الجمعة, تشرين1/أكتوير 30, 2026

All the News That's Fit to Print

د. إبراهيم بن جلال فضلون

في ربيع عام 2016، وقف دونالد ترامب في فندق ماي فلاور بالعاصمة واشنطن ليلقي أول خطاب له عن السياسة الخارجية. قائلاً: «إن على أمريكا أن تصير أقل قابلية للتوقع»، وكان بالصف الأول يجلس السفير الروسي، وبعد عشر سنوات، وفّى الرجل بهذا الوعد وحده، أما غيرها من وعود الرخاء والسلام التي زيّن بها حملاته، فقد ذهبت أدراج الرياح.

لقد وعد بإنهاء حرب أوكرانيا في يوم واحد، وها هي الحرب تقصف مدن أوكرانيا ومحطات كهربائها بعد نحو واحد وعشرين شهراً على عودته إلى البيت الأبيض، وطالت بلدان أوروبا وحرقت أغلبها، ووعد الأمريكيين بأسعار أرخص، فإذا بسبعين في المئة منهم، بحسب استطلاع فوكس نيوز، يرون أداءه الاقتصادي سيئاً، فهذه ليست وعوداً، بل شيكات بلا رصيد.

السجل موثق

ولا حاجة إلى التأويل هنا، فالسجل موثق، إذ أحصت صحيفة واشنطن بوست أكثر من ثلاثين ألف ادعاء خاطئ أو مُضلل في ولايته الأولى، أي نحو واحد وعشرين ادعاءً كل يوم، ولا يوجد حتى اليوم إحصاء شامل لولايته الثانية، لكن شبكة cnn وثّقت مئة ادعاء خاطئ في أيامه المئة الأولى وحدها، وحين يتكرر الخطأ بهذا الكم، فلا يكون كزلة لسان، بل يصير لُغة حُكم، وتتكفل جوقة البيت الأبيض متنقلة بين الاستوديوهات الموالية، بترديد الادعاء نفسه حتى يصير بالتكرار حقيقة في أذن من لا يتحقق، بل صارت لغة علنية بالضلالات دون رقيب أو محاسب، على لسان مؤيديه الذين يضللون الجمهور.

وللوعد الذي لا يتحقق ثمن، أُسميه هُنا «ضريبة التقلب»، فهي ليست بنداً في موازنة، ولا يصوّت عليها نائب، لكنها أثقل الضرائب وأكثرها صمتاً. يدفعها المستثمر حين يرفع علاوة المخاطرة، ويدفعها الحليف حين يشتري تأميناً ما كان ليحتاجه، ويدفعها المواطن أمام مضخة الوقود، وقد علّمنا فريدمان أن: «لا غداء مجانياً»، وغداء الوعود الفارغة أغلاها.

عملة بلا غطاء

الانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر على الأبواب، والناخب الأمريكي غاضب من الأسعار، وفي السادس عشر من أكتوبر وقّع الرئيس أمراً تنفيذياً علّق به معظم أحكام قانون العقوبات على روسيا كان قد وقّعه قبل شهر، قبل يومين من سريانه، بعد أن أعلن اتفاقاً مع موسكو لتصدير الديزل يبدأ بثلاثمئة ألف طن.. وهُنا لن أظلم الإدارة، فوزير الطاقة «كريس رايت» يرى في الخطوة حافزاً لروسيا كي تخفض التصعيد، ويقول إن المنتقدين لا يفهمون ما يفعله الرئيس، أما زيلينسكي فيرد بأن الصفقة لا تؤثر تأثيراً يُذكر في أسعار الوقود الأمريكية، وبأن أصل الأزمة إغلاق مضيق هرمز، والفصل بين الحجتين للأسواق، لكن المفارقة لا تحتاج إلى خبير: (قانون أقرّه الكونغرس بأغلبية كبيرة من الحزبين، ثم يُعلَّق قبل أن يبدأ سريانه بيومين)، فمن يبني خطته على كلمة تعيش أربعة أسابيع؟.

وفي عطلة الأسبوع أعلن الرئيس وقفاً لإطلاق النار على منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، ليتفاجأ به الأوكرانيون، شنّت روسيا بعده قصفاً جديداً بعد ساعات، بلغت وفق كييف خمس عشرة ضربة لمنشأة توليد الكهرباء في نفس اليوم الذي صدر فيه أمر تعليق العقوبات، حتى وصفها زيلينسكي بأنها غير عادلة وأن ترمب غير صادق في وعوده.. ولم يأت الغضب من الخصوم وحدهم. فقد شبّه النائب الجمهوري دون بيكون ما جرى بسياسة الاسترضاء، وبعث ستة سيناتورات جمهوريين برسالة اعتبروا فيها الصفقة هدية للخصم، وانتقدت هيئة تحرير وول ستريت جورنال القرار. وحين يعلن زعيم إنجازاً يسبقه الواقع بنفيه، تفقد كلمته وزنها، والكلمة التي تفقد وزنها عملة بلا غطاء، والإعلان الرسمي حين يُصاغ هكذا يشبه الحبارى في الرمل: يتلون بلون الإنجاز فيحسبه الناخب أرضاً صلبة، فإذا وطئه غاص تحت قدميه.

شريكان في حريق

لا شيء يكشف التقلب كما تكشفه علاقة ترامب بنتنياهو، ففي فبراير أطلق الرجلان معاً حرباً على إيران، بشرط أنها تُحسم في أيام، وبعد أشهر، في يونيو، كان ترامب يوجه إلى شريكه، لغة علنية لم يجرؤ رئيس أمريكي على استخدامها من قبل، ثُم التقيا في يوليو بالبيت الأبيض وسط خلاف مُعلن على نهاية الحرب: (ترامب يريد فتح مضيق هرمز واتفاقاً مع طهران، ونتنياهو يريد ضربات تقضي على البرنامج النووي الإيراني)، وفي التاسع عشر من أكتوبر عاد ترامب فتوقع لنتنياهو فوزاً كبيراً في انتخابات السابع والعشرين من الشهر نفسه.

«شهر عسل، فخلاف، فعناق»، ولا مبدأ في هذه الدورة، فالذي يُحركها صندوق الاقتراع، وكل منهما يحتاج الآخر في اقتراعه، ويلومه في الحرب، فهما شريكان أشعلا النار في بيت، ثم وقفا أمام الجيران يتبادلان الاتهام بمن أشعلها أولاً، وأخشى أن يتسلل إلى هذه الحرب ما أسميه حبور الموت بابتهاج من لا يدفع ثمن الدم بما ينتظره من مكسب سياسي، يُثير الاستياء ويُشعر الناخب في البلدين بأن حساب الأرواح يأتي بعد حساب الأصوات، وحين يتصاعد الدخان لا يُصيب الشريكين وحدهما، فمضيق هُرمز ما زال سبباً في صدمة الطاقة العالمية، ومنها جاء الديزل الروسي إلى حسابات البيت الأبيض، ومن هناك جاءت الفاتورة إلى محطات الوقود وإلى موازنات الخليج.

خريطة تُرسم فيضيع الناخب

وفي الداخل تُجبى الضريبة بصورة أخرى، فقد وجد تقرير منظمة «بروتكت ديموكراسي» الصادر في السابع عشر من سبتمبر أن 34.8 مليون أمريكي، أي واحداً من كل عشرة، يعيشون الآن في دائرة انتخابية غير التي كانوا فيها في انتخابات 2024، عبر تسع ولايات، ففي ميزوري، التي رفض ناخبوها عام 1922 بأكثر من 60% من الأصوات خريطة متلاعباً بها، صوّت الناخبون هذا العام في الانتخابات التمهيدية على خريطة أوقفها القضاء لاحقاً، فاكتشف بعضهم أن مرشحهم لن يكون على ورقة نوفمبر. ولا بد من الحُجة المُقابلة، وقد كررها نائب الرئيس «جيه دي فانس»: «الديمقراطيون رسموا في إلينوي خريطة تمنحهم 14 مقعداً من 17، مع أن ترامب نال 44% من أصوات الولاية عام 2024، وما يفعله الجمهوريون رد على ذلك، وهي حُجة لها وزنها، لكنها لا تُجيب عن السؤال الأهم: ماذا يبقى من ثقة الناخب حين يُبرر كل طرف ما يفعله بما فعله الآخر؟.

ماذا بعد الثالث من نوفمبر؟

يسألني كثيرون: ماذا لو خسر؟، والجواب أن ترامب لن يكون على ورقة الاقتراع، فهو في ولايته الثانية، ولا يحق له الترشح مُجدداً، والمطروح هو الكونغرس، فقد وافق على أداء الرئيس 30% في استطلاع مركز (بيو) بين 28 سبتمبر و4 أكتوبر، و31% في استطلاع رويترز وإبسوس الذي نُشر في 19 أكتوبر، مقابل 66% لا يوافقون، وسجلت فوكس نيوز 36%، وهو أدنى مستوى له لديها.

هذه استطلاعات متباينة المنهجيات ولا تحسم النتيجة، لكنها لا تبشر حزب الرئيس بخير. ومن ينتظر مشهد القيود في معصم الرئيس مساء الثالث من نوفمبر سيخيب ظنه، فصندوق الاقتراع لا يُحاكم أحداً، إنما يوزع المفاتيح فقط. إن فاز الديمقراطيون بمجلس أو بالمجلسين، يجعلهم مالكين التحقيق والتمويل والرقابة، أما المساءلة القانونية فتقوم على أدلة وقضاء مستقل، لا على نتيجة انتخابات نصفية، وإن احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم، فسيأتي الضغط على الرئيس من داخل حزبه، وأولى إشاراته قد ظهرت.. وفي الحالتين أقترح قاعدة بسيطة: (ألا يدخل تعليق أي قانون عقوبات أقرّه الكونغرس بأغلبية واسعة حيز التنفيذ قبل مهلة تبريد معلنة، يُعرض فيها السبب على المشرعين والرأي العام). بهذه القاعدة تتحول القرارات الكبرى من مفاجآت إلى إجراءات.

وماذا عنا نحن؟

نحن أقرب الجيران إلى الدخان، وحين تتأرجح أسعار الطاقة مع كل إعلان من واشنطن، تتأرجح معها موازنات وخطط استثمار في الخليج، وفواتير الدول المستوردة للوقود، فلا ننتظر نتيجة الانتخابات لنعرف ماذا نفعل؟، بل نبني ما يُخفف عنا كُلفة المُفاجأة عبر قدرة تحليلية عربية تقرأ المؤسسات الأمريكية لا الأشخاص وحدهم، وشراكات متعددة، وتفاهمات مكتوبة تصمد حين تتبدل الإدارات وتتغير الوعود والكراسي.

ستمضي هذه الانتخابات، وسيقول كل فريق إنه انتصر، لكن ضريبة التقلب لا تُلغى بنتيجة واحدة، ولا يلغيها إلا نظام يجعل الوعد التزاماً والمفاجأة استثناءً، فهل تستطيع أمريكا أن تجعل الكلمة الرسمية رصيداً يُعتمد عليه، أم ستظل تصدر وعوداً من ورق، ويدفع الآخرون ثمن الورق؟

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...