حاج موسى بيجي عندكم و يبات عند امك
تصاعدت التعليقات الساخرة و ضحكات الشماتة من حوله ، فباخت ثورته و هو يتذكر المشهد القديم ، و تجمد في مكانه ثابت الملامح و النظرات .. ثم غالبته الدموع فظل يبكي طيلة المسافة الى البيت ..
و هناك ، استقبلته أمك في تساؤل عن بكائه فاجابها في براءة عاتبة :
- العيال شتموكي و شتموني علشان عم موسى بيجي عندنا
صمتت في دهشة و حملقت عبر مساحة الباب المفتوح ، و هي تستعيد اعراض الفلاحات عنها حينما تذهب للزيارة !
- امشي دلوقتي و ما تلعبش مع العيال دي تاني ..
و في مساء اليوم التالي ، دخل الى حجرته كالمعتاد حينما انتهى العم ( موسى ) من كوب الشاي .. لكنه نهض مفزوعا على صراخ أمه و نحيبها و صوت صفعات قوية تنهال على جسدها !
أراد أن يذهب الى حجرة أمه .. لكنه لم يتحرك من مكانه الا حينما صفق باب البيت معلنا خروج عم ( موسى ) ..
هرع الى أمه ليراها ثائرة الشعر حمراء الوجه و الذراعين و هي تنظر اليه بعين مقهورة دامعة .. جاوبت دموعه بكائها ثم ارتمى في حضنها و ساد الصمت ..
و في نهاية الصيف .. أخبرته أمه بأن عليه الرحيل الى بلدة أخرى ليواصل الدراسة !
-5-
البيت القديم يتدثر بالظلام .. لكن عورة الذكريات مكشوفة للجميع !
منذ خرج من هذا البيت أول مرة .. لم يعد اليه أبدا
تبادلته الجدران و البلدان حتى التحق بالجامعة و بعدها وجد ملاذه في شقة حقيرة و وظيفة ليلية استغنى بها عن المبلغ الشهري الذي اعتادت امه أن تبعثه اليه او الى من كانوا يتولون أمر اقامته و معاشه ..
انقطعت اخباره عن أمه و انقطعت اخبارها عنه و بدأ يحاول الانسجام بعيدا عن مهانة الماضي ..
وذات يوم .. لقي ( أم هاني ) خادم أمه العجوز تنتظره عند باب كليته ، و قبل أن يخرج من غمرة الدهشة احتوته بين أحضانها و هي تحدثه عن معاناتها في السؤال و البحث و عن اشتياقها و فرحتها بلقائه ..
كانت ( أم هاني ) رابطه الوحيد بقريته البائسة .. تزوره في كل البيوت لتمطئن عليه و تحمل اليه تحيات أمه و دعواتها و تعود منه باحواله !
اقتادها الى بيته الجديد و هي تلح عليه أن يدعها ترحل قبل المساء لتلحق بموعد القطار الاخير ..
وبعد أن انتهت من الطعام الذي حملته اليه .. بدأت تنظر اليه في اعجاب و فخر مبين
- ما شاء الله عليك .. كبرت و بقيت راجل
صمت و هو يترقب السؤال الذي يلوح حائرا في عينيها
- بس قول لي .. عايش منين و بتاكل ازاي ؟
- باشتغل بالليل بياع في محل بقالة .. و بتتقضى الحمد لله
- يستاهل الحمد .. طب هو ده سبب يخليك ما تسألش على أمك و اخوك .. يا ابني دي أمك قلبها واكلها عليك ، و لولاش قلقها مكنتش خليتني جيت لك ..
آخذ يستعيد ذكرياته البغيضة .. انتفاضة العم ( موسى ) على جسد امه العاري .. الأصوات الليلية .. شتائم صبي القرية .. نظرات الرجال الذين استضافوه بين ابنائهم في رحلة اغترابه ..
ساد الصمت كاملا لولا صوت انفاسه المرتعشة .. بينما أخذت ( أم هاني ) تحملق فيها حولها بملامح جامدة ، و بعد فترة تكلمت كأنها تجيب عن سؤاله الداخلي ..
- يا ابني انت ظالم امك .. كنت عايزها تعمل ايه بعد موت ابوك .. الندل لعب بيها و استغل ظروفها .. و هي ما قدرتش تقول لأ علشان خاطرك و خاطر اخوك !
اشتعلت في عقله الأسئلة و تدافعت ألف لماذا الى شفتيه .. لكنها كبلها جميعا في مرارة ثم اندفع الى باب الشقة خارجا ، و حينما عاد .. لم يجد ( أم هاني )
لكنه - بعد شهور - وجدها مرة اخرى على رأس الشارع
- الحق أمك يا ابني .. امك محتاجة لك
- خير .. مالها أمي ؟ .. حصل ايه ؟
- المفتري الله يلعنه ..
- عمل ايه ؟ اتكلمي ..
- زمان قبل ما انت تمشي .. طلبت منه يتجوزها علشان محدش يلسن عليها و عليك ، قام ضربها و بعتك برة البلد .. و يوم ما انا رجعت من عندك و قلت لها ع اللي حصل .. قامت خيرته لا يتجوزها لا يسيبها في حالها .. لكن الوحش فضل يضرب فيها و حرج عليها تخرج م البيت ، و لولايا كنت باسرب لها الاكل كان زمانها ماتت م الجوع .. أمانة عليك تلحقها و تخلصها م اللي هيا فيه ..
- و اخويا .. بيعمل ايه وسط ده كله ؟
- اخوك .. ده لوحده جايب الحسرة لأمك
- ليه ؟ عمل ايه ؟
- شغال دلوقتي مع موسى و بيقولوا انه هيجوزه بنته
- ياه .. هيتجوز بنت موسى !!
- امانة عليك يا ابني .. ترجع تلحق امك و تنجدها من قهرتها عليك و على اخوك
ظل طيلة الأيام اللاحقة يزكي رغبته في العودة و انقاذ أمه .. لكن المشاهد الراسبة كانت تنهش ارادته أولا بأول .. فقرر أن يدع أمه لمصيرها و حاول أن ينغمس في حياته و ينسى ماضيه المحترق ..
و جاء الحب بسحره ليسدل ستارا على ذكرياته الخربة ..
أحب ( سلوى ) زميلته في الجامعة ، و تفتح له الغد عن عالم نظيف استعاد لاجله الرغبة في الحياة ، و تواترت الأنباء من القرية توطد عزمه على انهاء صلته بالجذور .. حيث هادن ( موسى ) أمه بعد فترة الجفاء خوفا من تهديدها له بكشف المستور و فضح جرائمه المستمرة في القرية ، و تراجعت هي عن رغبة الزواج بعدما فقدت كل أملها في رجوع ابنها الكبير ..
لكن رغبته في العودة و الانتقام ظلت مطمورة في داخله حتى استيقظت يوم أخبره ( راضي ) بمقتل امه .. فثار على استسلامه و خنوعه و تمنى لو كان عاد الى القرية و أنقذ أمه حينما بعثت اليه ب(أم هاني) .. تمنى لو رآها قبل موتها ليحتفظ لها في ذاكرته بصورة اخرى غير صورتها العارية و ( موسى ) ينتفض فوقها ..
لكنه تراجع عن ثورته و استسلم لنزوة الضعف و ذهب الى مدام ( دنيا ) ليتردى بين يديها كأنه أراد معاقبة ذاته على تراخيه !!
و طيلة عاملين ظلت ( دنيا ) تستنزفه و تمتص روحه حتى تمدد انهياره النفسي الى الدراسة و العمل فرسب في الكلية و ترك العمل .. لكنه لم يشعر بفداحة سقوطه حتى واجهته ( سلوى ) بما عرفته عن علاقته بجارته الأرملة ..
- انت حيوان و سافل .. هتفضل طول عمرك عايش في قذارة !
تبدد الأمل في المستقبل بعدما انهار الحاضر وتدنس الماضي ..
و بعد أربعة أيام .. قرر أن ينهي علاقته بمدام ( دنيا ) و يعود الى قريته ليطهر ذكرياته !
منذ خرج من هذا البيت أول مرة .. لم يعد اليه أبدا
تبادلته الجدران و البلدان حتى التحق بالجامعة و بعدها وجد ملاذه في شقة حقيرة و وظيفة ليلية استغنى بها عن المبلغ الشهري الذي اعتادت امه أن تبعثه اليه او الى من كانوا يتولون أمر اقامته و معاشه ..
انقطعت اخباره عن أمه و انقطعت اخبارها عنه و بدأ يحاول الانسجام بعيدا عن مهانة الماضي ..
وذات يوم .. لقي ( أم هاني ) خادم أمه العجوز تنتظره عند باب كليته ، و قبل أن يخرج من غمرة الدهشة احتوته بين أحضانها و هي تحدثه عن معاناتها في السؤال و البحث و عن اشتياقها و فرحتها بلقائه ..
كانت ( أم هاني ) رابطه الوحيد بقريته البائسة .. تزوره في كل البيوت لتمطئن عليه و تحمل اليه تحيات أمه و دعواتها و تعود منه باحواله !
اقتادها الى بيته الجديد و هي تلح عليه أن يدعها ترحل قبل المساء لتلحق بموعد القطار الاخير ..
وبعد أن انتهت من الطعام الذي حملته اليه .. بدأت تنظر اليه في اعجاب و فخر مبين
- ما شاء الله عليك .. كبرت و بقيت راجل
صمت و هو يترقب السؤال الذي يلوح حائرا في عينيها
- بس قول لي .. عايش منين و بتاكل ازاي ؟
- باشتغل بالليل بياع في محل بقالة .. و بتتقضى الحمد لله
- يستاهل الحمد .. طب هو ده سبب يخليك ما تسألش على أمك و اخوك .. يا ابني دي أمك قلبها واكلها عليك ، و لولاش قلقها مكنتش خليتني جيت لك ..
آخذ يستعيد ذكرياته البغيضة .. انتفاضة العم ( موسى ) على جسد امه العاري .. الأصوات الليلية .. شتائم صبي القرية .. نظرات الرجال الذين استضافوه بين ابنائهم في رحلة اغترابه ..
ساد الصمت كاملا لولا صوت انفاسه المرتعشة .. بينما أخذت ( أم هاني ) تحملق فيها حولها بملامح جامدة ، و بعد فترة تكلمت كأنها تجيب عن سؤاله الداخلي ..
- يا ابني انت ظالم امك .. كنت عايزها تعمل ايه بعد موت ابوك .. الندل لعب بيها و استغل ظروفها .. و هي ما قدرتش تقول لأ علشان خاطرك و خاطر اخوك !
اشتعلت في عقله الأسئلة و تدافعت ألف لماذا الى شفتيه .. لكنها كبلها جميعا في مرارة ثم اندفع الى باب الشقة خارجا ، و حينما عاد .. لم يجد ( أم هاني )
لكنه - بعد شهور - وجدها مرة اخرى على رأس الشارع
- الحق أمك يا ابني .. امك محتاجة لك
- خير .. مالها أمي ؟ .. حصل ايه ؟
- المفتري الله يلعنه ..
- عمل ايه ؟ اتكلمي ..
- زمان قبل ما انت تمشي .. طلبت منه يتجوزها علشان محدش يلسن عليها و عليك ، قام ضربها و بعتك برة البلد .. و يوم ما انا رجعت من عندك و قلت لها ع اللي حصل .. قامت خيرته لا يتجوزها لا يسيبها في حالها .. لكن الوحش فضل يضرب فيها و حرج عليها تخرج م البيت ، و لولايا كنت باسرب لها الاكل كان زمانها ماتت م الجوع .. أمانة عليك تلحقها و تخلصها م اللي هيا فيه ..
- و اخويا .. بيعمل ايه وسط ده كله ؟
- اخوك .. ده لوحده جايب الحسرة لأمك
- ليه ؟ عمل ايه ؟
- شغال دلوقتي مع موسى و بيقولوا انه هيجوزه بنته
- ياه .. هيتجوز بنت موسى !!
- امانة عليك يا ابني .. ترجع تلحق امك و تنجدها من قهرتها عليك و على اخوك
ظل طيلة الأيام اللاحقة يزكي رغبته في العودة و انقاذ أمه .. لكن المشاهد الراسبة كانت تنهش ارادته أولا بأول .. فقرر أن يدع أمه لمصيرها و حاول أن ينغمس في حياته و ينسى ماضيه المحترق ..
و جاء الحب بسحره ليسدل ستارا على ذكرياته الخربة ..
أحب ( سلوى ) زميلته في الجامعة ، و تفتح له الغد عن عالم نظيف استعاد لاجله الرغبة في الحياة ، و تواترت الأنباء من القرية توطد عزمه على انهاء صلته بالجذور .. حيث هادن ( موسى ) أمه بعد فترة الجفاء خوفا من تهديدها له بكشف المستور و فضح جرائمه المستمرة في القرية ، و تراجعت هي عن رغبة الزواج بعدما فقدت كل أملها في رجوع ابنها الكبير ..
لكن رغبته في العودة و الانتقام ظلت مطمورة في داخله حتى استيقظت يوم أخبره ( راضي ) بمقتل امه .. فثار على استسلامه و خنوعه و تمنى لو كان عاد الى القرية و أنقذ أمه حينما بعثت اليه ب(أم هاني) .. تمنى لو رآها قبل موتها ليحتفظ لها في ذاكرته بصورة اخرى غير صورتها العارية و ( موسى ) ينتفض فوقها ..
لكنه تراجع عن ثورته و استسلم لنزوة الضعف و ذهب الى مدام ( دنيا ) ليتردى بين يديها كأنه أراد معاقبة ذاته على تراخيه !!
و طيلة عاملين ظلت ( دنيا ) تستنزفه و تمتص روحه حتى تمدد انهياره النفسي الى الدراسة و العمل فرسب في الكلية و ترك العمل .. لكنه لم يشعر بفداحة سقوطه حتى واجهته ( سلوى ) بما عرفته عن علاقته بجارته الأرملة ..
- انت حيوان و سافل .. هتفضل طول عمرك عايش في قذارة !
تبدد الأمل في المستقبل بعدما انهار الحاضر وتدنس الماضي ..
و بعد أربعة أيام .. قرر أن ينهي علاقته بمدام ( دنيا ) و يعود الى قريته ليطهر ذكرياته !
-6-
الوغد يخرج لصلاة الفجر !
حتى لو أمحيت كل اثامهه .. لن تنمحي الذكريات الملوثة أبدا !
انتظره على باب المسجد و هو يتحسس مقبض السكين المخبأ و يستجمع كل المشاهد اللاهبة ليقتلها معه ..
مشى نحوه وئديا كأنه القدر .. حتى وقف أمامه
- انت مين و عايز ايه ؟
- مش فاكرني يا موسى ؟
- لا مش فاكرك .. قول انت مين او امشي من وشي
- انا اللي غربته من سنين و اللي قتلت امه .. افتكرتني يا موسى ؟
ثم نزع السكين من ثيابه و طعنه في القلب .. لكن السكين حاد ليصيب الكتف ، فاستعاده مرة اخرى ليطعنه طعنة قاضية .. لكن يد قوي قبضت على رسغه ، فالتقت ليواجه خصمه الجديد ..
وما لبث أن اشتبك معه في قتال عنيف سقط فيه الاثنان أرضا ..
و في ذروة العراك سمع ( موسى ) و هو يصيح بخصمه :
- اقتله يا حسين .. خلص عليه
تجمد مشدوها و تراخت قبضته عن خصمه و هو ينظر اليه مفتوح العينين لا يصدق
- انت حسين .. اخويا ؟
لكن ( حسين ) لم يمهله ليستوعب الموقف ، و التقط السكين من يده ليهوى به على اخيه ..
و في تلك المرة .. نفذت الطعنة الى الصميم !
حتى لو أمحيت كل اثامهه .. لن تنمحي الذكريات الملوثة أبدا !
انتظره على باب المسجد و هو يتحسس مقبض السكين المخبأ و يستجمع كل المشاهد اللاهبة ليقتلها معه ..
مشى نحوه وئديا كأنه القدر .. حتى وقف أمامه
- انت مين و عايز ايه ؟
- مش فاكرني يا موسى ؟
- لا مش فاكرك .. قول انت مين او امشي من وشي
- انا اللي غربته من سنين و اللي قتلت امه .. افتكرتني يا موسى ؟
ثم نزع السكين من ثيابه و طعنه في القلب .. لكن السكين حاد ليصيب الكتف ، فاستعاده مرة اخرى ليطعنه طعنة قاضية .. لكن يد قوي قبضت على رسغه ، فالتقت ليواجه خصمه الجديد ..
وما لبث أن اشتبك معه في قتال عنيف سقط فيه الاثنان أرضا ..
و في ذروة العراك سمع ( موسى ) و هو يصيح بخصمه :
- اقتله يا حسين .. خلص عليه
تجمد مشدوها و تراخت قبضته عن خصمه و هو ينظر اليه مفتوح العينين لا يصدق
- انت حسين .. اخويا ؟
لكن ( حسين ) لم يمهله ليستوعب الموقف ، و التقط السكين من يده ليهوى به على اخيه ..
و في تلك المرة .. نفذت الطعنة الى الصميم !
(( تمت ))







تعليق