«أتحداك تتزوج الثانية وإلا خايف منها؟» - أ.د.عثمان بن صالح العامر
أ.د.عثمان بن صالح العامر
تحتل المرأة مساحة واسعة من أحاديث الرجال في مجالسهم الخاصة منها والعامة، ويعده الغالبية منا من أمتع الأحاديث وأكثرها إسعاداً، يجيد الخوض فيه الجميع؛ المتزوج والأعزب، السعيد في زواجه والمتعثر، بل ربما تحدث فيه وخاض ونكث من لا يملك من التجربة إلا ما سمعه من الآخرين! ومن بين أكثر الموضوعات إثارة في مجالس المتزوجين: (الزواج من الثانية). تجد أحدهم يقول: «الثانية حق، ومن حق الرجل أن يتزوج»، ويقول آخر: «أنا لو أردت الثانية فلن أخاف من الأولى»، وقد يتحول الأمر أحيانًا إلى نوع من التحدي: من يتزوج؟ ومن يجرؤ؟ ومن يستطيع أن يقدم على الخطوة دون أن يخشى غضب زوجته أم أولاده؟، بل ربما تسابق الجميع وبادروا في وعودهم المقرونة بالأيمان المغلظة بأن يتبرعوا (لسين منهم) بالمهر كاملاً والإعانات المتنوعة والمغرية التي تشجع على الإقدام، وهنا تحديدًا ينبغي أن نتوقف.
الزواج من الثانية في حد ذاته ليس بطولة، وليس تحديًا للزوجة كما يعتقد البعض، وليس ميدانًا لإثبات الشجاعة. فالتعدد في الشريعة الإسلامية أمر مباح، لكنه ليس مشروعًا قائمًا على التحدي أو العبث، وإنما جاء مقيدًا بالعدل والقدرة على القيام بحقوق الزوجات. يقول الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} (النساء:3). وقد بيّن أهل العلم أن العدل المطلوب هو العدل في الأمور التي يستطيع الإنسان التحكم فيها، كالنفقة والمبيت والكسوة والسكن وسائر الحقوق، أما ميل القلب فليس أمرًا يملكه الإنسان. وهنا يظهر الفرق بين الرجل الذي يفكر في التعدد بعقل ومسؤولية، والرجل الذي يتحدث عنه باعتباره تحديًا لزوجته. فإذا كان الرجل مستقرًا في أسرته، وزوجته قائمة بحقوقه، وأبناؤه في بيئة صحيحة وسليمة نفسياً واجتماعياً وفكرياً، وحياته الزوجية تسير بصورة جيدة، فإن السؤال ليس: «هل تستطيع أن تتزوج الثانية؟» بل السؤال الأهم: لماذا تريد الثانية؟ إذ إن التعدد له دوافعه وأسبابه وحِكَمه، هو ليس وصفة جاهزة لكل رجل، ولا دليلًا على أن الزواج الأول ناقص، ولا معيارًا للرجولة. والأغرب أن بعض الرجال يتعاملون مع خوف الزوجة الأولى من تزوج زوجها بالثانية على أنه دليل ضعف منها، مع أن الغيرة طبيعة بشرية، والمرأة التي تخاف على بيتها وزوجها وأبنائها لا تكون بالضرورة ضعيفة أو ناقصة الإيمان. ومن حقها أن تتألم، وأن تغار، وأن تحتاج إلى وقت لفهم قرار سيغير شكل حياتها. وفي المقابل، ليس من الحكمة أن يتحول خوف الزوج من ردة فعل زوجته إلى سبب يجعله عاجزًا عن اتخاذ أي قرار في حياته. فالزوجة شريكة حياة، وليست صاحبة سلطة مطلقة على كل خيارات زوجها، كما أن الزوج ليس صاحب سلطة مطلقة على مشاعر زوجته. المسألة - في نظري - أكبر من سؤال: «من يخاف من الآخر؟» إنها مسؤولية مشتركة، وقرار له آثاره على زوجة وأبناء وأسرة وربما أسرتين.
التعدد حين يُقدم عليه الرجل يجب أن يُقاس بقدرته على تحمل تبعاته، لا بقدرته على إخفائه، ولا بجرأته على مواجهة زوجته. فما أسهل أن يقول الرجل في مجلس الرجال: «أنا لا أخاف من زوجتي». لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك:
- هل تستطيع أن تعدل؟
- هل تستطيع أن تنفق؟
- هل تستطيع أن تحفظ الحقوق؟
- هل تستطيع أن تتحمل المسؤولية النفسية والاجتماعية والمادية؟
- هل تستطيع أن تمنع الغيرة من أن تتحول إلى حرب بين الأسرتين؟
- هل تستطيع أن تحافظ على كرامة زوجتك الأولى دون أن تظلم الثانية؟
- هل تستطيع أن تكون أبًا عادلًا لأبنائك، فلا تجعل قرارك سببًا في انقسامهم أو قطيعتهم؟
وهنا تظهر الرجولة الحقيقية. أما أن يتزوج الرجل الثانية فقط ليقول لزوجته أو لأصدقائه: «أنا أقدر وأنت لا تستطيعين منعي»، فهذا أقرب إلى المراهقة الاجتماعية منه إلى الحكمة الزوجية. والأجمل أن الرجل إذا كان مستقرًا في بيته، فلا ينبغي أن ينظر إلى الاستقرار على أنه عائق أمام التعدد، ولا إلى التعدد على أنه تصحيح لخلل غير موجود. قد يكون مستقرًا ومع ذلك يختار التعدد لسبب يراه معتبرًا، لكن عليه أن يسأل نفسه بصدق: هل هذا القرار سيضيف إلى حياته وأسرتيه مسؤولية يستطيع حملها، أم أنه سيهدم استقرارًا بناه طوال سنوات من عمره؟.
ما يجب أن يعيه الجميع أن الشرع حين أباح التعدد لم يجعله سباقًا بين الرجال، وإنما ربطه بالقدرة والعدل. بل إن الآية نفسها تضع أمام من يخشى الجور خيارًا واضحًا: {فَوَاحِدَةً}، كما أن القرآن الكريم يلفت النظر إلى حقيقة إنسانية دقيقة؛ فالعدل الكامل في الميل القلبي ليس في مقدور الإنسان، ولذلك قال تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} (النساء: 129)، أي إن عدم تساوي المشاعر القلبية شيء، وتحويل ذلك الميل إلى ظلم في الحقوق شيء آخر. ولهذا جاء الوعيد الشديد في الحديث النبوي لمن يميل إلى إحدى زوجتيه في الحقوق على حساب الأخرى.
إن أكثر ما يحتاجه الرجال في موضوع التعدد هو أن يخرجوا به من مجالس التحدي إلى مجالس الحكمة. فليس عيبًا أن يخشى الرجل من أثر قراره على أسرته، وليس عيبًا أن يحسب حساب مشاعر زوجته، وليس عيبًا أن يتراجع إذا اكتشف أنه غير قادر على تحمل المسؤولية. فالخوف من ظلم إنسان ليس جبنًا فضلاً عن آن تكون المظلومة رفيقة دربه أم أولاده، والتريث قبل قرار كبير مثل هذا ليس ضعفًا في الشخصية، والحفاظ على أسرة مستقرة ليس هزيمة وجبناً. وفي المقابل، إذا رأى الرجل أن لديه سببًا معتبرًا، وأنه قادر على تحمل المسؤولية، وأنه سيؤدي الحقوق، فليتخذ قراره بعيداً عن الاستعراض والمكايدة وإثبات الذات، دمتم بخير وإلى لقاء والسلام.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 852
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 959
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 847
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 823
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 826
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1046
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...