ازدواجية الغرور الأمريكي
------------------------------------------
تعجبت وأنا أستمع للخطاب الذي ألقاه جورج بوش يوم الثامن من آذار/مارس 2005 أمام طلاب «جامعة الدفاع الوطنية» ونقلته شبكات التلفزيون الأمريكية. لم اتعجب لأن بوش كان يكرر نفسه بموضوع الإرهاب، والدول التي تساند الإرهاب، والحكومات التي ترعى الإرهاب، وضرورة محاربة الإرهاب، وكأن الذين يكتبون لبوش هذه الخطب يشعرون أن رئيسهم لا يستطيع أن يتحدث عن أي موضوع آخر، ولهذا فإنهم يغيرون تاريخ الخطاب فقط.
لم اتعجب لهذا السبب. ولكن الذي أثار «شجوني» كان قول بوش إنه يجب على سوريا سحب قواتها من لبنان قبل الانتخابات البرلمانية اللبنانية والتي من المقرر أن تجرى في شهر أيار/مايو القادم. لماذا؟: «لكي تكون هذه الانتخابات حرة وعادلة ونزيهة». بمعنى أنه لا يمكن أن تجرى انتخابات حرة وعادلة ونزيهة في ظل الاحتلال.
فهل الذين كتبوا لبوش هذا الخطاب أرادوا أن يظهروه ساذجاً أمام الرأي العام العالمي؟ أم أنهم أرادوا أن يقولوا لنا جميعاً إن الانتخابات التي جرت في ظل الاحتلال الأمريكي، في العراق وأفغانستان، والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين هي انتخابات غير حرة وغير عادلة وغير نزيهة؟
ولكنه يبدو أن الأمر أشمل من ذلك. لقد أراد بوش، ومن كتبوا له الخطاب، أن يقولوا للرأي العام العالمي، بأن الازدواجية الأمريكية الصريحة والعلنية هي جزء مهم من سياسة واستراتيجية الرئيس بوش.
كما أن هذه الازدواجية المعلنة تنم عن استخفاف بعقل السامع الأمريكي، وبعقل رجل الشارع الأمريكي الذي من المفروض أنه مركز اهتمام الرئيس بوش. فإذا وافقنا على ما قاله بوش، لأنه في الواقع عين الصواب، فإنه قالها وهو متأكد أن رجل الشارع الأمريكي لن يفكر في أن نفس المعادلة تنطبق على الانتخابات التي جرت في العراق وأفغانستان تحت الاحتلال الأمريكي، أي أنها انتخابات «حرة وعادلة ونزيهة»، رغم أنها جرت تحت الاحتلال.
كما أن الرسالة التي يعتقد بوش أنه مررها لرجل الشارع الأمريكي هي أن الوجود الأمريكي في العراق وأفغانستان ليس احتلالاً، بل جاء حسب ما قال بوش نفسه، ليطبق الديمقراطية في تلك البلاد. ولكن بوش لم يفسر طبعاً، لماذا قتل وجرح عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في العراق أو أفغانستان؟
فعندما يدعو بوش إلى إنهاء الاحتلال السوري للبنان، أو أي احتلال آخر لا ترضى عنه أمريكا، يظهر وكأنه يسخر من نفسه، فهو المتربع على احتلال العراق وأفغانستان، ويواجه مقاومة مسلحة أدت إلى قتل وجرح الآلاف من الجنود الأمريكيين. إن الجيش السوري لم يواجه مثل هذه التحديات من جانب الشعب اللبناني. وسيسارع الكثيرون إلى القول أن السبب في ذلك يعود إلى تواجد «الاستخبارات السورية واللبنانية بالمرصاد» لكل من يحاول مقاومة الاحتلال السوري. ونسارع إلى القول أن المخابرات والأمن الإسرائيلي بالمرصاد للمقاومة الفلسطينية. وكذلك المخابرات والأمن الأمريكي بالمرصاد للشعبين العراقي والأفغاني، ومع ذلك نرأى المقاومة مستمرة، وإصرار الشعوب المحتلة على التخلص من الاحتلال.
إننا لم نشاهد، على سبيل المثال، خروج مئات الآلاف من العراقيين أو الفلسطينيين أو الأفغان إلى الشوارع دعماً وتشكراً للاحتلال، ويطالبون، كما حدث في بيروت يوم الثلاثاء (8/3/2005)، عندما تظاهر أكثر من مليون لبناني تشكراً لسوريا على ما قدمته للبنان، وضد المحاولات الأمريكية والإسرائيلية فرض هيمنتها عليه.
ولكن بنظرة شاملة لكل هذه التحركات والاتهامات والتهديدات، نرى أنها تصب جميعاً في بوتقة المخطط الأمريكي ال*******ي - الصهيوني لمنطقة الشرق الأوسط.
فلو فرضنا جدلاً أن سوريا خرجت كلياً من لبنان، وقبل شهر أيار/مايو القادم، كما طلب بوش، فهل هذا يعني إنهاء الملف السوري؟ لا أعتقد ذلك. فالملف السوري، حسب ما تراه إدارة بوش، له أبعاد إسرائيلية وإيرانية وعراقية، إضافة إلى الأبعاد القومية العربية.
كما أن الولايات المتحدة تربط في الملف السوري، البعد الإرهابي. فسوريا متهمة أنها دولة ترعى وتشجع الإرهاب، لأن لبعض المنظمات الفلسطينية مكاتب في دمشق، ولأن سوريا تؤيد وتدعم حق حزب الله اللبناني، في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم إصرار أمريكا على تطبيق قرار مجلس الأمن 1559، بشأن «الاحتلال السوري للبنان»، وترفض اتفاقية الطائف التي يقبلها الشعب اللبناني ممثلاً بأحزابه، المعارضة وغير المعارضة.
البند الأول في القرار 1559 يطالب سوريا بالانسحاب الفوري من لبنان، ولكن البند الثاني يطالب بتجريد المقاومة اللبنانية، وعلى رأسها حزب الله من أسلحته. والشعب الفلسطيني يرى في المقاومة جزءاً من أمنه ومن حمايته ضد العدوان الإسرائيلي. إضافة إلى أن جميع الأحزاب والكتل السياسية اللبنانية مسلحة.
وتجريد المقاومة من سلاحها، وخاصة حزب الله، معناه تمشياً مع مخطط إسرائيل في إضعاف الحدود الشمالية لها. والسماح للجيش الإسرائيلي أن يسرح ويمرح حسب ما يريد.
الهدف الأمريكي هو إخضاع الدول العربية، وأعني كل الدول العربية، إلى مخطط الاعتراف بإسرائيل، حسب المعادلة الإسرائيلية - الأمريكية. وقد قالها بوش في خطابه الذي نحن بصدده، بأن على الدول العربية أن تعترف بإسرائيل. وطبعاً هذا الاعتراف يجب أن يأتي بدون حصول الفلسطينيين على حقوقهم، وأعني كل الفلسطينيين، وليس سكان الأراضي المحتلة فقط.
القرار 1559 يدعو إلى توطين الفلسطينيين خارج فلسطين. وهذا أيضاً جزء من المخطط ال*******ي الأمريكي - الصهيوني. فالاعتقاد السائد أن إقامة دولة فلسطينية على جزء من الأراضي المحتلة، معناه إنهاء القضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني. وهذا أمر مرفوض عربياً وفلسطينياً.
لقد وضع ولي العهد السعودي، الأمير عبدالله، مبادرة لمشروع متكامل لحل القضية الفلسطينية والأراضي المحتلة، مقابل اعتراف كل الدول العربية بإسرائيل. وقبل هذا المشروع بالإجماع في مؤتمر القمة العربي الذي عُقد في بيروت في شهر آذار/مارس 2002. وقبلته الكثير من الدول، بما فيها الولايات المتحدة. ولكن إسرائيل رفضته، لأسباب صهيونية في مقدمتها السيادة على الأرض للدولة الفلسطينية، وهو أمر يحتاج إلى تغيير في الفلسفة الصهيونية. وإسرائيل غير مستعدة لذلك. إن المحاولات الأمريكية في فرض مواقفها، التي هي نسخة من مواقف إسرائيل، على المنطقة لن تؤدي إلى سلام أو استقرار في الشرق الأوسط، مهما استعملت من ضغوط، ومحاولات لايجاد متعاونين معها، وشخصيات تقوم بلعب دور سياسي مؤيد لها. إن الأوراق التي تلعبها أمريكا تشكل خطراً كبيراً على المنطقة وشعوبها. إن الأمة العربية كلها تريد أن تعيش في مناخ ديمقراطي، فيه حرية الفكر والتعبير، وهي تعرف من تاريخها البعيد والقريب، من أيام الحكم العثماني إلى ال******* الأمريكي أن هذا لن يتم في ظل الاحتلال.
