حرب اللا نصر واللا هزيمة - د. إبراهيم بن جلال فضلون
د. إبراهيم بن جلال فضلون
في مشهدٍ عالميٍّ يذكرنا برواية «الأبله» لفيودور دوستويفسكي، حيث يتداخل التهور السياسي بالعمق الإنساني المتناقض، يجد العالم نفسه اليوم في أبريل 2026 أمام مفترق طرق لم يعد فيه الاقتصاد معزولاً عن فوهة البندقية، ولا برميل النفط بعيداً عن شاشات «ai» العسكري.
وفي (فن الحرب) قال «صن تزو»: «في صراعِ العمالقة، لا يُقاسُ النصرُ بعددِ القتلى، بل بالقدرةِ على منعِ الخصمِ من استخدامِ أوراقه القاتلة في اللحظةِ الأخيرة»، لنعيش إعادة صياغة كلية لمفهوم «القوة الإستراتيجية» في ظل توازن هشّ تقوده «القوى الوسطى» التي أثبتت أنها القطب الثالث الأكثر اتزاناً في عالمٍ يموج بالاضطراب. وعندما تتحدث المدافع، تصمت القوانين، ولكن عندما تبدأ الإشارات النووية في الظهور، فإن الوجود البشري برمته يصبح موضوعاً للمساومة على طاولة القمار الاستراتيجي، وهو ما نجد صداها اليوم في مياه الخليج الدافئة التي باتت تغلي على وقع الحرب الأمريكية-الإيرانية في مشهدٍ «سريالي» في مياه الخليج العربي؛ حيث تلتقي «الهمجية الأمريكية» بطموحات القوى الصاعدة في لحظة اشتباكٍ كوني.
رحلة بلا هواتف:
ولعلنا نُشاهد على الملأ ونترقب تلك الرحلة الأمريكية وهي بلا هواتف، وكيف يحتمي الوفد الأميركي من التجسس الصيني، فكل جهاز يُستخدم في الصين سيتخلص منه لاحقاً، وسط مؤشرات مُقلقة تدل على أن بكين وواشنطن تسيران في اتجاه الصدام لذلك قد تكون الزيارة فرصة لتهدئة إستراتيجية، وهو ما لا أتوقعه، فقد مارس ترمب عنجهيته بأنه لا يحتاج للصين في فتح المضيق، وهو الذي لم يستقبلهُ الرئيس الصيني، ليعود خالي الوفاض (بخُفي حُنين). ولنتأمل المخصصات الدفاعية الأمريكية الجديدة التي لامست عتبة الـ925 مليار دولار للسنة المالية 2026، لنجد أن واشنطن لم تعد تستثمر في «العتاد التقليدي» فحسب، بل هي تضخ 150 مليار دولار في البحث والتطوير (RDTالجزيرةE) لخلق درع رقمي وفضائي يحمي تفوقها المُتآكل والذي ضاع هيبته في مضيق هرمز. وكأنه «بوليصة تأمين» باهظة الثمن لمحاولة السيطرة على ممرات الطاقة التي باتت رهينة لتوترات جيوسياسية لم تشهدها المنطقة منذ عقود.
القلق الإفريقي:
ولا ننسي أن هناك سراً وقلقًا إفريقيًا من القمة الأميركية - الصينية، بسبب الاعتماد المزدوج عليهما، بما لا يضمن الاستقلال بل يعيد إنتاج التبعية بصيغ متعددة، قد ينتج عنها، بل ويُعيد رسم البيئة الدولية التي تتحرك داخلها الدول الأفريقية، اقتصادياً واستراتيجياً وسياسياً.. وهنا يبرز الدور المحوري للمملكة العربية السعودية ومصر كمرتكزات استقرار في إدارة «دبلوماسية الطاقة» بعيداً عن الاستقطاب الحاد، محققةً توازناً عبقرياً بين الحفاظ على تدفق الإمدادات وحماية السيادة الوطنية. إنها عقلانية تقف سداً منيعاً أمام تهور «الأقطاب القديمة، ورسالة ثقة لشركات الطاقة العالمية بأن ضخ الاستثمارات في «المياه العميقة» بالخليج وشرق المتوسط هو الخيار الاستراتيجي الأكثر أماناً، رغم كل الحروب السيبرانية وحروب المعلومات التي تحاول النيل من المراكز الإقليمية الصاعدة.
المملكة والعرب ومقامرة كُبرى:
لم تعد الحرب على إيران مجرد مواجهة تقليدية، بل تحولت إلى «مقامرة كبرى» على حافة الهاوية النووية. وهنا، يبرز الدور الروسي الذي أتقن فن «الإشارة النووية»؛ فمنذ بدء الأزمة، رصدت مراكز الدراسات أكثر من 136 إشارة ردع روسية وإن كانت مغلفةً بلغة الدبلوماسية القسرية، تهدف إلى كبح جماح الغطرسة الأمريكية ومنعها من الانفراد بقرار إعادة تشكيل المنطقة وفق الهوى الصهيوني؛ فبوتين، الذي يعتبر استقرار إيران جزءاً من أمنه الاستراتيجي، لن يسمح بانهيارٍ كامل يمنح ترامب نصراً «ماسونياً» مجانياً. هذا التوازن المرعب هو ما دفع ترامب للتراجع عن اشتراط تسليم اليورانيوم المخصب، مدعياً «عدم الأهمية» في تناقضٍ مذهل يكشف حجم التناقضات التي تُساق للرأي العام العالمي. الحقيقة أن واشنطن تدرك أن أي تمادٍ إضافي قد يستدعي رداً نووياً تكتيكياً أو تضليلاً إعلامياً روسياً يقلب الطاولة على الجميع، حيثُ كشفت قمة هرمز الافتراضية، بمشاركة 35 دولة، عن حجم «الشرخ» في المعسكر الغربي، وتحذير ماكرون من «الخيار العسكري» لم يكن مجرد نصيحة، بل كان إعلاناً عن فشل الإجماع الدولي حول المغامرة الأمريكية- الإسرائيلية. ووصف ترامب، حلف شمال الأطلسي بـ»نمر من ورق»، لتفقد واشنطن بوصلة القيادة لصالح «عقيدة الفوضى».
الرهان الذي تحول إلى كابوس:
فالرهان الأميركي على دمج الصين في النظام الدولي وتحويلها تدريجاً إلى قوة رأسمالية ليبرالية انتهى إلى نتيجة عكسية، بات يُهدد العرش الأميركي. فعلى الصعيد الاقتصادي، نحن أمام «الانتحار الطاقي»؛ فوصول أسعار النفط إلى عتبة الـ 120 دولاراً، مع توقعاتٍ حتمية بتجاوز الـ 150 دولاراً للبرميل، وكأنها «رصاصة الرحمة» للاقتصاد العالمي المنهك. إن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره 25 % من تجارة النفط و19 % من الغاز المسال، ليس مجرد أزمة إمدادات، بل هو «زلزال جيوسياسي» صممته الدوائر الماسونية لرفع كلفة المعيشة وإخضاع الدول لسياسات «البنك الدولي» والقوى العظمى. وهنا، تبرز حكمة العقل العربي المتمثلة في المحور «السعودي-المصري»؛ فبينما تحاول واشنطن وإسرائيل جر المنطقة لحربٍ شاملة، تصر الرياض والقاهرة على بناء «مرساة استقرار» تمنع انزلاق المنطقة نحو الفوضى التي لا تخدم إلا المشروع الصهيوني التوسعي.
حرب «اللا-نصر واللا-هزيمة»:
إن تضارب أقوال ترامب، وتهديداته المبطنة، تعكس حالة «الهذيان السياسي» لقائدٍ لم يعد يحكمه دستور بلاده، بل تحكمه «علاقة سامة» مع تل أبيب، تُبنى على أنقاض السلم العالمي، ولعل السيناريوهات القادمة لا تشير إلى حسمٍ قريب، بل إلى «استنزافٍ مُدار»؛ فالصين لها مصالحها لا غير، وإيران، رغم الضربات، لا تزال تملك مفاتيح المضائق، وواشنطن، رغم الحشد، لا تملك الجرأة على التدخل البري، إنها حرب «اللا-نصر واللا-هزيمة»، التي تهدف بالأساس إلى استنزاف مقدرات الخليج وإبقاء المنطقة في حالة «غيبوبة سياسية».
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 710
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 819
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 690
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 682
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 679
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 888
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...