ديون أمريكا ... ضعف يمنحها القوة - د.عبدالله بن موسى الطاير
د.عبدالله بن موسى الطاير
المحللون والمنظرون السياسيون الذين يحتشدون أمام الكاميرا على جانبي المذيع يفتون في كل شي، المهم أن تكون فتواهم لخدمة وتعزيز رواية الحرس الثوري، وأحدث مزاعمهم أرقام الدين الأمريكي التي أعلنت في 18 أغسطس الجاري. طرحهم وحججهم تدعو للشفقة، لكنها تجد من يصدقها، فعملية التضليل ضخمة ومقصودة.
والقصة أن الدين القومي الأمريكي بلغ نحو 40 تريليون دولار، ورقم، بهذه الضخامة، يغري بالقفز إلى الاستنتاج قبل التحليل، ولذلك تموضعت سوالفهم حول اقتراب أمريكا من الإفلاس، وأنها أصبحت رهينة لدائنين كبار كاليابان والصين تستطيع متى شاءت نسف الاقتصاد الأمريكي ببيع ما تملكه من سندات. يتجاهل أولئك المحللون، وربما عن قصد، أن الدين في الاقتصاد الأمريكي لا يعمل بتلك السذاجة، ولوضع المسألة في إطارها الصحيح فإن قدرة أمريكا على تحمل هذا الدين هو أحد مصادر قوتها الاقتصادية.
أمريكا يا سادة لا تشبه شركة أو شخصاً اقترض أكثر مما يستطيع سداده، ولا دولة نامية اقترضت بالدولار ثم وجدت نفسها عاجزة عن الحصول عليه، فأمريكا تقترض بعملة تصدرها هي، وهذه نقطة جوهرية في فهم فلسفة الدين الأمريكي، فهي رغم مخاطر الدين تتمتع بما لا يتوافر لغيرها، فالعالم لا يكتفي بقبول دينها، بل يحتاج إليه ويتنافس على حيازة أكبر قدر منه. فسندات الخزانة الأمريكية جزء أساس من بنية النظام المالي العالمي، حيث تستخدمها البنوك ضمانات، وتحتفظ بها البنوك المركزية في احتياطاتها، ويلجأ المستثمرون إليها عند الخوف، وتدخل أسعارها وعوائدها في تسعير أصول لا حصر لها، وكلما اتسع الاقتصاد المالي العالمي ازدادت حاجته إلى أصول آمنة، وأمريكا هي التي توفر القدر الأكبر من الأمن والثقة والفائدة. وببساطة فإن أمريكا لا تقترض لأنها فقط تحتاج إلى المال، فهناك من يريد إقراضها لأنه يحتاج إلى عوائد الإقراض. الدول ذات الفوائض التجارية تجمع الدولارات، ثم تبحث عن أصل يحفظ قيمتها، ويوفر السيولة، ويمكن شراء مئات المليارات منه وبيعها، وليس من السهل العثور على سوق أخرى توفر هذه الخصائص بالحجم نفسه، ولذلك لا يشتري الدائنون الأجانب السندات الأمريكية إحساناً إلى واشنطن.
تستطيع الدول الدائنة الإضرار بأمريكا، وإيران ليست واحدة من تلك الدول، كما أنه يوجد فارق جوهري بين القدرة على الإيذاء، والقدرة على تحويله إلى انتصار سياسي. فالدولة التي تبدأ البيع تضرب قيمة ما تبقى لديها من السندات، ثم تجد نفسها أمام سؤال أصعب، فماذا تفعل بمئات المليارات من الدولارات الناتجة عن البيع؟ إذا حولتها إلى عملتها فقد ترتفع قيمة تلك العملة وتصبح صادراتها أقل تنافسية. وإذا اشترت اليورو أو الذهب أو الين، اصطدمت بأسواق أصغر لا تستطيع بسهولة استيعاب الأموال بالحجم والسيولة نفسيهما.
هناك معلومة لا يظهرها المحللون الرغبويون، وهي أن الملكية الأجنبية للدين الأمريكي أكثر تعقيدا مما توحي به الحكايات على الشاشة، فوزارة الخزانة الأمريكية تحذر من أن الأرقام الشهرية تنسب السندات إلى مكان حفظها لا إلى مالكها النهائي. وقد تظهر سندات يملكها مستثمر من دولة ما ضمن حيازات مركز مالي في دولة أخرى، ولذلك فإن الحديث عن «دولة دائنة» لأمريكا يحتاج إلى شيء من الحذر.
القلق في أمريكا ليس من الدائنين الأجانب وإنما من المسار الأمريكي نفسه، فحين تبلغ فوائد الدين تريليون دولار وتتجه إلى تريليونين، ويستمر العجز في سنوات النمو والركود، تبدأ الدولة في إنفاق جزء متزايد من مواردها على الماضي بدلاً من المستقبل.
ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس، وفق مساره الحالي، ارتفاع الدين الفدرالي المملوك للمستثمرين من نحو 101 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 120 % عام 2036، مع ارتفاع صافي الفوائد من 3.3 % إلى 4.6 % من الناتج. ومع ذلك فإن هذه ليست بوادر انهيار قد يحدث غدا لإنقاذ الحرس الثوري. فقوة أمريكا المالية لم تقم على غياب الدين، بل على ثقة العالم بأنها قادرة على حمله، وأن الدولار سيبقى قابلاً للتحويل، وأن السوق الأمريكية ستظل الأكبر، وأن الخزانة ستفي بالتزاماتها.
الدين الأمريكي عبء متراكم يضيّق هامش الحركة أمام الأجيال القادمة، لكنه في الوقت نفسه يصدّر للعالم الأصل المالي الذي يحتاج إليه. والدائن الأجنبي لا يستطيع أن يخنق أمريكا من دون أن يصوب مسدسه إلى رأسه أيضاً.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 845
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 955
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 841
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 819
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 819
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1034
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...