الأربعاء, تشرين1/أكتوير 07, 2026

All the News That's Fit to Print

سمر المقرن

لكل زمن لغته، ولكل جيل قاموسه الخاص. كلمات تولد من تحولات المجتمع، ثم تنتشر حتى تصبح جزءًا من حديثنا اليومي. وفي السنوات الأخيرة، دخلت إلى مجالسنا ومنصاتنا مفردات نفسية وتطويرية كثيرة، بعضها يعكس وعيًا جميلًا بالذات، وهذا أمر يُحسب لهذا الجيل لا عليه. لكن المشكلة تبدأ حين نُفرط في استخدامها، ونحوّلها من أدوات للفهم إلى شماعات نعلّق عليها كل ما لا يعجبنا!

خذوا مثلًا «الطاقة السلبية». مفهوم جميل حين يجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يؤثّر في مزاجه ونفسيته، لكننا توسعنا فيه حتى أصبح كل شخص لا يوافقنا الرأي مصدرًا للطاقة السلبية! قريب يعاتبك؟ ابتعد عنه، طاقته سلبية. صديق يصارحك بخطئك؟ استبعده من حياتك، فهو يستنزف طاقتك، بل وصل الأمر إلى أن نسمع من يقول بكل بساطة: «أمي طاقة سلبية»، أو «أبي طاقة سلبية»! لأن أمًا أكثرت من النصح، أو أبًا عاتب أو تدخَّل أو قال كلمة لم توافق المزاج. وكأن العلاقات الإنسانية، حتى أقدسها، أصبحت مطالبة بأن تمنحنا الراحة طوال الوقت، وإلا وضعناها فورًا في خانة «الطاقة السلبية»!

ثم جاءت: «ارفع استحقاقك»! وهي في أصلها دعوة جميلة أن يعرف الإنسان قيمته، وألا يقبل بالإهانة أو التقليل من شأنه. لكننا رفعنا الاستحقاق أحيانًا حتى ارتفع معه سقف الأنانية! أريد الأفضل دائمًا، وعلى الآخرين أن يراعوا مشاعري ورغباتي وتوقعاتي، وأن يعاملوني بالطريقة التي أراها تليق بي، لأنني ببساطة «رفعت استحقاقي». وهكذا وبهدوء شديد، قد ترتدي الأنانية ثوب الوعي، وتدخل علينا من الباب ونحن نصفق لها!

أما «النرجسي»، فهذه حكاية أخرى. فجأة أصبحنا جميعًا أخصائيين نفسيين، نحمل أدوات التشخيص في جيوبنا. اختلف معك؟ نرجسي. لم يمنحك الاهتمام الذي تريد؟ نرجسي. تمسّك برأيه؟ نرجسي. انتهت العلاقة بطريقة لم تعجبك؟ لا بد أنه نرجسي!

وبين شخص لا يعجبنا، وآخر أناني، وثالث سيئ الطباع، وبين من تنطبق عليه معايير اضطراب الشخصية النرجسية، مسافات لا يختصرها مقطع في وسائل التواصل.

أنا لست ضد هذه المفاهيم، بل أراها من علامات ارتفاع الوعي حين تُفهم في سياقها الصحيح. لكن الوعي الحقيقي لا يجعلنا أكثر قسوة في تصنيف البشر، ولا يمنحنا قاموسًا جديدًا لتبرير عيوبنا.

فربما، قبل أن نفتش عن الطاقة السلبية والنرجسية وانخفاض الاستحقاق لدى الآخرين، نحتاج أحيانًا إلى سؤال أكثر إزعاجًا:

وماذا عنّا نحن؟

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...