في تلك اللحظة لم أستطع أن أقترب منه.. اكتفيت بالنظر إليه من بعيد.. وقفت على باب غرفته في المستشفى من الداخل وهو نائم تحت سيطرة المسكنات والمهدئات.. كان يرتدي ملابس غامقة ضاعفت من سمرته.. ويضع خراطيم في أنفه للتنفس بعد أن احتل المرض اللعين رئتيه وخنق بالورم خلاياهما.. وخراطيم أخرى في أوردة ذراعيه لتتسرب من خلالها الفيتامينات والأملاح بعد أن فقد شهيته للطعام عدة أيام.
هل فتح عينيه وابتسم؟.. ربما.. هل رأيت في ابنه «هيثم» الراقد بالقرب منه صورته الأولى التي كان عليها منذ نحو 35 سنة عندما كنا نضع الدنيا على اتساعها في جيوبنا ونشرب الكابتشينو في وسط القاهرة؟.. ربما.. هل عجزت من جديد على الاقتراب ممن أحب في لحظات تتسرب فيها الحيوية من ملامحهم حتى لا تتغير صورهم في عيني؟.. ربما.. هل شعرت أن الزمن ضحك علينا وغدر بنا..
وفي اللحظة التي اقتربنا فيها من قمة الجبل وكدنا نمسك بها ألقى بنا الى ما تحت القاع دون رحمة؟... ربما.. لكن.. المؤكد أنني في تلك اللحظة الصامتة الخاشعة بعد منتصف الليل لم أكن أملك سوى أن أقرأ بالقرب من أحمد زكي ولو في سري رباعيات صلاح جاهين التي كنا نحفظها معا.. ونرددها معا في كل المناسبات الحلوة والمرة.. ونحن نقتسم القرش والسيجارة والكتاب وتذكرة السينما وفنجان القهوة والطرق والشوارع والأحلام.
«لو كان فيه سلام في الأرض وأمن.. لو كان مفيش ولا فقر ولا خوف ولا جبن.. لو يملك الإنسان مصير كل شيء.. أنا كنت أجيب للدنيا ميت ألف ابن».. «أحب أعيش ولو أعيش في الغابات.. أصحى كما ولدتني أمي وأبات.. طير.. حيوان.. حشرة.. بس أعيش.. محلا الحياة.. حتى في هيئة نبات»..
ودخل الربيع يضحك لقاني حزين.. نده الربيع على اسمي لم قلت مين.. حط الربيع أزهاره جنبي وراح.. وايش تعمل الأزهار للميتين».. «حبيت.. لكن حب من غير حنان.. وصحبت.. لكن.. صحبة مالهاش أمان.. رحت لحكيم وأكثر لقيت بلوتي.. إن اللي جوه القلب مش على اللسان».
كنت وأنا أهمس بشعر صلاح جاهين في حجرة أحمد زكي خافتة الضوء أستدعيه.. أستحضر روحه.. أطلب منه أن يأتي.. فقد تعود أن يزور أحمد زكي في المنام كلما تعرض لمتاعب صحية أو نفسية حرجة.. زاره في لندن وهو يجري جراحة لإزالة المرارة.. وزاره في القاهرة بعد أن وضع نصف جسده في الجبس إثر حادث سيارة كاد أن يقتله.. لكنه..
هذه المرة لم يأت إليه.. لم يتدخل لطمأنته على نفسه.. وهو ما جعل أحمد زكي يقول لي وهو في بداية محنته الأخيرة التي بدأت في شهر فبراير قبل الماضي: «لو جاء لي صلاح جاهين في المنام فإنني سأطفو على ظهر الدنيا من جديد.. إنني أتفاءل به.. لكنه.. لا يريد أن يريني وجهه.. ترى هل يعرف شيئا ما لا يريد أن يخبرني به؟».
لقد كان صلاح جاهين ملاذه القوي في الدنيا والآخرة.. كان أحمد زكي يلجأ إليه عندما كان على قيد الحياة.. يشكو إليه الذين سرقوا منه فرص نجاحه الأولى.. وأجبروه على التفكير في الانتحار.. وتركوه هائما على وجهه يكاد يفقد عقله.. لكن.. صلاح جاهين كان يعيده الى نفسه بكلمة حنان واحدة.. «كل شيء في بدايته صعب يا أحمد.. إن الفرصة لن تأتي إليك على عربة تجرها الملائكة.. ولن تجدها مختبئة تحت وسادتك كضوء القمر.. إن بينك وبينها كهنة..
وعرافين.. وفناجين قهوة لم تفتح.. وعلامات حب قادمة.. تشبه علامات يوم القيامة.. ونبوءات عن أنهار تفيض.. وكنوز ستتوهج.. وأزهار ستتفتح».. وبقى صلاح جاهين على رعايته له حتى بعد رحيله.. لكنه.. هذه المرة لم يأته كما تعود في المنام.
كان قد انتهى من تصوير مشهد سفر عبدالحليم حافظ الى رحلة العلاج الأخيرة في فيلمه الأخير «حليم» عندما راحت جموع الكومبارس تصفق له بشدة فاندمج معها ورفع يديه يحييهم بالحيوية نفسها.. لكنه.. قبل أن يغادر موقع التصوير شعر بضيق في التنفس.. ونهجان في الصدر.. وصعوبة في الحركة.. فحملوه الى المستشفى.. ثم حملوه الى غرفته.. في الدور الأول.. الغرفة (1229).. إنها المرة الأولى منذ مرضه التي لا يقاوم نقله على كرسي متحرك.. كان يصر على أن يدخل على قدميه.. ويخرج على قدميه.. مهما كانت الأزمة الصحية التي يتعرض لها.
كان يغلق على نفسه الباب وينعزل عن من حوله تماما حتى لا يراه أحد وهو يعاني من الآثار القاسية لجرعات العلاج الكيميائي التي تهد جبالا.. وبصعوبة بالغة وافق على أن ينزل من فندق هيلتون رمسيس (حيث يقيم) يوم أصيب بجلطتين في الشرايين الموصلة للرقبة وانتفخ وجهه وبطنه.. ورفض أن يبقى في غرفة الرعاية الفائقة وسط آخرين ينظرون إليه وهو في هذه الحالة.. وطوال تلك الليلة لم يقدر أحد منا على الاقتراب منه.. كان يحتمل عذابه وحده.. ويضغط على أسنانه وحده.
لكنه وسط كل هذه الظروف لم يكن يكف عن سؤال ابن خالته ورفيق طفولته في الشرقية الفنان التشكيلي سمير عبدالمنعم» «هل أكرمت رجال الإسعاف؟.. هل تذكرت الممرضة؟».. إنه مجنون بأن يسعد الآخرين.. ويعطيهم كل ما في جيبه.. وفي اليوم الأخير من تصوير كل فيلم من أفلامه كان يوزع على عمال الاستديو ما يتقاضاه من المنتج في ذلك اليوم..
ولو تناولت معه الطعام فإنه ستكون له مهمة وحيدة وهيوضع كميات هائلة من الأكل في طبقك مهما كانت قيمة هذا الأكل.. أما هو فسيكتفي بلقمة أو لقمتين.. لذلك لاتتناول معه الطعام الهندي المغطى بالشطة والتوابل والكاري وإلا ستموت من الكمية الموضوعة أمامك.
إنه مجنون بالناس.. لا يطيق الوحدة.. تؤلمه النقود.. يتفنن في إنفاقها.. خاصة على دور في سيناريو يمنحه خطوة إضافية في التميز.. وقد رهن شقته التي خرج بها من حطام الدنيا ليواصل إنتاج فيلمه الشهير عن السادات.. وقبل ذلك بنحو 20 سنة كان في جيبه ألف جنيه وبينما يعبر ميدان طلعت حرب وسط القاهرة ولمح كتابي «قنابل ومصاحف» عند باعة الصحف فاشترى نسخا بكل ما في جيبه وراح يوزعها على المارة.. وهو ما لفت الأنظار اليه.. وتصور أحد المخبرين أنه أمير في تنظيم إرهابي يروج كتابا لجماعته.. وكاد أن يقبض عليه.
فيما بعد قال لي: «شعرت أن كتابك هو كتابي.. أن ما تكتبه أنا مؤلفه.. وما أمثله تقوم أنت ببطولته.. نحن أبناء جيل واحد.. تحملنا ما لم يتحمله جيل آخر.. التحولات والتغيرات من حولنا كانت حادة.. من الحرب مع إسرائيل للصلح معها.. من نظام اقتصادي مركزي تسيطر فيه الدولة على كل شيء الى نظام سوق مفتوح على مصراعيه يسيطر عليه مجموعة من رجال البيزنيس.. من العداء للسياسة الأمريكية للتحالف معها.. من الإيمان بقيمة الفن الى التجارة فيه».. كيف تحملنا كل هذه المنعطفات القوية؟.. كيف بقينا على قيد الحياة والموهبة رغم كل ذلك؟.
لقد تغيرت الدنيا ولم يتغير أحمد زكي.. بقى مجنونا بالتمثيل.. بالبحث عن دور مختلف يدفع فيه عمره ليؤديه.. لم يستسلم لشهوة الضوء.. والشهرة.. والنجومية.. بقى بعيدا عنها لا يصدق أن أحدا يعرفه.. ولا يتصور أن أحدا يتابعه.. اكتفى بعدد قليل جدا من الأصدقاء يسهر معهم ويسأل عنهم.. ويخبرهم بسره..
وكانت متعته اليومية تدخين الشيشة والسجائر بلا انقطاع تقريبا.. ويوم أن كان على باب الله كان يفضل سجائر «الروثمان» الإنجليزية.. وعندما فتح الله عليه راح يدخن سجائر «كليوباترا» المصرية.. بل أكثر من ذلك كان إذا ما ركب سيارة أجرة يصعب على سائقها التعرف عليه من شدة تواضعه وفرط حيائه.. وغالبا ما يقول له: «إنه يشبه أحمد زكي».
وربما لهذا السبب لم يصدق كل الحب الذي غمره بعد ما جرى له.. لم يصدق أن الناس مجنونة به الى هذا الحد.. لقد كانت تليفونات المستشفى تتعطل من شدة الضغط عليها.. وكسب بائعو الزهور الكثير من المال بسببه.. وخرجت من صدور البنات رسائل غرامية مبتكرة.. وربما كان ذلك الإعجاب الذي يصل الى درجة الخوف عليه هو ما منحه القوة ليحارب ذلك المرض اللعين الذي تسلل خفية الى رئته اليمنى وتسرب منها فيما بعد الى الغدد الليمفاوية والرئة اليسرى والكبد وراح يسيطر على كل ما في جسمه من خلايا وزوايا.
كان العلاج الوحيد هو أن يصور فيلما جديدا يرد به الجميل لكل عشاقه ومحبيه.. فكان فيلم «حليم» الذي أنهى تصوير ثلاثة أرباعه في وقت قياسي.. أربعة أسابيع.. وفي اليوم الذي صور فيه مشهد وداع عبدالحليم حافظ لجمهوره دخل أحمد زكي المستشفى وهو في تلك الحالة التي وصفت بأنها حرجة.. ورغم الحركة الدؤوبة من الأطباء والأصدقاء تعبيرا عن قلق الجميع عليه إلا أن أحدا لم ينتبه الى أن البدلة التي كان يصور بها المشاهد الأخيرة كانت معلقة على باب غرفته في المستشفى.. ولن يصدقني أحد لو قلت إنني رأيت البدلة السوداء الحزينة وهي تبكي.
هل فتح عينيه وابتسم؟.. ربما.. هل رأيت في ابنه «هيثم» الراقد بالقرب منه صورته الأولى التي كان عليها منذ نحو 35 سنة عندما كنا نضع الدنيا على اتساعها في جيوبنا ونشرب الكابتشينو في وسط القاهرة؟.. ربما.. هل عجزت من جديد على الاقتراب ممن أحب في لحظات تتسرب فيها الحيوية من ملامحهم حتى لا تتغير صورهم في عيني؟.. ربما.. هل شعرت أن الزمن ضحك علينا وغدر بنا..
وفي اللحظة التي اقتربنا فيها من قمة الجبل وكدنا نمسك بها ألقى بنا الى ما تحت القاع دون رحمة؟... ربما.. لكن.. المؤكد أنني في تلك اللحظة الصامتة الخاشعة بعد منتصف الليل لم أكن أملك سوى أن أقرأ بالقرب من أحمد زكي ولو في سري رباعيات صلاح جاهين التي كنا نحفظها معا.. ونرددها معا في كل المناسبات الحلوة والمرة.. ونحن نقتسم القرش والسيجارة والكتاب وتذكرة السينما وفنجان القهوة والطرق والشوارع والأحلام.
«لو كان فيه سلام في الأرض وأمن.. لو كان مفيش ولا فقر ولا خوف ولا جبن.. لو يملك الإنسان مصير كل شيء.. أنا كنت أجيب للدنيا ميت ألف ابن».. «أحب أعيش ولو أعيش في الغابات.. أصحى كما ولدتني أمي وأبات.. طير.. حيوان.. حشرة.. بس أعيش.. محلا الحياة.. حتى في هيئة نبات»..
ودخل الربيع يضحك لقاني حزين.. نده الربيع على اسمي لم قلت مين.. حط الربيع أزهاره جنبي وراح.. وايش تعمل الأزهار للميتين».. «حبيت.. لكن حب من غير حنان.. وصحبت.. لكن.. صحبة مالهاش أمان.. رحت لحكيم وأكثر لقيت بلوتي.. إن اللي جوه القلب مش على اللسان».
كنت وأنا أهمس بشعر صلاح جاهين في حجرة أحمد زكي خافتة الضوء أستدعيه.. أستحضر روحه.. أطلب منه أن يأتي.. فقد تعود أن يزور أحمد زكي في المنام كلما تعرض لمتاعب صحية أو نفسية حرجة.. زاره في لندن وهو يجري جراحة لإزالة المرارة.. وزاره في القاهرة بعد أن وضع نصف جسده في الجبس إثر حادث سيارة كاد أن يقتله.. لكنه..
هذه المرة لم يأت إليه.. لم يتدخل لطمأنته على نفسه.. وهو ما جعل أحمد زكي يقول لي وهو في بداية محنته الأخيرة التي بدأت في شهر فبراير قبل الماضي: «لو جاء لي صلاح جاهين في المنام فإنني سأطفو على ظهر الدنيا من جديد.. إنني أتفاءل به.. لكنه.. لا يريد أن يريني وجهه.. ترى هل يعرف شيئا ما لا يريد أن يخبرني به؟».
لقد كان صلاح جاهين ملاذه القوي في الدنيا والآخرة.. كان أحمد زكي يلجأ إليه عندما كان على قيد الحياة.. يشكو إليه الذين سرقوا منه فرص نجاحه الأولى.. وأجبروه على التفكير في الانتحار.. وتركوه هائما على وجهه يكاد يفقد عقله.. لكن.. صلاح جاهين كان يعيده الى نفسه بكلمة حنان واحدة.. «كل شيء في بدايته صعب يا أحمد.. إن الفرصة لن تأتي إليك على عربة تجرها الملائكة.. ولن تجدها مختبئة تحت وسادتك كضوء القمر.. إن بينك وبينها كهنة..
وعرافين.. وفناجين قهوة لم تفتح.. وعلامات حب قادمة.. تشبه علامات يوم القيامة.. ونبوءات عن أنهار تفيض.. وكنوز ستتوهج.. وأزهار ستتفتح».. وبقى صلاح جاهين على رعايته له حتى بعد رحيله.. لكنه.. هذه المرة لم يأته كما تعود في المنام.
كان قد انتهى من تصوير مشهد سفر عبدالحليم حافظ الى رحلة العلاج الأخيرة في فيلمه الأخير «حليم» عندما راحت جموع الكومبارس تصفق له بشدة فاندمج معها ورفع يديه يحييهم بالحيوية نفسها.. لكنه.. قبل أن يغادر موقع التصوير شعر بضيق في التنفس.. ونهجان في الصدر.. وصعوبة في الحركة.. فحملوه الى المستشفى.. ثم حملوه الى غرفته.. في الدور الأول.. الغرفة (1229).. إنها المرة الأولى منذ مرضه التي لا يقاوم نقله على كرسي متحرك.. كان يصر على أن يدخل على قدميه.. ويخرج على قدميه.. مهما كانت الأزمة الصحية التي يتعرض لها.
كان يغلق على نفسه الباب وينعزل عن من حوله تماما حتى لا يراه أحد وهو يعاني من الآثار القاسية لجرعات العلاج الكيميائي التي تهد جبالا.. وبصعوبة بالغة وافق على أن ينزل من فندق هيلتون رمسيس (حيث يقيم) يوم أصيب بجلطتين في الشرايين الموصلة للرقبة وانتفخ وجهه وبطنه.. ورفض أن يبقى في غرفة الرعاية الفائقة وسط آخرين ينظرون إليه وهو في هذه الحالة.. وطوال تلك الليلة لم يقدر أحد منا على الاقتراب منه.. كان يحتمل عذابه وحده.. ويضغط على أسنانه وحده.
لكنه وسط كل هذه الظروف لم يكن يكف عن سؤال ابن خالته ورفيق طفولته في الشرقية الفنان التشكيلي سمير عبدالمنعم» «هل أكرمت رجال الإسعاف؟.. هل تذكرت الممرضة؟».. إنه مجنون بأن يسعد الآخرين.. ويعطيهم كل ما في جيبه.. وفي اليوم الأخير من تصوير كل فيلم من أفلامه كان يوزع على عمال الاستديو ما يتقاضاه من المنتج في ذلك اليوم..
ولو تناولت معه الطعام فإنه ستكون له مهمة وحيدة وهيوضع كميات هائلة من الأكل في طبقك مهما كانت قيمة هذا الأكل.. أما هو فسيكتفي بلقمة أو لقمتين.. لذلك لاتتناول معه الطعام الهندي المغطى بالشطة والتوابل والكاري وإلا ستموت من الكمية الموضوعة أمامك.
إنه مجنون بالناس.. لا يطيق الوحدة.. تؤلمه النقود.. يتفنن في إنفاقها.. خاصة على دور في سيناريو يمنحه خطوة إضافية في التميز.. وقد رهن شقته التي خرج بها من حطام الدنيا ليواصل إنتاج فيلمه الشهير عن السادات.. وقبل ذلك بنحو 20 سنة كان في جيبه ألف جنيه وبينما يعبر ميدان طلعت حرب وسط القاهرة ولمح كتابي «قنابل ومصاحف» عند باعة الصحف فاشترى نسخا بكل ما في جيبه وراح يوزعها على المارة.. وهو ما لفت الأنظار اليه.. وتصور أحد المخبرين أنه أمير في تنظيم إرهابي يروج كتابا لجماعته.. وكاد أن يقبض عليه.
فيما بعد قال لي: «شعرت أن كتابك هو كتابي.. أن ما تكتبه أنا مؤلفه.. وما أمثله تقوم أنت ببطولته.. نحن أبناء جيل واحد.. تحملنا ما لم يتحمله جيل آخر.. التحولات والتغيرات من حولنا كانت حادة.. من الحرب مع إسرائيل للصلح معها.. من نظام اقتصادي مركزي تسيطر فيه الدولة على كل شيء الى نظام سوق مفتوح على مصراعيه يسيطر عليه مجموعة من رجال البيزنيس.. من العداء للسياسة الأمريكية للتحالف معها.. من الإيمان بقيمة الفن الى التجارة فيه».. كيف تحملنا كل هذه المنعطفات القوية؟.. كيف بقينا على قيد الحياة والموهبة رغم كل ذلك؟.
لقد تغيرت الدنيا ولم يتغير أحمد زكي.. بقى مجنونا بالتمثيل.. بالبحث عن دور مختلف يدفع فيه عمره ليؤديه.. لم يستسلم لشهوة الضوء.. والشهرة.. والنجومية.. بقى بعيدا عنها لا يصدق أن أحدا يعرفه.. ولا يتصور أن أحدا يتابعه.. اكتفى بعدد قليل جدا من الأصدقاء يسهر معهم ويسأل عنهم.. ويخبرهم بسره..
وكانت متعته اليومية تدخين الشيشة والسجائر بلا انقطاع تقريبا.. ويوم أن كان على باب الله كان يفضل سجائر «الروثمان» الإنجليزية.. وعندما فتح الله عليه راح يدخن سجائر «كليوباترا» المصرية.. بل أكثر من ذلك كان إذا ما ركب سيارة أجرة يصعب على سائقها التعرف عليه من شدة تواضعه وفرط حيائه.. وغالبا ما يقول له: «إنه يشبه أحمد زكي».
وربما لهذا السبب لم يصدق كل الحب الذي غمره بعد ما جرى له.. لم يصدق أن الناس مجنونة به الى هذا الحد.. لقد كانت تليفونات المستشفى تتعطل من شدة الضغط عليها.. وكسب بائعو الزهور الكثير من المال بسببه.. وخرجت من صدور البنات رسائل غرامية مبتكرة.. وربما كان ذلك الإعجاب الذي يصل الى درجة الخوف عليه هو ما منحه القوة ليحارب ذلك المرض اللعين الذي تسلل خفية الى رئته اليمنى وتسرب منها فيما بعد الى الغدد الليمفاوية والرئة اليسرى والكبد وراح يسيطر على كل ما في جسمه من خلايا وزوايا.
كان العلاج الوحيد هو أن يصور فيلما جديدا يرد به الجميل لكل عشاقه ومحبيه.. فكان فيلم «حليم» الذي أنهى تصوير ثلاثة أرباعه في وقت قياسي.. أربعة أسابيع.. وفي اليوم الذي صور فيه مشهد وداع عبدالحليم حافظ لجمهوره دخل أحمد زكي المستشفى وهو في تلك الحالة التي وصفت بأنها حرجة.. ورغم الحركة الدؤوبة من الأطباء والأصدقاء تعبيرا عن قلق الجميع عليه إلا أن أحدا لم ينتبه الى أن البدلة التي كان يصور بها المشاهد الأخيرة كانت معلقة على باب غرفته في المستشفى.. ولن يصدقني أحد لو قلت إنني رأيت البدلة السوداء الحزينة وهي تبكي.
منقول

تكالبت على السيد أحمد كل مصائب الدنيا دفعة واحدة فقد تم نعيينه منذ تخرجه في
تعليق