إيلاف" تنفرد بحوار لم ينشرمنذ 1988 للراحل الشيخ فهد الأحمد
الأربعاء 03 مارس 2004 20:32
سامي سليمان من باريس: هذا الحوار الذي الذي أجري قبل 16 عاماً من الآن ولم ينشر على الرغم من جرأة مضمونه كما وصفت وقتذاك، ليبقى سنوات طوال في أرشيف الأدراج الصحافية، هاهو اليوم يجد لنفسه مكاناً للقراءة ومن باب المصادفة ليس إلا، وهو في الحقيقة لا يرمي لا من بعيد ولا من قريب لا التجريح أو الإرادة من أي كان، ونصه التسجيلي محفوظ أيضاً.
للشهيد الشيخ فهد الأحمد رئيس اتحاد كرة القدم الكويتي ورئيس اللجنة الأوليمبية الكويتية وعضويته في اللجنة الأوليمبية الآسيوية حتى لحظة مقتله أثناء غزو النظام العراقي للكويت، حكايات طويلة في سجل الكرة الخليجية والعربية وحتى العالمية، مثل غيره من القياديين والنجوم الذين شغلوا حياة الشارع العربي. والمؤسف أننا اعتدنا الحديث والتصفيق لقياداتنا الرياضية وهم أحياء، لكن بعد وفاتهم أو مقتلهم شهداء أبرار في الدفاع عن بلدهم مثلما فعل فهد الأحمد.. فهذا حديث آخر؟
ومن هنا أردت ومن باب المصادفة في الحديث مع القسم الرياضي لـ "إيلاف" في طرح بعض الأفكار الجديدة، راودني وجود هذا الحوار المطول والجرئ مع الشيخ الشهيد فهد الأحمد والذي لم ير النور، وهي مصادفة ليست إلا .
نذكر كيف كانت سنوات الثمانينيات ثمنت في العالم العربي قيادات رياضية عربية وخليجية على وجه الخصوص من بداية انطلاقة الصحافة الرياضية العربية والخليجية لتعتلي بقوة سلم الشهرة رغماً عن واقعها. ولكي نكون منصفين بحق تلك القيادات فإنها أرادت التطور لواقع كرة القدم حسب تصورها، فكنا نتحدث دون هوادة عن إثنتين منها، الأولى في الكويت، كونها الأولى التي طرقت أبواب كأس العالم بقيادة المرحوم الشهيد الشيخ فهد الأحمد الذي سنتابع حواره هذا الذي لم ينشر البتة حرصاً من قبل المجلة التي أجري لها هذا الحوار وقتذاك من عدم خلق الحساسية محلياً وإقليمياً نظراً لمحتوى الحوار الصريح جداً حسب فهد الأحمد ذاته، .. وتوقفت المجلة بعد الحوار بسنوات لظروف اقتصادية وهذه كذلك حقيقة ما يسمى بالتطور.
أما القيادة الثانية فكانت في المملكة العربية السعودية بقيادة الأمير الراحل فيصل بن فهد بن عبد العزيز مع منتخب بلده المملكة العربية السعودية التي تأهلت مرتين لنهائيات كأس العالم 1994، 1998.. وجاءت بعدها قيادات أخرى ظلت منحصرة في إطارها المحلي.. وهكذا.. فإن تطور كرة القدم يبقى مبنياً على تسمية أبناء زعماء الدول على رأس اتحاداتها الكروية في العالم الثالث على الرغم من أننا لم نشهد ابن رئيس دولة أوربية أو أمريكية لاتينية يقود منتخبها إلى كأس العالم.. بل أندية واتحادات ولاعبي تلك البلدان وبأقدامهم وصلوا إلى النهائيات.. وليس هناك من سر إن قلنا أنك ستشاهد النشاط يدب في اتحادات الكرة العربية فور تلك التعيينات في تلك البلدان، والسؤال المطروح.. ترى لولا تلك التسميات هل سترى تلك البلدان مكان لرياضتها وسط الحكومات ؟؟!
قد يكون ذلك باستثناء واحد أو اثنين..مثل تونس في عام 1978، أو المغرب أو الجزائر.. لا أعتقد.. مثلما لا يعتقد الكثيرون مثلي، لأنه وبدون شك لن يتمكن القائمون على تلك الاتحادات من المبادرة، حتى وإن كان طموح التأهل لنهائيات كأس العالم هو أمر قائم عند الجميع، وما أسميته بالمبادرة هو ذلك الشيء الذي يضمن استقدام مدربين عالميين ورفع موازنة اتحادهم، بل والتميز بأخذ قرارات تعبر حدود وزارات الشباب والرياضة في تلك الدول دون عقدة الخوف من مقررات الدولة.
الكويت كانت هناك وقائدها الكروي الذي طالما حلم بأن يكون شهيداً في القدس مثلما كان فدائياً في ذات مرة.. لكنه أستشهد هو الآخر في مكان لم يتصوره قط في كل حياته التي عاشها.. نعم دفاعاً عن بيته الكويت، رحمك الله يا أبو أحمد وأسكنك فسيح جنانه.. فلماذا لاتكون البداية من عندك إذاً ..
• الكرة العربية في درجة الصفر ؟
الراحل الشيخ فهد الأحمد..أعطى للكرة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص مالا يقدمه أحد آخر.. نعم… فقد إلتقيته لآخر مرة في الجناح رقم 618 في فندق مريديان النجمة في باريس، كونه يزور باريس بدعوة من ميشيل بلاتيني يوم اعتزاله بمدينة نانسي الفرنسية.. وفعلاً ذهبت للقائه بعد اتصاله بي في مايو 1988 بباريس عشية مباراة اعتزال ميشيل بلاتيني، وفور اللقاء الحار والشيق بدردشات أبو أحمد الذي دعاني لمرافقته إلى مدينة نانسي ( شرق فرنسا ) مكان إقامة المباراة لكن انشغالي في ذلك اليوم دعاني للاعتذار وفهم شرحي ليدعوني رحمه الله لتناول الغداء، وليس من المعقول أن تجلس مع فهد الأحمد دون أن يكون هناك حديث كرة قدم.. فما بالك إذاً أن تتحدث عن كرة القدم العربية.. وأذكر يومها إلحاحي للمبادرة بحديث على طريقتي مثلما اعتدت إجراء الحوارات المطولة مع نجوم كرة القدم العالمية.. وبين الكلمة والأخرى.. أشترط الرجل يومها بعد ما نوه لي عن متابعته لنشاطي الإعلامي الكروي.. عن أنه يريد حديث من وتيرة تلك الأحاديث التي لا مهادنة فيها.. فقلت له كما يقول الكويتيين.. " عدل " .. أنت وافق ولا عليك.. وفطنت إلى أنها شارة تريد الحديث.. فأخرجت من جيبي نصاً كنت قد أعددته عن مشوار حياته الرياضية وطلبت منه الاستماع والتعليق إذا أراد.. فالحوار سيكون كذلك، فوافقني الرجل وسط بعض رجالاته من اتحاد كرة القدم الكويتي الذين كانوا يجاورونا في الجلسة، وطلب مني البداية.. وبدأت قراءة لنص يوجز فترات الكرة الكويتية مع فهد الأحمد حتى عام 1988، وافتتحته بالسؤال للانطلاقة الصحيحة، وقلت له آنذاك.. متى كان وصولك لرئاسة اتحاد الكرة الكويتية بالضبط.. فأجابني في عام 1978.. أي قبل عشر سنوات من وقت ذلك اللقاء، وتابعت عن عمره وقتها وقلت كان عمرك آنذاك 31 عاماً، فأجاب.. تقريباً.. وتابعت:
أن الكرة الكويتية ستستمد حيويتها من خلال رئيسها الشاب، وفعلاً كون كرة القدم في الكويت هي الرياضة الأولى هذا على الرغم من نقص الملاعب الكويتية للكادر الفني الملائم والمحدد والعارف لتنفيذ مخططات اتحاد الكرة الجديد، فكانت نقطة بدايتكم الحقيقية بإيجاد القاعدة الرياضية المؤهلة للاستمرار وبالتالي الاهتمام بالمنتخب الوطني لكرة القدم.. فتمتم الشيخ فهد الأحمد رحمه الله موافقاً.. هه..هه، لأتابع قراءتي منتظراً تعقيبه على الخطأ وتعليقه إذا كان هناك ما يستلزم التوضيح، وتابعت: الكرة الكويتية كرة هاوية لكن نظام لاعبي المنتخب كان ولا يزال مشابهاً لأنظمة الكرة في دول أوربا الشرقية الذي تعتمد عليه لليوم ( 1988 )، وذلك بحماية اللاعب كون تواجد الأغلبية كطالب أو موظف في الجيش. وهنا استوقفني مصححاً: فقال، لأ .. في الحقيقة لو سمحت لي.. أن هناك تضارب كبير ما بين الكرة الكويتية الهاوية والاحتراف المستتر في دول أوربا الشرقية، فهناك والحق يقال جزء من التشابه إذ في كرة دول أوربا الشرقية يتقاضى اللاعب مقابل ما يقدم أما في الكويت فإنه لا يتقاضى مقابل ما يقدم، هناك يوجد حماية للاعب ولمستقبله أما في الكويت لا يوجد.. أما نقطة التشابه فهي موجودة في حالة الفوز عند الطرفين والمتمثلة بالحصول على الجوائز المادية.
لاعب أوربا الشرقية عنده مميزات.. نعم، ميزة السكن، ميزة تأمين المعيشة، ميزة المواصلات، ميزة العلاج والسفر.. أما في الكويت كل شئ عادي باستثناء المكافئة وبعد الفوز فقط.
وأتابع من جديد التساؤل تعقيباً على ما قاله الشيخ فهد الأحمد في ذلك مستعيناً بتنويه رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية خوان انطونيو سامارانش الذي كنت قد سألته ذات مرة عن الفارق بين الاحتراف والهواية كونها متوقفة على الرياضات الأوليمبية فقال ما يحدث عندكم في البلاد العربية هو الاحتراف المستتر.. لكون لاعبكم يحصل على جوائز ثمينة كسكن وسيارات هذا في الوقت الذي يكدح فيه لاعب الكرة المحترف لأكثر من خمس سنوات ليتمكن من شراء بيت من رواتبه.. إذاً؟؟
ويعقب عندها الشيخ فهد رحمه الله.. فهمت ما تقصد وأقول أن ما حصل في الكويت حصل مرة واحدة.. إنما ما يحصل في أوربا هو على الدوام.. وأزيدك إن حصول اللاعب الكويتي على بيت كان مرة واحدة بعد فوز الكويت ببطولة كأس الخليج.. لكن بعدها فاز ببطولة أمم آسيا لم يحصل على شئ وتأهل للأولمبياد ولم يحصل أيضاً على شئ وتأهل إلى كأس العالم وكذلك لم يحصل على شئ.. وعقبت متسائلاً : بعد التأهل إلى كأس العالم لم يحصل على شئ..؟ كيف ؟ … وأستطرد حينها .. نعم حصل على مكافأة مادية من الأمير لكن كانت مكافأة ذاتية؟..وتابع لي عن مثل قتال قابيل وهابيل الذائعة الصيت عند أبو أحمد رحمه الله .. وقال " إن اللاعب الأوربي المحترف يبدأ بتأمين عيشه وثانياً يؤمن مستقبله وثالثاً يكبر مكانته واسمه اجتماعياً والاهم من هذا وذاك أن كل مشاكله تنحصر فيما بعد بكرة القدم والمحافظة على مستواه وتطويره.. فيما ما نسميه الاحتراف المختفي في أوربا أو الهواية الكاملة في دول الخليج أو العالم العربي والتي يلعب فيها لاعبنا إلى جانب دراسته.. وقد يؤثر على دراسته وهي هنا مستقبله بأسباب الكرة، أو أنه يعمل إلى جانب ممارسته للكرة وكم من اللاعبين ممن واجه مضايقات ومشاكل في عملهم بسبب كرة القدم.. إذن، لا الشهرة التي تدر المال في الملاعب المحترفة على لاعبها بأطنان المبالغ المالية.. فيما تنحصر في ملاعبنا على التحيات والألم في حالات معينة.. ولا أشمل هنا."
تلك التحيات التي همش عنها المرحوم فهد الأحمد.. قادتني للتعليق التالي: إذاً لنفرض أننا في العالم العربي طبقنا الاحتراف الكامل في كرة القدم، وقلنا للاعب أختص بكرة القدم.. ترى هل شهرته ستدر عليه المال أم التحيات.. أعتقد التحيات ( أي لاشيء ) وذلك لفقدان النظام المؤسسي الخاص.. فأجابني دون تردد.. هذا شيء معروف، وطلبت منه تعليل الأسباب..؟
" إن تفكير مجتمعاتنا لم يصل إلى الاحتراف، وقد يمكننا تغطية ولو جزء كحكومات من الاحتراف مقابل اللعب مثلاً ومقابل ما يقدمه اللاعب كرواتب حتى الاعتزال، لكن مشوار اللاعب كإنسان يستمر وبعدها يسعى اللاعب اجتماعيا لاستثمار أسمه ليجد – الهوة – فظيعة اجتماعيا، والشيء الثاني الذي أخالف فيه جواو هافيلانج ( الرئيس السابق اتحاد كرة القدم الدولي – فيفا- ) الذي يقول " أنظروا تحت أقدامكم تجدون الاحتراف إن أردتموه ".. وهنا أرد وأقول أننا دول متأخرة ( نامية ) ولا يتوقف ذلك على كرة القدم فقط وإنما في شتى القطاعات الاجتماعية والسياسية.. نعم ،إذ ماذا تريد دولنا .. تريد أن تبني مجتمع وتتطلع إلى أهداف قومية وبالتالي نريد أن نستخدم الرياضة من أجل التطلع إلى الأهداف القومية.. ولا نريد اللاعب أن يحقق شئ لذاته..إنما لبلده.
* أنت في أذهان هذه القيادات العربية الساخرة
من الرياضة تصرخ في عمق صحراء الربع الخالي..
شوف أخوي، بالنسبة للفرق بيننا وبينهم ( ويقصد بين لاعب الكرة الأوربية والعربية )..هو فرق كبير وشاسع سواء من ناحية الخبرة أو العلوم أو الثقافية أو حتى الممارسة.. بل المقارنة لا تجوز حتى، وإن كان الاحتراف هو القياس.. فلن يكون هو المعجزة للوصول إلى مقامهم. ويمكنني التأكيد أننا نستطيع الوصول في مجال كرة القدم إلى مستواهم بل وأحسن دون الاحتراف.. وهنا الناس تسأل وتقول.. كيف ؟
سأقول فقط إن تحركنا من خلال شخصيتنا وعرفنا ذاتنا، فنحن الآن ومنذ ثلاثين سنة ( حتى وقت هذا الحوار في عام 1988 ) ونحن نهتف بإرادة الوصول إلى المستويات العالمية أي بمستوى أوربا كروياً ويلزمننا لذلك الاحتراف وهذا ما أعتقده هراء بحد ذاته .. بل يمكننا أن نصل إلى مستواهم بل وأفضل من خلال تهيئة الظروف لأن نكون أحسن منهم وبالتالي تحقيق الأهداف القومية والاجتماعية دون ارتكاب أي خلل في المسار الذي نسير عليه.. بثلاثة شروط رئيسية وهامة.. الشرط الأول وهو الوعي والثاني استخدام الرياضة كمجال تربوي وإعلامي.. والشرط الثالث الاهتمام الفعلي بإرادة التطور من خلال استخدام الرياضة كمجال للتنافس الحضاري.
تلك النقاط الثلاثة لو تواجدت في تفكير أي مسئول عربي لتمكن الوصول بالرياضة العربية إلى ما وصلت إليه الدول المتقدمة، وفي الحقيقة ليس الاحتراف أو الهواية هما سبب تخلف الرياضة العربية .. إنما التفكير القيادي الفاشل لقياداتنا السياسية هو – الفرق – وأسأل هنا : أين هو البلد العربي الذي يستصعب عليه جمع مجموعة من الشباب وتهيئة – الوقت – وليس المال، تهيئة المنشآت وليس المعجزات، تهيئة الفرصة لكسب الخبرة.. وليس حفظ الأناشيد القومية نظرياً أو حتى تعبئة الشباب بالأهداف القومية النظرية.. بشكل لو لحظنا فيه من خلال مقارنة بسيطة الفارق بين شبابنا وشبابهم ( يتحدث عن الدول الغربية وأوربا خاصة ) فالهوة موجعة للقلب فعلاً… إذاً، تفكير القيادات السياسية العربية لا تمت ولا بأي صلة لما يعانيه شبابها.. هل هو لجهل في نفس " أيوب " ..الله أعلم.. إذ أن التفكير السياسي العربي ولسوء الحظ لا يتعدى استغلال الجماهير الرياضية لتحقيق مكاسب شعبية ذاتية للقيادة نفسها .. ودعني للأسف أكرر وأقول لك.. أنه لا يوجد في العالم العربي منشآت رياضية ولا إمكانيات ولا صرف حقيقي على الرياضة ولا حتى التفكير السليم والصحيح لما نريد أن نحققه.. وبإمكانك أن تصرخ كيفما طاب لك.. فأنت في أذهان تلك القيادات العربية الساخرة من الرياضة كمن يصرخ في عمق الصحراء.. نعم.. صحراء الربع الخالي وليس الكويت لوحدها.. وهات لمن يسمع صراخك.
الأربعاء 03 مارس 2004 20:32
سامي سليمان من باريس: هذا الحوار الذي الذي أجري قبل 16 عاماً من الآن ولم ينشر على الرغم من جرأة مضمونه كما وصفت وقتذاك، ليبقى سنوات طوال في أرشيف الأدراج الصحافية، هاهو اليوم يجد لنفسه مكاناً للقراءة ومن باب المصادفة ليس إلا، وهو في الحقيقة لا يرمي لا من بعيد ولا من قريب لا التجريح أو الإرادة من أي كان، ونصه التسجيلي محفوظ أيضاً.
للشهيد الشيخ فهد الأحمد رئيس اتحاد كرة القدم الكويتي ورئيس اللجنة الأوليمبية الكويتية وعضويته في اللجنة الأوليمبية الآسيوية حتى لحظة مقتله أثناء غزو النظام العراقي للكويت، حكايات طويلة في سجل الكرة الخليجية والعربية وحتى العالمية، مثل غيره من القياديين والنجوم الذين شغلوا حياة الشارع العربي. والمؤسف أننا اعتدنا الحديث والتصفيق لقياداتنا الرياضية وهم أحياء، لكن بعد وفاتهم أو مقتلهم شهداء أبرار في الدفاع عن بلدهم مثلما فعل فهد الأحمد.. فهذا حديث آخر؟
ومن هنا أردت ومن باب المصادفة في الحديث مع القسم الرياضي لـ "إيلاف" في طرح بعض الأفكار الجديدة، راودني وجود هذا الحوار المطول والجرئ مع الشيخ الشهيد فهد الأحمد والذي لم ير النور، وهي مصادفة ليست إلا .
نذكر كيف كانت سنوات الثمانينيات ثمنت في العالم العربي قيادات رياضية عربية وخليجية على وجه الخصوص من بداية انطلاقة الصحافة الرياضية العربية والخليجية لتعتلي بقوة سلم الشهرة رغماً عن واقعها. ولكي نكون منصفين بحق تلك القيادات فإنها أرادت التطور لواقع كرة القدم حسب تصورها، فكنا نتحدث دون هوادة عن إثنتين منها، الأولى في الكويت، كونها الأولى التي طرقت أبواب كأس العالم بقيادة المرحوم الشهيد الشيخ فهد الأحمد الذي سنتابع حواره هذا الذي لم ينشر البتة حرصاً من قبل المجلة التي أجري لها هذا الحوار وقتذاك من عدم خلق الحساسية محلياً وإقليمياً نظراً لمحتوى الحوار الصريح جداً حسب فهد الأحمد ذاته، .. وتوقفت المجلة بعد الحوار بسنوات لظروف اقتصادية وهذه كذلك حقيقة ما يسمى بالتطور.
أما القيادة الثانية فكانت في المملكة العربية السعودية بقيادة الأمير الراحل فيصل بن فهد بن عبد العزيز مع منتخب بلده المملكة العربية السعودية التي تأهلت مرتين لنهائيات كأس العالم 1994، 1998.. وجاءت بعدها قيادات أخرى ظلت منحصرة في إطارها المحلي.. وهكذا.. فإن تطور كرة القدم يبقى مبنياً على تسمية أبناء زعماء الدول على رأس اتحاداتها الكروية في العالم الثالث على الرغم من أننا لم نشهد ابن رئيس دولة أوربية أو أمريكية لاتينية يقود منتخبها إلى كأس العالم.. بل أندية واتحادات ولاعبي تلك البلدان وبأقدامهم وصلوا إلى النهائيات.. وليس هناك من سر إن قلنا أنك ستشاهد النشاط يدب في اتحادات الكرة العربية فور تلك التعيينات في تلك البلدان، والسؤال المطروح.. ترى لولا تلك التسميات هل سترى تلك البلدان مكان لرياضتها وسط الحكومات ؟؟!
قد يكون ذلك باستثناء واحد أو اثنين..مثل تونس في عام 1978، أو المغرب أو الجزائر.. لا أعتقد.. مثلما لا يعتقد الكثيرون مثلي، لأنه وبدون شك لن يتمكن القائمون على تلك الاتحادات من المبادرة، حتى وإن كان طموح التأهل لنهائيات كأس العالم هو أمر قائم عند الجميع، وما أسميته بالمبادرة هو ذلك الشيء الذي يضمن استقدام مدربين عالميين ورفع موازنة اتحادهم، بل والتميز بأخذ قرارات تعبر حدود وزارات الشباب والرياضة في تلك الدول دون عقدة الخوف من مقررات الدولة.
الكويت كانت هناك وقائدها الكروي الذي طالما حلم بأن يكون شهيداً في القدس مثلما كان فدائياً في ذات مرة.. لكنه أستشهد هو الآخر في مكان لم يتصوره قط في كل حياته التي عاشها.. نعم دفاعاً عن بيته الكويت، رحمك الله يا أبو أحمد وأسكنك فسيح جنانه.. فلماذا لاتكون البداية من عندك إذاً ..
• الكرة العربية في درجة الصفر ؟
الراحل الشيخ فهد الأحمد..أعطى للكرة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص مالا يقدمه أحد آخر.. نعم… فقد إلتقيته لآخر مرة في الجناح رقم 618 في فندق مريديان النجمة في باريس، كونه يزور باريس بدعوة من ميشيل بلاتيني يوم اعتزاله بمدينة نانسي الفرنسية.. وفعلاً ذهبت للقائه بعد اتصاله بي في مايو 1988 بباريس عشية مباراة اعتزال ميشيل بلاتيني، وفور اللقاء الحار والشيق بدردشات أبو أحمد الذي دعاني لمرافقته إلى مدينة نانسي ( شرق فرنسا ) مكان إقامة المباراة لكن انشغالي في ذلك اليوم دعاني للاعتذار وفهم شرحي ليدعوني رحمه الله لتناول الغداء، وليس من المعقول أن تجلس مع فهد الأحمد دون أن يكون هناك حديث كرة قدم.. فما بالك إذاً أن تتحدث عن كرة القدم العربية.. وأذكر يومها إلحاحي للمبادرة بحديث على طريقتي مثلما اعتدت إجراء الحوارات المطولة مع نجوم كرة القدم العالمية.. وبين الكلمة والأخرى.. أشترط الرجل يومها بعد ما نوه لي عن متابعته لنشاطي الإعلامي الكروي.. عن أنه يريد حديث من وتيرة تلك الأحاديث التي لا مهادنة فيها.. فقلت له كما يقول الكويتيين.. " عدل " .. أنت وافق ولا عليك.. وفطنت إلى أنها شارة تريد الحديث.. فأخرجت من جيبي نصاً كنت قد أعددته عن مشوار حياته الرياضية وطلبت منه الاستماع والتعليق إذا أراد.. فالحوار سيكون كذلك، فوافقني الرجل وسط بعض رجالاته من اتحاد كرة القدم الكويتي الذين كانوا يجاورونا في الجلسة، وطلب مني البداية.. وبدأت قراءة لنص يوجز فترات الكرة الكويتية مع فهد الأحمد حتى عام 1988، وافتتحته بالسؤال للانطلاقة الصحيحة، وقلت له آنذاك.. متى كان وصولك لرئاسة اتحاد الكرة الكويتية بالضبط.. فأجابني في عام 1978.. أي قبل عشر سنوات من وقت ذلك اللقاء، وتابعت عن عمره وقتها وقلت كان عمرك آنذاك 31 عاماً، فأجاب.. تقريباً.. وتابعت:
أن الكرة الكويتية ستستمد حيويتها من خلال رئيسها الشاب، وفعلاً كون كرة القدم في الكويت هي الرياضة الأولى هذا على الرغم من نقص الملاعب الكويتية للكادر الفني الملائم والمحدد والعارف لتنفيذ مخططات اتحاد الكرة الجديد، فكانت نقطة بدايتكم الحقيقية بإيجاد القاعدة الرياضية المؤهلة للاستمرار وبالتالي الاهتمام بالمنتخب الوطني لكرة القدم.. فتمتم الشيخ فهد الأحمد رحمه الله موافقاً.. هه..هه، لأتابع قراءتي منتظراً تعقيبه على الخطأ وتعليقه إذا كان هناك ما يستلزم التوضيح، وتابعت: الكرة الكويتية كرة هاوية لكن نظام لاعبي المنتخب كان ولا يزال مشابهاً لأنظمة الكرة في دول أوربا الشرقية الذي تعتمد عليه لليوم ( 1988 )، وذلك بحماية اللاعب كون تواجد الأغلبية كطالب أو موظف في الجيش. وهنا استوقفني مصححاً: فقال، لأ .. في الحقيقة لو سمحت لي.. أن هناك تضارب كبير ما بين الكرة الكويتية الهاوية والاحتراف المستتر في دول أوربا الشرقية، فهناك والحق يقال جزء من التشابه إذ في كرة دول أوربا الشرقية يتقاضى اللاعب مقابل ما يقدم أما في الكويت فإنه لا يتقاضى مقابل ما يقدم، هناك يوجد حماية للاعب ولمستقبله أما في الكويت لا يوجد.. أما نقطة التشابه فهي موجودة في حالة الفوز عند الطرفين والمتمثلة بالحصول على الجوائز المادية.
لاعب أوربا الشرقية عنده مميزات.. نعم، ميزة السكن، ميزة تأمين المعيشة، ميزة المواصلات، ميزة العلاج والسفر.. أما في الكويت كل شئ عادي باستثناء المكافئة وبعد الفوز فقط.
وأتابع من جديد التساؤل تعقيباً على ما قاله الشيخ فهد الأحمد في ذلك مستعيناً بتنويه رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية خوان انطونيو سامارانش الذي كنت قد سألته ذات مرة عن الفارق بين الاحتراف والهواية كونها متوقفة على الرياضات الأوليمبية فقال ما يحدث عندكم في البلاد العربية هو الاحتراف المستتر.. لكون لاعبكم يحصل على جوائز ثمينة كسكن وسيارات هذا في الوقت الذي يكدح فيه لاعب الكرة المحترف لأكثر من خمس سنوات ليتمكن من شراء بيت من رواتبه.. إذاً؟؟
ويعقب عندها الشيخ فهد رحمه الله.. فهمت ما تقصد وأقول أن ما حصل في الكويت حصل مرة واحدة.. إنما ما يحصل في أوربا هو على الدوام.. وأزيدك إن حصول اللاعب الكويتي على بيت كان مرة واحدة بعد فوز الكويت ببطولة كأس الخليج.. لكن بعدها فاز ببطولة أمم آسيا لم يحصل على شئ وتأهل للأولمبياد ولم يحصل أيضاً على شئ وتأهل إلى كأس العالم وكذلك لم يحصل على شئ.. وعقبت متسائلاً : بعد التأهل إلى كأس العالم لم يحصل على شئ..؟ كيف ؟ … وأستطرد حينها .. نعم حصل على مكافأة مادية من الأمير لكن كانت مكافأة ذاتية؟..وتابع لي عن مثل قتال قابيل وهابيل الذائعة الصيت عند أبو أحمد رحمه الله .. وقال " إن اللاعب الأوربي المحترف يبدأ بتأمين عيشه وثانياً يؤمن مستقبله وثالثاً يكبر مكانته واسمه اجتماعياً والاهم من هذا وذاك أن كل مشاكله تنحصر فيما بعد بكرة القدم والمحافظة على مستواه وتطويره.. فيما ما نسميه الاحتراف المختفي في أوربا أو الهواية الكاملة في دول الخليج أو العالم العربي والتي يلعب فيها لاعبنا إلى جانب دراسته.. وقد يؤثر على دراسته وهي هنا مستقبله بأسباب الكرة، أو أنه يعمل إلى جانب ممارسته للكرة وكم من اللاعبين ممن واجه مضايقات ومشاكل في عملهم بسبب كرة القدم.. إذن، لا الشهرة التي تدر المال في الملاعب المحترفة على لاعبها بأطنان المبالغ المالية.. فيما تنحصر في ملاعبنا على التحيات والألم في حالات معينة.. ولا أشمل هنا."
تلك التحيات التي همش عنها المرحوم فهد الأحمد.. قادتني للتعليق التالي: إذاً لنفرض أننا في العالم العربي طبقنا الاحتراف الكامل في كرة القدم، وقلنا للاعب أختص بكرة القدم.. ترى هل شهرته ستدر عليه المال أم التحيات.. أعتقد التحيات ( أي لاشيء ) وذلك لفقدان النظام المؤسسي الخاص.. فأجابني دون تردد.. هذا شيء معروف، وطلبت منه تعليل الأسباب..؟
" إن تفكير مجتمعاتنا لم يصل إلى الاحتراف، وقد يمكننا تغطية ولو جزء كحكومات من الاحتراف مقابل اللعب مثلاً ومقابل ما يقدمه اللاعب كرواتب حتى الاعتزال، لكن مشوار اللاعب كإنسان يستمر وبعدها يسعى اللاعب اجتماعيا لاستثمار أسمه ليجد – الهوة – فظيعة اجتماعيا، والشيء الثاني الذي أخالف فيه جواو هافيلانج ( الرئيس السابق اتحاد كرة القدم الدولي – فيفا- ) الذي يقول " أنظروا تحت أقدامكم تجدون الاحتراف إن أردتموه ".. وهنا أرد وأقول أننا دول متأخرة ( نامية ) ولا يتوقف ذلك على كرة القدم فقط وإنما في شتى القطاعات الاجتماعية والسياسية.. نعم ،إذ ماذا تريد دولنا .. تريد أن تبني مجتمع وتتطلع إلى أهداف قومية وبالتالي نريد أن نستخدم الرياضة من أجل التطلع إلى الأهداف القومية.. ولا نريد اللاعب أن يحقق شئ لذاته..إنما لبلده.
* أنت في أذهان هذه القيادات العربية الساخرة
من الرياضة تصرخ في عمق صحراء الربع الخالي..
شوف أخوي، بالنسبة للفرق بيننا وبينهم ( ويقصد بين لاعب الكرة الأوربية والعربية )..هو فرق كبير وشاسع سواء من ناحية الخبرة أو العلوم أو الثقافية أو حتى الممارسة.. بل المقارنة لا تجوز حتى، وإن كان الاحتراف هو القياس.. فلن يكون هو المعجزة للوصول إلى مقامهم. ويمكنني التأكيد أننا نستطيع الوصول في مجال كرة القدم إلى مستواهم بل وأحسن دون الاحتراف.. وهنا الناس تسأل وتقول.. كيف ؟
سأقول فقط إن تحركنا من خلال شخصيتنا وعرفنا ذاتنا، فنحن الآن ومنذ ثلاثين سنة ( حتى وقت هذا الحوار في عام 1988 ) ونحن نهتف بإرادة الوصول إلى المستويات العالمية أي بمستوى أوربا كروياً ويلزمننا لذلك الاحتراف وهذا ما أعتقده هراء بحد ذاته .. بل يمكننا أن نصل إلى مستواهم بل وأفضل من خلال تهيئة الظروف لأن نكون أحسن منهم وبالتالي تحقيق الأهداف القومية والاجتماعية دون ارتكاب أي خلل في المسار الذي نسير عليه.. بثلاثة شروط رئيسية وهامة.. الشرط الأول وهو الوعي والثاني استخدام الرياضة كمجال تربوي وإعلامي.. والشرط الثالث الاهتمام الفعلي بإرادة التطور من خلال استخدام الرياضة كمجال للتنافس الحضاري.
تلك النقاط الثلاثة لو تواجدت في تفكير أي مسئول عربي لتمكن الوصول بالرياضة العربية إلى ما وصلت إليه الدول المتقدمة، وفي الحقيقة ليس الاحتراف أو الهواية هما سبب تخلف الرياضة العربية .. إنما التفكير القيادي الفاشل لقياداتنا السياسية هو – الفرق – وأسأل هنا : أين هو البلد العربي الذي يستصعب عليه جمع مجموعة من الشباب وتهيئة – الوقت – وليس المال، تهيئة المنشآت وليس المعجزات، تهيئة الفرصة لكسب الخبرة.. وليس حفظ الأناشيد القومية نظرياً أو حتى تعبئة الشباب بالأهداف القومية النظرية.. بشكل لو لحظنا فيه من خلال مقارنة بسيطة الفارق بين شبابنا وشبابهم ( يتحدث عن الدول الغربية وأوربا خاصة ) فالهوة موجعة للقلب فعلاً… إذاً، تفكير القيادات السياسية العربية لا تمت ولا بأي صلة لما يعانيه شبابها.. هل هو لجهل في نفس " أيوب " ..الله أعلم.. إذ أن التفكير السياسي العربي ولسوء الحظ لا يتعدى استغلال الجماهير الرياضية لتحقيق مكاسب شعبية ذاتية للقيادة نفسها .. ودعني للأسف أكرر وأقول لك.. أنه لا يوجد في العالم العربي منشآت رياضية ولا إمكانيات ولا صرف حقيقي على الرياضة ولا حتى التفكير السليم والصحيح لما نريد أن نحققه.. وبإمكانك أن تصرخ كيفما طاب لك.. فأنت في أذهان تلك القيادات العربية الساخرة من الرياضة كمن يصرخ في عمق الصحراء.. نعم.. صحراء الربع الخالي وليس الكويت لوحدها.. وهات لمن يسمع صراخك.


تعليق