قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
أخيرًا أصبح الحلم حقيقة، ويمكن أن نصعد القطار من محطة الرياض إلى المجمعة والقصيم، وقريبًا حائل، ثم الجوف والقريات، هذا الذي حلمنا به منذ عشرات السنين، وكتبنا مرارًا عن تعثر التنمية في مسار السكة الحديد وتوقفها على خط قطار الأحساء والدمام، منذ الخمسينات من القرن الماضي، ومرور الخطط الخمسية، واحدة تلو الأخرى، دون أن تنظر في القطار الذي يغط في سبات طويل، حتى استيقظ أخيرًا في طريق طويل يبلغ نحو 1250 كيلو متر تقريبًا، وكما لو كان يقطع قارة بأكملها!
وحتى لو انتشر مقطع فيديو يسخر من بطء القطار، وتأخر وصوله المقرر في الرحلة الإعلامية التجريبية، وحتى لو كان المتحدث من إعلاميي التواصل الاجتماعي، علينا أن ندرك أن هذا الجهد الكبير، لتأسيس نقل عام متميز في المملكة، سواء في خطوط السكة الحديد، أو شبكات المترو في المدن الرئيسة، هو جهد عظيم يجب الوقوف معه حتى لو تأخر، ولو أصابته عثرات البدايات، لأنه مشروعنا وبابنا الحقيقي نحو المستقبل، فهل نترك الباب مقفلًا إلى الأبد، أم نفتحه على مهل ونسير بحرص وحب حتى نصل؟
هكذا علينا أن نفعل كتّابًا وإعلاميين، فلا يجب أن ننتقد مشروعات التنمية إلا بعد أن تأخذ وقتها الكامل في التشغيل، لأن الإدارة والتنظيم والتشغيل والصيانة مجالات مهمة مختلفة عن الإنشاء والتأسيس، فنحن أسسنا المشروع، ولكي نقوم بتقييمه يجب أن نتركه يعمل لسنة أو حتى سنوات، يتم خلالها معالجة أخطاء التشغيل ونواقصه، علمًا بأن الصور التي انتشرت لمحطات القطارات، والقطارات نفسها كانت لافتة ومتميزة، وربما أكتب مقالًا تفصيليًا لاحقًا بعد تجربة الرحلة على قطارنا الحلم.
أما فيما يخص أسعار التذاكر، فهي ليست باهظة كما يتخيل البعض، ولا يعني مقارنتها بالطيران تبريرًا كافيًا لارتفاعها، ففي كثير من الدول الأوروبية تبدو أسعار الطيران والقطارات متقاربة جدًا، لكن ما يعزِّز استخدام القطار في هذه الدول هو سهولة الذهاب للمحطة دونما حجز مبكّر، والحصول على مقعد للسفر إلى الوجهة المختارة قبل دقائق من انطلاق القطار، ولكن على إدارة شركة (سار) فيما يخص الأسعار أن تفكر بوضع أسعار خاصة للطلاب وذوي الاحتياجات الخاصة، وكذلك للحجز المبكر غير المسترد، وما شابه ذلك، أسوة بما يحدث في الدول المتقدّمة، لأن ذلك يخدم فئات محدودة الدخل من جهة، ويمنح الشركة المزيد من مبيعات التذاكر، ووضع خطط جديدة وجيدة للتسويق حتى يصبح القطار، وكذلك المترو مستقبلًا، جزءًا من حياتنا اليومية.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د. حمزة السالم
غالباً ما تتصدر المعلومات عن الناتج المحلي لبلادنا بالنمو الفعلي أو الحقيقي أو الثابت لا الإسمي أو الجاري. ولهذا نرى نمواً إيجابياً. وبما أن الناتج المحلي هو الدخل الوطني. والدخل قد تناقص تناقصاً شديداً بسبب النفط، فقد تناول البعض هذه المعلومة الإحصائية، باجتهادات تفسيرية متنوعة وباستغراب.
وشرح هذا التناقض هو أننا اتبعنا العرف العالمي في إبراز النمو للناتج المحلي بالأسعار الثابتة. والذي يُسمى أحياناً بالنمو الحقيقي أو الفعلي. ولكن وباعتبار اقتصادنا النفطي، فإن إبراز النمو للناتج المحلي بالأسعار الثابتة يعتبر معلومة ناقصة. فإذا ما أضفنا لذلك استخدام لفظة «النمو الحقيقي»، فإن هذا سيعتبر نقصاً يخُل بالحقيقة.
فالذي أبرزناه كنمو حقيقي ايجابي بمقدار 3.5% لناتجنا المحلي لعام 2015، مثلاً، هو في حقيقته نمو في زيادة إنتاج ضخ النفط، وبعبارة أخرى زيادة في استهلاك النفط. فهو حقيقة يعتبر نقصاً لا زيادة.
وباعتبار اقتصادنا النفطي، فإن إبراز النمو الفعلي في نظري يعتبر معلومة ناقصة، نقصاً يخُل بالحقيقة. فالنمو الحقيقي الإيجابي الذي تقتصر الجهات المختلفة، من القطاع الخاص أو العام أو الإعلام، على إيراده غالباً، هو في حقيقته زيادة إنتاج ضخ النفط، وبعبارة أخرى زيادة استهلاك النفط. فهو نقص لا زيادة.
ولهذا فأنا أعتقد، أنه من الأحرى استخدام تعبير «الأسعار الثابتة» بدلاً من تعبير «النمو الحقيقي» مع عدم إغفال اقتران ذلك بالتنويه بأن النمو بالأسعار الجارية كان سلبياً بنسبة 14.3%. وهذا وإن كان قد لا يؤدي لتوصيل المعلومة الصحيحة للمستمع، بل معلومة مشوشة، لكنه على الأقل يمنع من توصيل المعلومة الخاطئة فيُشكك البعض في المعلومات الرسمية.
غرض الناتج المحلي هو قياس القوة الاقتصادية للدولة، كمجموعة العشرين مثلاً. وبه يقاس مستوى ثراء الدول إذا قُسم على عدد السكان. وأما النمو في الناتج المحلي فهو مقياس لتطور الإنتاجية وتقدم البلاد. ولهذا فوسيلة قياس الناتج المحلي هو الإنتاج لا قيمة الإنتاج. فنمو الإنتاج هو تقدم وزيادة ثروة، إلا في حالة أن يكون الإنتاج مورداً ناضباً كالنفط. فبناء المصافي واكتشاف الآبار وتجهيزها، هذا يعتبر نمواً حقيقياً. أما مجرد زيادة ضخ الإنتاج النفطي فهو في الواقع استهلاك للثروة لا زيادة لها. ولهذا فاقتصاديات النفط لها اعتباريات خاصة، لم تُعتبر عندنا هنا.
فغرض علم الاقتصاد هو الإنتاج الحقيقي لا النقود. فالنقود لا تؤكل ولا تُشرب ولا تُركب، فلا قيمة لها في ذاتها إنما هي مجرد اسم نسمي به الشيء، فتسمي حصانك بالبراق ويسمي غيرك ابنه بالبراق، فالاسم لا حقيقة له في ذاته إنما فيما يدل عليه.
والناتج المحلي هو مجموع ما ينتجه إقليم، أو بلد ما، من سلع وخدمات. فهو مقياس لقياس الإنتاج الحقيقي بغض النظر عن القيمة النقدية لهذا الإنتاج. فعندما يُنتج المزارع طنين من القمح لهذا العام مقابل انتاجه طن واحد فقط من القمح العام الماضي، فالنمو الحقيقي لإنتاج هذا المزارع لهذا العام هو نمو إيجابي بنسبة 100%.
ولكن إذا لم نعزل القيمة النقدية عن الإنتاج فإننا لن نحصل على مقياس حقيقي دقيق لإنتاج المزارع. فمثلاً، لو كانت الأحوال غير اعتيادية فانخفضت أسعار القمح هذا العام فأصبح سعر طن القمح لهذا العام هو دولار واحد وقد كان سعره العام الماضي أربعة دولارات، فسيكون قيمة إنتاجه الحالي دولارين مقابل أربعة دولارات قيمة انتاج العام الماضي. فيكون نمو الإنتاج لمزرعة القمح هذه السنة بالأسعار الجارية - الحالية- هو نمو سلبي بمقدار 100%، رغم أن المزارع قد ضاعف كمية الإنتاج.
فإن كان علماء الاقتصاد المتطور قد أدركوا هذه الإشكالية في اقتصاديات بلادهم، فحلوها باستخدام الأسعار الثابتة، فالأحرى بنا أن نحل إشكاليات اقتصادنا بمراعاة الفروق بيننا وبينهم لا بمجرد التقليد المحض فنقع فيما فروا منه. فهم فروا من تضليل المعلومات ونحن وقعنا فيه.
والخلاصة، أننا نقف هنا لنشهد شاهداً آخر من شواهد الفروق الواسعة بين اقتصادنا واقتصاديات العالم. فالذي يمثل الحقيقة عندهم ليس بالضرورة أن يمثل الحقيقة عندنا، بل قد يمثل العكس. فالنقص لا الزيادة هو حقيقة النمو الحقيقي في ناتجنا المحلي لعام 2015، مثلاً لا كما يُروج غالباً من الجهات المختلفة.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يجب أن يتم إلزام الأولاد في الحالات الضرورية التي يجوز فيها مقاضاتهم لوالدهم باستعمال أرفع عبارات الأدب، والتزام اللياقة الكاملة في التعامل مع الوالد في مجلس القضاء..
تمتاز المملكة بفضل الله بتحكيمها للشريعة الإسلامية في كل شؤونها، وعلى رأس ذلك القضاء الشرعي فيها، لذلك فإن من المأمول أن يتبع هذا التميز والانفراد العام تميزٌ وانفرادٌ آخر، بأن تعنى الجهات القضائية فيها بسنّ وإصدار التنظيمات الإجرائية التي تعكس هذا التميز السعودي الشرعي .
فأنظمة الإجراءات والمرافعات المطبقة في المملكة، وإن كانت في الأصل توافق أو لا تعارض أحكام الشريعة الإسلامية؛ إلا أنها تشابه كثيراً من أنظمة المرافعات في كثير ٍ من الدول الإسلامية أو غير الإسلامية .
ولعل مما يمكن أن يكون محلاً لتنظيم ٍ تنفرد به الجهات القضائية السعودية، بما يعكس تميزها الإسلامي، أن توضع أحكام ٌ إجرائية ٌ خاصة ٌ تعنى بالدعاوى التي قد تحدث بين الوالدين والأولاد، وذلك تأسيساً على الثابت شرعاً من عظيم حق الوالدين على أولادهما، وما يجب لهما من البرّ والإحسان، وكذلك ما أوجب الله من حقوق للأولاد على والديهم.
ويشهد لهذه المسألة الهامة أن كل كتب الفقه الإسلامي عامةً، وكتب القضاء خاصة، قد أفردت مسائل للحديث عن أحكام مقاضاة الوالد للولد، والولد للوالد، وتكلم الفقهاء عن هذه المسألة موضحين أنواع الدعاوى والحقوق التي يمكن سماعها مما يرفعه الولد على والده، وكيفية استدعاء أو تبليغ الوالد بدعوى ولده، والآثار الخاصة التي تترتب على مثل هذه الدعاوى، مما يختلف بشكل ٍ جذري ٍ عن عموم الدعاوى والخصومات التي تحدث بين الناس .
وفي عصرنا الحاضر – وبكل أسف – بدأت تتكاثر مثل هذه الدعاوى، وصرنا نرى في ساحات المحاكم خصومات ٍ يكون طرفها أولاد ضد أحد والديهم أو العكس.
ويتم نظر هذه الدعاوى بنفس أسلوب وإجراءات الدعاوى الأخرى العادية، ويطبق عليها عموم أحكام نظام المرافعات الشرعية كغيرها، وهذا في ظني خلل ٌ ينبغي أن يصحح عاجلاً ، بما يؤكد انفرادنا وتميزنا بالحرص على تطبيق أحكام الشريعة بكل تفاصيلها.
وبالتالي فنحن في حاجة ٍ ماسة ٍ إلى تنظيم ٍ يقرر بوضوح الكثير من الأحكام والإجراءات المتعلقة بهذه الدعاوى، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي :
تحديد الحقوق التي يجوز أن تسمع فيها الدعوى من الولد على أمه أو أبيه.
تحديد الإجراءات الواجب اتباعها عن إقامة دعاوى من هذا النوع، فيما يتعلق بالتبليغ والإلزام بحضور مجلس القضاء وما يترتب على الامتناع عن ذلك، وهل يمكن إصدار حكم ٍ لولد ٍ على والده غيابياً ؟.
تحديد إجراءات تنفيذ الأحكام التي تصدر لأحد الأولاد على والدهم أو العكس، وألا تكون بنفس آلية تنفيذ الأحكام العادية .
الحرص التام على تفعيل الوسائل البديلة للقضاء كالصلح والتسوية في هذه الدعاوى، قبل اللجوء للقضاء، فليس من اللائق أن تحال هذه الدعاوى للقضاء مباشرة ً فيشرع في نظرها قبل استنفاد وسائل الحلول الودية .
وضع آليات فاعلة، وعقوبات رادعة، وأحكام دقيقة تطبق على من يثبت بحقه أنه ادعى ضد والده دعوى ً كيدية ً أو كاذبة، لأن هذا يعتبر من أبشع صور عقوق الوالدين، وهي من كبائر الذنوب، ومن الجرائم الكبيرة نظاماً، ولا يجوز أن تعامل مثل الدعاوى الكيدية في حق سائر الناس.
يجب أن يتم إلزام الأولاد في الحالات الضرورية التي يجوز فيها مقاضاتهم لوالدهم باستعمال أرفع عبارات الأدب، والتزام اللياقة الكاملة في التعامل مع الوالد في مجلس القضاء، ويجب منع أي إساءة، أو تجريح بألفاظ، أو أساليب تصدر من الولد لوالده في المحكمة، والتعزير البليغ عن مثل ذلك .
في الدعاوى والنزاعات ذات الصبغة التجارية، يجب أن يكون هناك تنظيم خاص يحكم علاقة الوالد مع أولاده في الحقوق والروابط التجارية، وأن يتم استثناء الولد مع أولاده بما يتوافق مع الأحكام الشرعية الاستثنائية المقررة في الشريعة الإسلامية بين الوالد وولده، في أحكام الهبة، والوكالة، والديون التجارية، والولاية، وغيرها. وألا يطبق على الوالد مع ولده ذات الأحكام النظامية العادية المطبقة بين سائر الناس؛ سيما مع كثرة الشركات العائلية التي من المعلوم فيها أن رأس المال جميعه يكون مصدره هبة من الوالد لأولاده.
هذه خواطر أملتها عليّ مشاهداتي في بعض الدعاوى والخصومات من هذا النوع الذي أسأل الله أن لا تكثر.
والحمد لله أولاً وآخرا.
- محام وقاض سابق بديوان المظالم
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
أمام البوابة الشمالية للبلدة القديمة في شقراء هناك بقايا خندق, أبقاه المطورون كذكرى لبسالة البلدة ومقاومتها الغزو العثماني لها عام 1818, حيث تشير إحدى الوثائق العثمانية المحفوظة بدارة الملك عبدالعزيز بأن الجيش العثماني بعد حصار المدينة, ظل لمدة 24 ساعة متصلة يقذفها بالمدافع والمقذوفات.
وتشير المراجع العثمانية إلى إن الغزاة العثمانيين استباحوا الكثير من مدن الوشم, وفتكوا بأهلها, وكانوا يقطعون آذان المقاومين لهم ويرسلونها للآستانة, إشارة إلى انتصارهم عليهم واستهانتهم بمن تسميهم تلك المراجع (البدو)!! هذا قبل أن تعلق المشانق لهم وتقص الرؤوس بساحات الآستانة.
كتب التاريخ التي كانت تدرس لنا أخبرتنا بأن الحكم التركي للعالم الإسلامي امتد من من عام 1299-1923 , ولكنها لم تخبرنا هل رافق ذلك مشروع نهضوي أو حضاري خلال 600عام من الاحتلال العثماني لجزيرة العرب بالتحديد, عدا مرور جباة الضرائب على المدن المقدسة في الحجاز, توسلا للشرعية الدينية ؟
وعداها ظلت المنطقة مغفلة غائبة مغيبة عن التنمية والحضارة, يتعاقبها المجاعات والأوبئة ( سنةالجدري/ سنة الساحوق / سنة الجوع / سنة الدباء/ سنة الشهاقة / سنة الحصبة .......) الباب العالي ماذا فعل لذلك, هل أرسل حملة طبية للمتابعة, أو حتى طبيبا واحدا يطل على المنطقة بشكل موارب, ليس فقط للإخوة في الإسلام, ولكن أيضا لأن المنطقة وسكانها كانوا من رعايا الدولة العليِّة ؟
الدولة العلية نفسها لذي كانت تأخذ رجالهم قسرا كجنود صف يدافعون عنها, وتلة (جاليبولي) على مضيق الدردنيل مليئة بأسماء الشهداء العرب الذين قضوا للدفاع عن تركيا ضد الإنجليز والإنزاك, بينما ترك العالم العربي مستباحا مفتوحا, يعبث به الاستعمار الغربي كيفما اتفق.
المفارقة تظهر عندما نشاهد نوعاً من العوق الفكري مازال يلوح ببيارق الخلافة العثمانية, كنموذج مثالي لفكرة الاستخلاف في الأرض, وتعيش بعض الجماعات مشروعها المستقبلي على المستوى اللغوى وتعجز عن ترجمته واقعا, فتظل أسيرة شعارات ومترقبة أحلاما لم يستطع الباب العالي تحقيقها للمنطقة طوال 600 عام.
تركيا الآن الدولة القوية, المتصعدة في دروب النجاحات الاقتصادية والحضارية, ذات الحضور الدولي المؤثر, والتي تفخر بعلمانيتها وبتطورها الاستثماري, مشغولة بمشروعها المستقبلي وبتخليها عن ارث الغزوات والاستبداد خلف ظهرها, واستبداله بقيم الدولة الدستورية المدنية الحديثة,على أرضية من التعايش والتسامح بين الشعوب.
غادرت الخندق الذي مابرح يطوق سور المدينة القديمة في شقراء, راثية لحال أولئك المعلقين في منزلة بين المنزلتين داخل سطور الوثائق العثمانية. يضمرون خيانتهم الوطنية, وانتماءاتهم المهاجرة.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
الفن الشّعري يتجسد في تلقيه الإلهام ومن ثم المبادرة اللاإرادية على تصوير الحالة المتغلغلة في أعماق الشاعر بالكلمات التي تمثل في إتقانها لوحة مجسمة بحروف يتمكن المتلقي من لمسها بمشاعره عندما تَنْقُلُ عيناه ما هو مكتوب، فتمور في داخله حركة تفاعلية لا مرئية إلاَّ عند سواه ممن يحس معنى الشعر بالتذوق المتأتي تبعاً للعواطف الإنسانية المتأثرة بما يدور حواليها من الأحداث المتعلقة بالحياة الإنسانية في حالات مختلفة مستمدة من النظرة إلى الذات وكيفية تعاملها مع الآخر (القريب/ البعيد) المشارك في مهمات ومتطلبات الحياة اللازمة له في كل مكان من المعمورة.
الشاعرة لطيفة قاري، شاعرة حفرت لها مكاناً متميزاً في ذاكرة المتلقين بنصوص تحمل خاصيتها الشعرية في لغتها وإيقاعها وموضوعها، فكَوَّنت لنفسها هذا المكان المرموق في الساحة الثقافية العامة في الداخل والخارج، مما مكن مجموعاتها الشعرية (= دواوين) أن تلفت نظر المتذوقين، وكذلك الباحثين عن الشعر الحقيقي، حيث فرضت نفسها ولقيت أعمالها التقدير ممن يعون ويدركون معنى الشعر وما له وما عليه، ففي ديوانها المزدوج الصادر تحت عنوان (تكابد لياليها، والأسماء لا تكفي لعصفورين) تستدعي التمثل بعبارات سطرتها الناقدة خالدة سعيد عن (الشاعر/ة القادر/ة) عن تجسيم الصورة المتكئة على أرضية وطنية تحتمها المشاركة الوجدانية لغةً ومشاعراً: "اللغة تتهادى وتنساب بيسر. وعلى الرغم من قابلية الموضوع للحميِّة الوطنية، فلا ظل هنا للخطابية، وأصداء الفخر وما يستدعيه من القيم التقليدية والأوصاف الجاهزة"، لكون ما يتراءى، ويستشف يمثل الجدول الرقراق المنساب في هدوء مُشكِّلاً في تعرجاته وخريره لوحة تُقْرأ وتُلْمَسُ بالعين التي سبقتها المشاعر والأحاسيس التي تفرضها الجمالية لدى المتلقي:
"أنا ما قرأت كتاباً عن الحب
أرقني مثل ما تفعل الآن
ما ذقت ليلاً كهذا
الثريا تموء
وصمتي يئن
وذكرى تؤوب
وليل كهذا
يذوب... ويقتل"
لغة التخطي والتجاوز (في المَجَاز) هي الشِّعر المسْتمدة جذورها من العمق النَّفْسي، فهو مشاعر تُقَوْلَبُ في مربَّعات ودوائر مُكَوَّنَة من الحروف والكلمات التي أتقنتها الشاعرة الفنانة.
وفي نقلة أخرى:
"ظلال مسهدة
ظل حادي المها عن غواياته
عن غواياتها
ولما اشرأبت تساءل
من الذي مزج الأمنيات
فلم تمتزج
واستردت أمانيه أسرارها"
شعر لطيفة أشبه بالنحت، والرسم، والكولاج، إذ هو فن قائم بذاته، تَكَوَّنَ من أساسيات علمية/ لغوية، حيث إن محفظة الشاعرة مليئة بالجديد المنتقى من المحصول المعرفي (الثقافة) التي تمكِّنها من القول المؤثر المقبول بشغف، في مقدرة على تصوير الرؤى والكوامن في الذات.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
انتشرت بين نساء الخليج إشاعة أن القمل شيء جيد، يغذي الشعر وينشط الدورة الدموية وذلك لعلم هؤلاء المخترقين الحقراء بشغف نساء الخليج بالموضة وسعيهن المقيت وراء كل ما يقال وبدون وعي ولا تدبر. فهرعن للحصول على القمل ووضعنه في رؤوسهن وانتشرت تجارته..
كنا نخاف ونحن صغار من الحشرات، ومن الآفات الصغيرة منها والكبيرة وهذا أمر طبيعي بلا شك! لكننا في زمن التطور وانتشار الطب والأطباء في كل مكان حمدنا الله على هذه النعمة وهذا الوعي لأنها اختفت من حياة معظم البشر مثل تلك الآفات وبالغنا في استعمال العطور والمطهرات والأدوات الباعثة على البهجة هكذا أصبح الحال وهكذا نعتقد! ولكنني أتساءل معكم في بداية هذا المقال، هل هناك حشرات لم نعهدها من قبل ولم نرها؟ وسأعاجلك بالإجابة: نعم هناك حشرات تسري بيننا تخترق الأمكنة والأزمنة، وتحيك لنا أيما أفخاخ نقع فيها دون أن نعلم! تحوم في فضاءاتنا، لكنها تتغذى على عقولنا وليس على أجسادنا وتستغل مسارات طيبتنا وفطريتنا في ظل عالم لا يعتمد على الفطرية والصدق وتلك هي الكارثة!
وفي ظل ما يحاك لأوطاننا يتفنن المخترقون في وسائلهم وأكاد أجزم أنه صنوٌ من شجرة الإرهاب تلك التي ينبت لها كل يوم مخلب ينشبه في لُحمة الوطن فأنى لنا بالوعي الكامل في مثل هذه الأيام؟
عندما سألني أحد الصحافيين عن المشكلة الراهنة للشعب العربي كله؛ قلت له: الوعي. وأخذت أشرح له أن جل الشعب العربي متعلم، فالوعي لا يعني عدم الجهل؛ العلم عكسه الجهل، أما الوعي فمرادفه اليقظة وعكسه الغفلة، والغفلة أنكى من الجهل بكل تأكيد! ثم أكدت له أن الوعي هو أن تعي أن في يدك جوهرة ثمينة يجب أن تحرص عليها، فليس كل متعلم ودارس ومحاضر وقل ما تشاء يحمل الوعي لأن للوعي مهارات ومسارات وفي أغلب الأحيان لا نسلكها، ونصيح بأعلى الصوت من الاختراقات الفكرية ونتغنى بحب الوطن ونخلص له في السر وفي العلانية لكننا طيبون، فطريون، نصدق ما يقال ونسعى خلف كل ما هو جديد ونلتقط أطراف الخيوط الشائكة بحثا عن تجربة أو لحظة نشوة، أو معين من المتعة؛ لكن إذا كان الأمر يتخطى الحدود ويقذف في طريقنا بطعم لا نعلم كنهه فلا بد أن نتيقن وأن نتفكر؛ والتفكير في زماننا هذا شحيح يا سادة، لأننا نريد معلومة جاهزة ولقمة حاضرة، وفعلا غير مضنٍ وقل ما تشاء! وهذا هو إحدى الثقوب السوداء في حياتنا ومجتمعاتنا!
كنا نعتقد أن الإرهاب يكون بالسلاح وبالتفجير وبالتدمير، لكن الأخيرة هي الأدهى (التدمير من الداخل) فكما هو معلوم أن المخدرات وتسمم الغذاء والهواء نوع من الإرهاب ومن الحروب البيولوجية، فاتخذت في الأيام السنتين الماضيتين صورة لغزوة جديدة، مستغلة غفلتنا وفطرتنا وطيبتنا وهي (غزوة القمل).! غزوة حقيرة، سافلة، خسيسة، دنيئة، قبيحة وسفيهة.
انتشرت بين نساء الخليج إشاعة أن القمل شيء جيد، يغذي الشعر وينشط الدورة الدموية وذلك لعلم هؤلاء المخترقين الحقراء بشغف نساء الخليج بالموضة وسعيهن المقيت وراء كل ما يقال وبدون وعي ولا تدبر. فهرعن للحصول على القمل ووضعنه في رؤوسهن وانتشرت تجارته بل أصبح البعض يهربه من دول أخرى ويدخله البلاد والبعض الآخر ينشئ مزارع له في درجات حرارة معينة وبطريقة قذرة ثم تأتي النسوة لتشترينه بطرق خفية ومقيتة حتى وصل سعر القملة في بعض الأحيان إلى أربعة عشر دينارا وأصبح للقمل تصنيف وأنواع منه الحرَّاق ومنه البارد ومنه النشط ومنه الكسلان ولكل قملة سعر معين!
هل إلى هذا الحد وصل بنا الأمر من الغفلة ومن تسطيح الفكر؟! أعتقد أنه حان الوقت للصراخ في وجه كل هؤلاء الغافلات وفي وجه كل مخترق لعين يعبث بهذا الوطن الغالي؛ فلا ريب أن تُستهدف المرأة لعلمه أنها هي اللبنة الأولى في البنية الاجتماعية، كما أنها هي الشخصية المحرضة على الفعل والدافعة له كما في علوم الدراما. ثم لماذا القمل على وجه الدقة؟ لأنه حشرة تدمر الشعوب من الداخل، فهو يعمل على انتشار الأوبئة الكبدية مثل (فيروس سي) وانتشار مرض الإيدز، وانتشار الحمى والتهاب وتضخم الغدد اللمفاوية كما أنها حشرة نشطة تنقل مرض الطاعون وربما تفرزه من لعابها كما في قول أخصائي التجميل الدكتور تامر زيد؛ فهو ينتقل - قسرياً - من شخص إلى شخص وبصورة مذهلة! كما "حذر استشاري الأمراض الجلدية والليزر والتجميل الدكتور مشعل الغريب من مخاطر انتقال العدوى والتي تكلف الدولة توفير الدواء الخاص بالقضاء عليه، ولفت إلى أن احتمال أن تكون هذه الممارسات الخاطئة سبب انتشار العدوى خلال السنتين الماضيتين بشكل كبير جدا، مع ما ترتب على ذلك من ضرورة توفير الدواء الخاص بمقاومة هذه الحشرة"!
تجار وجواسيس ومخترقون! وعالم يموج بالعفن الذي تجسد في حشرة مقززة نأخذها طواعية ونضعها في رؤوسنا! ما هذا الهراء وما هذا السفه وهذا الجهل حتى في الطبقات الراقية منا؟ فقد أصابتني الدهشة حينما سألت المذيعة إحدى الفنانات المعروفات - تقطن الخليج - بقولها: هل في رأسك قمل؟ فتجيبها نعم كان في رأسي قمل! يا إلهي ما هذا البله ورائحة النتن تفوح من فمها، كيف تسأل المذيعة عبر شاشات الفضائيات وبكل تباه تسأل بكل بساطة عن قطعة (أكسسوار) في شعر ضيفتها اسمها (القمل) والأخرى تتباهى أنه قريبا وربما حاليا لديها قمل؟! فالقمل باهظ الثمن وله سماسرة ووسطاء! ونحن نتباهى بكل شيء يسرق جيوبنا لنعلن عن ذواتنا حتى لو كان قملا أو جرذانا المهم أننا أغنياء نشتري القمل ونستورده ونعمل له مزارع وقد يصل الأمر أن نعزف له السمفونيات لكي يكبر وينمو في رؤوسنا!
ما هذا العته وهذه الغفلة وهذا الانسحاق خلف الجهل ونحن أمة القرآن والرسالات والحضارة؟! حقيقة أصابني الهلع مع (القرف)!
قد يبدو للقارئ أن هذا المقال عبث أو مبالغ، وإنما هو ينقل واقعا قبيحا، مريضا، طاردا لكل نظرة موقِّرة للإنسانية وربما ابتلاء من الله تعالى، وحينمها نذكر قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) الآية.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
أتذكر كلمات رئيس الوزراء الماليزي محمد نجيب عبدالرزاق في عام 2014م بمؤتمر (مستقبل آسيا: رسالة إلى العشرين سنة القادمة) في محاضرته بطوكيو عندما قال: "على مدى عشرين عاماً ظللنا في هذا المؤتمر نتحدث عن مستقبل آسيا، واليوم نعيش ذلك المستقبل الذي كنا نتحدث عنه لنستعد للمستقبل القادم!". مقالة اليوم تستعرض كيف وصلت ماليزيا لهذه المرحلة الحضارية ودور الشراكة مع السعودية في صياغة المستقبل القادم لماليزيا..
بعد استقلال ماليزيا عام 1958م بدأت مسيرتها التنموية بتصدير السلع الأولية كالمطاط والقصدير مع محاولة إحلال المنتجات المحلية مكان الواردات الأجنبية ولكن واجهت تلك الاستراتيجية صعوبات نتيجة حجم السوق الماليزي الصغير وسوء توزيع الدخل بين شرائح المجتمع الماليزي بين أقلية صينية ثرية وأكثرية مالاوية فقيرة.
تغير هذا الوضع مع إنشاء الشركة العامة للبترول ومشتقاته (PERNAS) عام 1969م والتي لعبت دوراً كبيراً في زيادة المداخيل من جهة، والتحول لشركة قابضة وطنية تمتلك قطاعات مهمة مثل؛ التأمين، البنوك، العقارات والتعدين بعد أن كانت تحت سيطرة الشركات الأجنبية. ومع دخول السبعينيات ركزت ماليزيا على قطاع صناعة المكونات الإلكترونية ما زاد الصادرات وخلق الوظائف وخفّض البطالة وحسّن توزيع الدخل بين فئات المجتمع. ومع دخول الثمانينيات إلى نهاية التسعينيات ركزت ماليزيا أكثر على الصناعات الثقيلة وزيادة الصادرات واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
وبعد أن كانت ماليزيا تحدد سقفاً أعلى لحقوق الملكية لرأس المال الأجنبي قررت الحكومة السماح بتملك الأجانب 100% من الشركات بشرط أن لا تقل نسبة الصادرات من المنتجات عن 80% أو يزيد عدد العمال الموظفين بعقد كامل عن 350 عاملاً. وسمحت حكومة ماليزيا للشركات الأجنبية التي يصل رأسمالها المدفوع لمليوني دولار أن تستقدم خمسة أجانب فقط للعمل في الشركة! وكانت الحكومة الماليزية تشترط ألا تنافس المنتجات التي ينتجها المستثمر الأجنبي المنتجات الوطنية الماليزية في السوق المحلي.
طبعاً واجهت ماليزيا في مسيرتها تحديات كبرى أبرزها الأزمة المالية عام 1997م نتيجة المضاربة بالرينجيت الماليزي. بالإضافة لذلك برزت مشاكل الاعتماد الكبير على استيراد المكونات الإلكترونية من الخارج وعدم كفاية اليد العاملة الوطنية الماليزية مقارنة بالتوسع الاقتصادي ودخول يد عاملة أجنبية غير مؤهلة للسوق المحلي.
وبشكل عام فعند الحديث عن تجربة النهضة تشترك ماليزيا مع المملكة في عدة عوامل مهمة هي:
الدور القيادي المهم للحكومة في التنمية الاقتصادية والصناعية.
دور شركة أرامكو وشركة بيرناس في التنمية الاقتصادية الوطنية للبلدين.
الموازنة بين الحفاظ على القيم والثقافة المحلية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وعند الحديث عن الشراكة السعودية الماليزية، فقد طرحت مرة سؤالاً على د. مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي الأسبق عن أفضل السبل لتعزيز الشراكة فأجاب قائلا: "أفضل طريقة لتعزيز الشراكة هي الاستثمار! الكثير من الاستثمارات الخليجية للأسف متركزة على أميركا وأوروبا بينما لو تم توجيه جزء منها لآسيا وماليزيا فستتغير الصورة الحالية تماما".
وفي هذا الصدد، فيمكن القول بأن زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- إلى ماليزيا وإندونيسيا وبروناي ستكون حجر الأساس لصناعة مستقبل شراكة استراتيجية متعددة المستويات مع الدول الإسلامية في شرق آسيا خاصة مع تعزيز الاستثمارات السعودية في تلك الدول ودعم المشاريع المشتركة وتفعيل النواحي التعليمية والعلمية والثقافية الإعلامية.
وبالنسبة لماليزيا فلن تجد شريكاً موثوقاً كالمملكة بقيادتها الرشيدة وثقلها السياسي والاقتصادي والديني والثقافي، فالمملكة تتعامل على أساس الأخوة والشراكة والمصلحة المشتركة والمصداقية ولا تتعامل من منظور براجماتي أو ربحي بحت كما قد تصنع دول أخرى في علاقاتها الدولية.
- التفاصيل