لماذا نكشف أسرارنا؟! - د. ناهد باشطح
د. ناهد باشطح
فاصلة:
«الوحدة لا تأتي من غياب الناس حولنا، بل من العجز عن إيصال الأشياء المهمة داخلنا»
-كارل يونج-
لماذا يكشف الإنسان أسرار خلافاته مع أسرته سواء للأصدقاء أو على الملأ؟!
يحدث ذلك حين يصبح الألم الداخلي أقوى من قدرة الانسان على الكتمان، والشعور بأنه وحيد في معاناته.
تمثل الأسرة للإنسان مصدر الأمان، وفي الخلافات يتحول هذا المصدر إلى مساحة صراع أو خيبة، فيبحث الإنسان حينها عن متنفس خارجي، حتى لو كان جمهورًا مجهولاً على وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك نرى انتشار الفيديوهات في برنامج «تيك توك» التي تبرز معاناة الشخص مع أسرته.
كشف الأسرار للأصدقاء يحرر الإنسان من ثقل الكتمان، ويشعره بالانتصار الرمزي حين لا يستطيع المواجهة المباشرة، فحين الألم نفقد السيطرة داخل علاقاتنا فنبوح لاستعادة السيطرة النفسية.
الروابط الهشة في العلاقات الأسرية، تعكس الحاجة إلى الاحتواء، وربما لهذا السبب، أصبح بعض الناس يفضّلون الاعتراف أمام الغرباء، لأنهم لا يملكون تاريخًا معهم، ولا أحكامًا مسبقة تثقل اعترافاتهم.
وجاء العصر الرقمي الذي غيّر طريقة تعاملنا مع الخصوصية، فالتعبير العلني عن المشاعر أصبح جزءًا من الثقافة اليومية.
الإشكالية تكون حين يتحول أي تنفيس صحي للأصدقاء المقربين الى تنفيس علني يشبه التعرية العاطفية، كلاهما يبدأ من الألم والرغبة في التنفيس، لكن نتائجهما النفسية مختلفة فحين يعمل التنفيس الصحي على استعادة التوازن النفسي لأنك اخترت الشخص المناسب والحدود، تكشف التعرية العاطفية المشاعر والتفاصيل الخاصة باندفاع، وتصبح الحاجة ملحة للاحتواء ويعتمد الشخص نفسيًا على تفاعل الناس، وقد يشعر براحة مؤقتة، ثم الشعور بالفراغ لأن المشكلة ما زالت قائمة، وأصبح هو أكثر تعلقًا بنظرة الجمهور، وأكثر هشاشة أمام الأحكام الخارجية.
لذلك ليست المشكلة في أن يتحدث الإنسان عن معاناته، بل في كيف يتحدث، ولمن، ولماذا؟
في البداية يشارك الإنسان عبر حساباته في الإنترنت موقفًا أو شعورًا، ثم مع التفاعل يكشف المزيد، حتى تصبح خصوصيته مرتبطة بالإحساس بأنه مرئي، متجاهلاً أن المشكلة الحقيقية لم تكن في الخلاف الأسري، بل في شعوره بأنه غير مُحتوى عاطفياً، فالنفس حين تنزف لا تحتاج جمهورًا دائمًا، بل تحتاج حدودا تحميها.
مشكلة «تيك توك» انه لم يعد مجرد منصة ترفيه، بل تحول إلى مساحة اعتراف جماعي، سهولة التصوير والنشر الفوري أوجدت ثقافة مشاركة المشاعر، وتحوّلت القصص الشخصية إلى وسيلة لجذب الانتباه أو بناء المتابعين.
طبيعة المنصات الحديثة غيّرت مفهوم الخصوصية، فالأجيال السابقة كانت تنظر إلى المشكلات الأسرية كأسرار، بينما نشأت الأجيال الرقمية في بيئة تدعم المشاركة المستمرة لليوميات، ومع الوقت، تلاشت الحدود بين الخاص والعام، وأصبح تصوير الأزمات جزءًا من الثقافة الرقمية السائدة، وكرست الخوارزميات الظاهرة. فالمحتوى العاطفي والقصص الإنسانية يحصد مشاهدة مرتفعة، مما يدفع بعضهم إلى مشاركة تفاصيل أكثر حساسية للحصول على الشعور بالأهمية وزيادة المتابعات.
لكن الحديث العلني عن المشكلات الأسرية يحمل وجهين متناقضين: فمن جهة، قد يساعد بعض الأشخاص على التنفيس وكسر العزلة، ومن جهة أخرى قد يؤدي إلى تعميق الخلافات، وإصدار أحكام جماعية سريعة على قصص لا يعرف الجمهور حقيقتها.
هذه الظاهرة تكشف عن أزمة يعيشها الإنسان المعاصر: الحاجة الشديدة إلى الاحتواء في عالم مزدحم، مقابل تراجع الحوار الحقيقي داخل العلاقات القريبة. لذلك لم يعد غريبًا أن يصبح الغرباء في العالم الرقمي مستمعين دائمين لأسرار كانت البيوت تخفيها يومًا خلف أبواب موصدة.
في الماضي كانت الجدران تحفظ أسرار البيوت، أما اليوم فأصبحت الخوارزميات تحفظها، وحين يفقد الإنسان الأمان في دائرته القريبة، قد يتحول الغرباء في تيك توك إلى عائلة مؤقتة.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 693
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 802
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 671
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 667
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 663
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 866
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...