دمع على شمع
قالت لصديقي اللدود: نعم .. هو كذلك
قال : من تقصد ؟
: الجو .. ألم تقل أن الجو لطيف الليلة ؟
: بل عقلك الخفيف ..إنما سألتك عن أهم مشاريعك الموسيقية
: مالها؟
: بل مالك أنت .. أين أنت ؟
: معك
: كتلة لحم معجونة بالدم .. فقط
: ماذا تريد ؟
: ألا تفسد علينا هذه الأمسية ؟
وبالفعل .. كانت أمسية .. النهر من تحتنا كقصيدة شاعر تنساب عذوبة وتختال
دلالاً .
والسماء الصيفية من فوقنا كأنما خميلة سوداء يتوسطها وجه فتاة في ريعان الصبا .. كان القمر فيها بدراً قد اعتلى عرش الصفاء والهدوء والليل .
وأنا ورفيقي على مائدة صغيرة فوق النهر بقليل .
منذ سنوات لم أره
وجمعتنا الأقدار
والليل الحالم والنسيم المتهادي على مهل .. لا ريث ولا عجل ..
هو مشتاق إليّ وأنا ملهوف على غيره
هو يعرف
يعرف أني ومنذ زمن قد عزفت مرتين
عزفت عن الدنيا بما فيها مرة ..
وضللت ملازماً لعودي أعزف عليه ألف مرة
وأبى ألا أن يتوقف مني أحد العازفين
قلت : الأدبي
قال .. نعم .. هي الدنيا .. .. الدنيا هي قطرة الماء في هذا النهر .. القطرة التي تذهب و لا تعود ..
كل قطرة كنغمة في لحن .. لا مكان آخر لها .
اعرف .. اعرف .. ولكن لابد من النقاهة .
النقاهة والنقاوة في الخروج من التيه ..الخروج عن الصمت ،العزف عن العزف.
وعزفت عن العزف عن الدنيا.
وخرجت أخيراً
إلى الدنيا
وإذا الدنيا كما نعرفها
الحب في كل مكان .. والألم في كل زاوية والولادة في كل ناحية والموت في نفس الناحية .
هذه هي الحياة .. سمفونية من مقاطع متداخلة .. لا خيار للسامع في الاختيار .. وإذا اختار احتار ..ثم تاه .. ثم مات .. وتبقى السمفونية تُعزف ويبقى العازفون أماكنهم .
لا زالت الشوارع كما عهدتها .. ملتوية حيناً مستقيمة لحظات.
والناس في الدروب الملتوية كالدود على حبة سكر .. وفي الأزقة المستقيمة كالنمل في رأس أصلع .. أقرع .. لا ماء فيها ولا شجر.
قال : ولكن تبقى حلوة
قلت : ما هي ؟
: ابتسامتك .. اضحك يا رجل .. هب أنك بعثت لتوك
: لا عليك .. لا عليك .. إنما أستعيد توازني في هذا المركب
: بل لتغرقه .. ولتغرق أنت أيضاً .. هذه الحياة بحر متلاطم .. من يغوص يعيش ومن يبقى على السطح تحرقه كرابيج الشمس .
: أحاول .. أعدك أني سأحاول .. ولكن هوناً هوناً
: جميل .. لنعد إلى حديثنا
: فيمَّ كنت تحدثني ؟
: نعم .. أنا فقط الذي كنت أتكلم .. كنت أسألك عن الموسيقى .. الألحان الجديدة؟
وقبل أن أجيب وجف القلب
وبرق البصر .. وخسف القمر
اهتز صدري ..
ارتعدت مفاصلي
واضطرب دخول الهواء إلى رئتي
لقد صعقت بتيار كهربائي عنيف .. فإذا بالقلب يفز من مكانه.
إلى أين .. لا أعلم.
: إلى أين يا قلب .. توقف يا قلب .. إن صدري أضيق من هذا الركض المجنون والجري المحموم .
توقف يا مخبول !!
قال لي : لست مخبولاً
: جبان إذاً ؟
: بل أريد أن أعيش .. هبني لوجه الله .. ارحمني من هذا القفص الذي حكمني سنيناً
: لو خرجت لمت أنا .. إنك قلبي
: وأنت هلاكي .. رحماك .. رحماك
ولم يرحمني هو .. راح يدق رأسه في أضلعي .. امتلئ بالدم حتى خنق رئتي.
أحسست بالألم
وإذا بها سماء جبهتي تُغسل ما بقي من آثار الحريق على وجهي وتجري .
أحسست أن النهر ينهمر كله عليّ فجأة .. فإذا بي تحته كطير ينتفظ من البلل.
وانتبه رفيقي
: أبو مروان .. أين أنت .. ما بك ؟
: السؤال الأول .. لا اعلم .. السؤال الثاني .. مت
: نعم ؟!!
: ها قد عزفت لك كما تريد .. عزفت عن الدنيا فلم ترضى لا أنت ولا الناس ولا الدنيا .. ثم عزفت عن العزف فها هو النزف
: أريت ما لم أره !
: ألم تلحظ التي مرت بقربنا
: بلى .. ولكن .. ولكن ..
: إنها هي .. أليس ؟
: هي ؟ من ؟ .. أو بعد هذا العمر ؟!!
: لا تغالط نفسك
: شبيهتها .. ممكن
: بل هي ..
: دعك من هذا الجزم
: بل هو القلب الذي عرفها .. وقلبي لا يكذب
: إنما هي سنة نوم ألمت به
: ينام ؟!! كم تمنيت أن يموت .. منذ ذلك اليوم ..
: وهي .. ألم تلحظك ؟
: هه .. تلاحظ ماذا .. آثار خاوية على عروشها .. أتلاحظ معالم بالية؟
: اتبعها إذاً
: لقد تبعتها دهراً من عمري .. فماذا جنيت ؟ تخشب في الصدر ووجوف عميق وجريان دمي بعكس دورته
: ولكنك لا زلت تحبها
: يعلم الله .. ولكن للحب طاقة .. وأنا كما ترى .. لا قلب ولا جسد أوي إليه .. لقد بصقني الزمن وعافتني الحياة .
: بل ما زلت قادراً على العطاء .. والحب عطاء .. قم أتبعها .. فقط مر من أمامها ثم أنظر .
وقمت ..
ولكن إلى درب ليلي موحش مظلم
لم يكن الدرب كذلك بداءة هذه الليلة .. إذاً هو بصري..
ومشيت في هذا الدرب المتوحش .. وحدي .. مع شئ كأنه أنا .. لأني لم يعد بي ما أقول أنه أنا .
ولم يطل دربي
ووصلت إلى كهفي
الضوء كما هو منذ عشرين خريفاً .. كبقايا نزيف ديك يرقص من حلاوة الروح .
والهواء في هذا المحراب كأجساد محبوسة في زنزانة مظلمة رطبه .
وليس إلا أنا .. وأنت .. ماذا يا قلبي ؟
: .. لا .. ليس بعد هذا العمر .. إياك
: ولكنك حي يا وغد .. ألم تعلن وفاتك من قبل ؟
: إفلاسي فقط .. وفاتك أنت
: لا زلت تحب إذاً ؟
: أدق فقط ..
: إن دقك يدمي مقلتي
: وصدرك يخنق حريتي
: ماذا تريد ؟!
: أن اخرج
: إلى أين ؟
: إليها ..
: ماذا ؟
: أنا أصدق منك
: أنا لم أكذب
: ولكنك لم تصدق .. لم تتحمل .. لقد دفعت دمك إليّ فجأة حتى كدت أغرق .. ما ذنبي أنا ؟
: أنت قلبي
: وأنا أحبها .. ماذا قلت ؟
ولم أقل
بل رحت أعد ..
عشرون خريفاً منذ يوم الفراق المهيب
عشرون ربيعاً .. كل صيف كأنه عود ثقاب .. أشتعل .. ثم .. ترمد .
ياه ..
لم يعد فيّ من أعواد ثقاب
كيف أنير شمعة دربي مرة أخرى
كيف سأرى زيت المصباح
لم يعد عندي مكان أخر .. زماني أصبح محشوراً بي وحدي
مكاني أصبح مخنوقاً بآلامي .. وحدي .
وصبري قد واريته الثرى
ولقد عزفت .. منذ زمن
ولكن هاهو القلب أبن الكلب يعود ليدق في صدري كأي طفل شرس .. يريد الدم
ودمي قد قدمته لمن ذبحني منذ عمر ولى.
مع ذلك لا يزال القلب يصر على أني أخفي دماً .. أين ؟!
هو يعلم
وأنا أعلم ..
أعلم أني أدرت وجهي منذ عشرين شتاء .. عندما قالت لي أحبك بكل صدق .
وبكل صدق .. أحبت غيري
وبكل صدق .. دفنت أسمها واسمي
وذهب كل حي إلى قبرة
هل خانت
هل هانت
هل نسيت
هل وجدت سلوتي
لم أسأل أحداً .. ولم يجبني مخلوق
وبقيت أنا والقلب
والآن يعود
كل شئ يعود .. كأي مولود يصرخ في لحظة الولود .
أي لا بد من الرضاع .
ولكن الثدي الندي أصبح محرماً يا قلب
لم تطلع على الغيب .. اذهب
وهل ستأتي معي
بل أنت معي .. هيا ..
إلى أين .. لا أعرف لها عنواناً
عنوانها بداخلي .. هيا ..
وكأي أعمى .. يقود أعمى .. ذهبنا
القلب يدق
وأنا أترحم
لا عليك
بل أخاف عليك
لم تقتلني عشرون سنه .. فلن أخاف من مقابلة ليلة .
أخشى أن تكون هي القشة
لست بعيراً .. أنا قلب خفاق
أنت .. أنت .. لكن هي؟ هي؟
إذا وجدناها سألناها ..اتبعني
وهل ترى الطريق ؟
أحسه فقط
وبدأ إحساس القلب فيّ يدب
وبدأت أحس أن الليل أخف وطأة وأقوم قيلاً .
وأن القمر عاد لمكانه الملكي في تلك الخميلة السوداء .
وعادت مدعوات الأنجم لترتص كحرس الشرف بالفساتين البيض في دربي .
وراحت نسائم شهر ___ تلاعب جسدي المرتعش فيزداد القلب نشوة .
وازداد اقتراباً
وازداد احتراقاً .. لذيذاً
ماذا أقول ..
كيف أسأل ..
وماذا سأسمع ..
من أين البداية
وكيف ستكون النهاية .. وهل ستكون نهاية ؟!
هل سأذكرها بنفسي .. أم أحمل لها صورة قديمة لي ..
وهي .. كيف أصبحت .. وكيف عادت .. وأين ذهبت ومتى رجعت .. ولماذا ؟! كل هذا ؟!
أستعد .. قال القلب
ماذا ؟
هاهي أمامك
وسكت الجميع
وقع الطير على الرؤوس .
وخيم صمت رهيب .. على كل الكل ؟..
ها أنا أمامها .. وبعد عشرين خريفاً ..
ياه ..
قلت لها : هل تذكرين ؟
قالت : لم انسي حتى اذكر .. كيف أنت ؟
: كم ترين .. هل لي معالم ..
: لا زلت كما أنت
: لا .. هذه قوة إبصارك فقط .. الذي أمامك بقية حريق .. أثار زلزال .. هل تذكرين ؟
: لم أنساك .. قلت لك
: ولم عدت ؟
: هل تطردني
: ميت لا يقوى على الأحياء
: وهل مات قلبك معك ؟
: رائعة أنت حتى في الذبح
: لم يرق لي دمك الرقاق
: بديعة حتى وأنت تحرقين
: وأنت حبي .. ملكي .. عذاباتي طوال هذه السنين … أين مضيت ؟
: إلى كل شبر في هذا الكون .. لم أجدك .. متى عدت ؟
: لم أغب .. كيف أنت ؟
: وأين هو .. أما زال معك ؟
من ؟
قلبك
لو كنت حياً لعرفت أني أودعته قلبك .
كم أنتي فاتنة حتى في النحر.. من أين لك بكل هذا الحد ؟!
حبك بنى كياني .. ألا تذكر ؟
لقد أخذت كل شيء معك .. حتى ذاكرتي
إذاً نسيت؟
لما كنت أمامك الآن
هل لا زلت تعزف ؟
وهل أبقيت لي أوتاراً .. نياط القلب قد تيبست منذ تلك الليلة
ياه .. عشرين عمراً .. ولا زلت بهذه القسوة ؟!
ألا ترحمي من هذا التمزيق ؟
أنك حبي .. حياتي .. كوني .. دمي ..لذاتي
إذاً .. لماذا ذهبت ؟
بل أنت التي بعت
لم أقوى .. صعقني تيارك
وأنا تحملت .. وها أنا كما ترى
هيا بنا إذاً ؟!
إلى أين .. هل لا زلت تسهر
بل إلى حيث غنيت لك أول مرة
إذاً ليس غير لحنك القديم .. أليس ؟
والوحيد .. أنت أدرى
مازلت أحبك
ولا أطلب قسماً
ولكنك قاس .. مؤلم في هذا العتاب
العتاب بقدر الغياب .. حكمتك . ألا تذكرين ؟
أنا لم أغب عنك .. وسل قلبك
منذ تلك الليلة لم أجده
أعرف .. لقد عاهدته سراً عنك
مازلت تتقنين الغمز بالخناجر
ولكني صادقة .. أحبك .. حتى الدم الجاري في عروقي .
أعرف .. وإلا لما عدت
وما جديدك ؟
لا شيء .. أنتظر غناءك
ألا زلت مؤمناً بصوتي في الصياح ؟
بل في الغناء حتى الذبح .. هل ستغنين كما وعدتني ؟
أخشى أن يطربك صوتي كما كنت تكذب .
بل يطربني صدرك مرتجفاً وقلبك خفاقاً بما تجدين..هل تعاهدني هذه المرة ؟
وهل غدرت من قبل ؟!
بل أخشى ألاّ تستطيعي الغناء .. فقط
ألا تريد أن تسمع صوتي ؟
بلى .. بلى
إذاً أسمعني لحنك أولاً
ولكن ليس هنا
لا أحب أن اذهب معك .. أنت تعرف
يا جحيمي .. لقد قلتيها لي منذ عشرين سنة .. لمَِ لِمَ ؟
وأقولها الآن .. لا أستطيع أن اذهب من هنا
لماذا ؟ لماذا ؟ .. من هنا .. من ؟
: عدت إلى وساوسك
: إني بشر .. ارحمي
وأنا أذوب فيك إليك .. وبك .. ولكن ../
ولكن .. تذهبين معي .. والآن .. هيا ..
ومددت يدي لأخطف خطفة غراب لإمه
ولكن الغدر جاء .. من الخلف !!
قال الوغد : يا هذا .. ماذا تفعل ؟
قلت له : ومن أ،ت وما شأنك بها ؟
: بل من أنت .. ؟
: أنا … أنا .. ماذا تقصد ؟
: دع الفتاة .. هيا أخرج
: أخرج ؟! بل كيف دخلت أنت ؟
: أنا الحارس .
: حارس ؟! حارسها .. أليس؟! وممن ؟ مني .. أليس؟
: بل حارس هذا المتحف .. هيا أخرج ؟
: ماذا ؟ لم ؟ أين أنا ؟ .. ومن هذه ؟
: أنت في متحف الشمع .. دع التمثال .. هيا .
وصحوت ..
ولم أجد ..
إلا قليلاً من الدمع ..
على تمثال من الشمع
ولم يبقى شيء آخر
--------------------------------------------------------------------------------
قالت لصديقي اللدود: نعم .. هو كذلك
قال : من تقصد ؟
: الجو .. ألم تقل أن الجو لطيف الليلة ؟
: بل عقلك الخفيف ..إنما سألتك عن أهم مشاريعك الموسيقية
: مالها؟
: بل مالك أنت .. أين أنت ؟
: معك
: كتلة لحم معجونة بالدم .. فقط
: ماذا تريد ؟
: ألا تفسد علينا هذه الأمسية ؟
وبالفعل .. كانت أمسية .. النهر من تحتنا كقصيدة شاعر تنساب عذوبة وتختال
دلالاً .
والسماء الصيفية من فوقنا كأنما خميلة سوداء يتوسطها وجه فتاة في ريعان الصبا .. كان القمر فيها بدراً قد اعتلى عرش الصفاء والهدوء والليل .
وأنا ورفيقي على مائدة صغيرة فوق النهر بقليل .
منذ سنوات لم أره
وجمعتنا الأقدار
والليل الحالم والنسيم المتهادي على مهل .. لا ريث ولا عجل ..
هو مشتاق إليّ وأنا ملهوف على غيره
هو يعرف
يعرف أني ومنذ زمن قد عزفت مرتين
عزفت عن الدنيا بما فيها مرة ..
وضللت ملازماً لعودي أعزف عليه ألف مرة
وأبى ألا أن يتوقف مني أحد العازفين
قلت : الأدبي
قال .. نعم .. هي الدنيا .. .. الدنيا هي قطرة الماء في هذا النهر .. القطرة التي تذهب و لا تعود ..
كل قطرة كنغمة في لحن .. لا مكان آخر لها .
اعرف .. اعرف .. ولكن لابد من النقاهة .
النقاهة والنقاوة في الخروج من التيه ..الخروج عن الصمت ،العزف عن العزف.
وعزفت عن العزف عن الدنيا.
وخرجت أخيراً
إلى الدنيا
وإذا الدنيا كما نعرفها
الحب في كل مكان .. والألم في كل زاوية والولادة في كل ناحية والموت في نفس الناحية .
هذه هي الحياة .. سمفونية من مقاطع متداخلة .. لا خيار للسامع في الاختيار .. وإذا اختار احتار ..ثم تاه .. ثم مات .. وتبقى السمفونية تُعزف ويبقى العازفون أماكنهم .
لا زالت الشوارع كما عهدتها .. ملتوية حيناً مستقيمة لحظات.
والناس في الدروب الملتوية كالدود على حبة سكر .. وفي الأزقة المستقيمة كالنمل في رأس أصلع .. أقرع .. لا ماء فيها ولا شجر.
قال : ولكن تبقى حلوة
قلت : ما هي ؟
: ابتسامتك .. اضحك يا رجل .. هب أنك بعثت لتوك
: لا عليك .. لا عليك .. إنما أستعيد توازني في هذا المركب
: بل لتغرقه .. ولتغرق أنت أيضاً .. هذه الحياة بحر متلاطم .. من يغوص يعيش ومن يبقى على السطح تحرقه كرابيج الشمس .
: أحاول .. أعدك أني سأحاول .. ولكن هوناً هوناً
: جميل .. لنعد إلى حديثنا
: فيمَّ كنت تحدثني ؟
: نعم .. أنا فقط الذي كنت أتكلم .. كنت أسألك عن الموسيقى .. الألحان الجديدة؟
وقبل أن أجيب وجف القلب
وبرق البصر .. وخسف القمر
اهتز صدري ..
ارتعدت مفاصلي
واضطرب دخول الهواء إلى رئتي
لقد صعقت بتيار كهربائي عنيف .. فإذا بالقلب يفز من مكانه.
إلى أين .. لا أعلم.
: إلى أين يا قلب .. توقف يا قلب .. إن صدري أضيق من هذا الركض المجنون والجري المحموم .
توقف يا مخبول !!
قال لي : لست مخبولاً
: جبان إذاً ؟
: بل أريد أن أعيش .. هبني لوجه الله .. ارحمني من هذا القفص الذي حكمني سنيناً
: لو خرجت لمت أنا .. إنك قلبي
: وأنت هلاكي .. رحماك .. رحماك
ولم يرحمني هو .. راح يدق رأسه في أضلعي .. امتلئ بالدم حتى خنق رئتي.
أحسست بالألم
وإذا بها سماء جبهتي تُغسل ما بقي من آثار الحريق على وجهي وتجري .
أحسست أن النهر ينهمر كله عليّ فجأة .. فإذا بي تحته كطير ينتفظ من البلل.
وانتبه رفيقي
: أبو مروان .. أين أنت .. ما بك ؟
: السؤال الأول .. لا اعلم .. السؤال الثاني .. مت
: نعم ؟!!
: ها قد عزفت لك كما تريد .. عزفت عن الدنيا فلم ترضى لا أنت ولا الناس ولا الدنيا .. ثم عزفت عن العزف فها هو النزف
: أريت ما لم أره !
: ألم تلحظ التي مرت بقربنا
: بلى .. ولكن .. ولكن ..
: إنها هي .. أليس ؟
: هي ؟ من ؟ .. أو بعد هذا العمر ؟!!
: لا تغالط نفسك
: شبيهتها .. ممكن
: بل هي ..
: دعك من هذا الجزم
: بل هو القلب الذي عرفها .. وقلبي لا يكذب
: إنما هي سنة نوم ألمت به
: ينام ؟!! كم تمنيت أن يموت .. منذ ذلك اليوم ..
: وهي .. ألم تلحظك ؟
: هه .. تلاحظ ماذا .. آثار خاوية على عروشها .. أتلاحظ معالم بالية؟
: اتبعها إذاً
: لقد تبعتها دهراً من عمري .. فماذا جنيت ؟ تخشب في الصدر ووجوف عميق وجريان دمي بعكس دورته
: ولكنك لا زلت تحبها
: يعلم الله .. ولكن للحب طاقة .. وأنا كما ترى .. لا قلب ولا جسد أوي إليه .. لقد بصقني الزمن وعافتني الحياة .
: بل ما زلت قادراً على العطاء .. والحب عطاء .. قم أتبعها .. فقط مر من أمامها ثم أنظر .
وقمت ..
ولكن إلى درب ليلي موحش مظلم
لم يكن الدرب كذلك بداءة هذه الليلة .. إذاً هو بصري..
ومشيت في هذا الدرب المتوحش .. وحدي .. مع شئ كأنه أنا .. لأني لم يعد بي ما أقول أنه أنا .
ولم يطل دربي
ووصلت إلى كهفي
الضوء كما هو منذ عشرين خريفاً .. كبقايا نزيف ديك يرقص من حلاوة الروح .
والهواء في هذا المحراب كأجساد محبوسة في زنزانة مظلمة رطبه .
وليس إلا أنا .. وأنت .. ماذا يا قلبي ؟
: .. لا .. ليس بعد هذا العمر .. إياك
: ولكنك حي يا وغد .. ألم تعلن وفاتك من قبل ؟
: إفلاسي فقط .. وفاتك أنت
: لا زلت تحب إذاً ؟
: أدق فقط ..
: إن دقك يدمي مقلتي
: وصدرك يخنق حريتي
: ماذا تريد ؟!
: أن اخرج
: إلى أين ؟
: إليها ..
: ماذا ؟
: أنا أصدق منك
: أنا لم أكذب
: ولكنك لم تصدق .. لم تتحمل .. لقد دفعت دمك إليّ فجأة حتى كدت أغرق .. ما ذنبي أنا ؟
: أنت قلبي
: وأنا أحبها .. ماذا قلت ؟
ولم أقل
بل رحت أعد ..
عشرون خريفاً منذ يوم الفراق المهيب
عشرون ربيعاً .. كل صيف كأنه عود ثقاب .. أشتعل .. ثم .. ترمد .
ياه ..
لم يعد فيّ من أعواد ثقاب
كيف أنير شمعة دربي مرة أخرى
كيف سأرى زيت المصباح
لم يعد عندي مكان أخر .. زماني أصبح محشوراً بي وحدي
مكاني أصبح مخنوقاً بآلامي .. وحدي .
وصبري قد واريته الثرى
ولقد عزفت .. منذ زمن
ولكن هاهو القلب أبن الكلب يعود ليدق في صدري كأي طفل شرس .. يريد الدم
ودمي قد قدمته لمن ذبحني منذ عمر ولى.
مع ذلك لا يزال القلب يصر على أني أخفي دماً .. أين ؟!
هو يعلم
وأنا أعلم ..
أعلم أني أدرت وجهي منذ عشرين شتاء .. عندما قالت لي أحبك بكل صدق .
وبكل صدق .. أحبت غيري
وبكل صدق .. دفنت أسمها واسمي
وذهب كل حي إلى قبرة
هل خانت
هل هانت
هل نسيت
هل وجدت سلوتي
لم أسأل أحداً .. ولم يجبني مخلوق
وبقيت أنا والقلب
والآن يعود
كل شئ يعود .. كأي مولود يصرخ في لحظة الولود .
أي لا بد من الرضاع .
ولكن الثدي الندي أصبح محرماً يا قلب
لم تطلع على الغيب .. اذهب
وهل ستأتي معي
بل أنت معي .. هيا ..
إلى أين .. لا أعرف لها عنواناً
عنوانها بداخلي .. هيا ..
وكأي أعمى .. يقود أعمى .. ذهبنا
القلب يدق
وأنا أترحم
لا عليك
بل أخاف عليك
لم تقتلني عشرون سنه .. فلن أخاف من مقابلة ليلة .
أخشى أن تكون هي القشة
لست بعيراً .. أنا قلب خفاق
أنت .. أنت .. لكن هي؟ هي؟
إذا وجدناها سألناها ..اتبعني
وهل ترى الطريق ؟
أحسه فقط
وبدأ إحساس القلب فيّ يدب
وبدأت أحس أن الليل أخف وطأة وأقوم قيلاً .
وأن القمر عاد لمكانه الملكي في تلك الخميلة السوداء .
وعادت مدعوات الأنجم لترتص كحرس الشرف بالفساتين البيض في دربي .
وراحت نسائم شهر ___ تلاعب جسدي المرتعش فيزداد القلب نشوة .
وازداد اقتراباً
وازداد احتراقاً .. لذيذاً
ماذا أقول ..
كيف أسأل ..
وماذا سأسمع ..
من أين البداية
وكيف ستكون النهاية .. وهل ستكون نهاية ؟!
هل سأذكرها بنفسي .. أم أحمل لها صورة قديمة لي ..
وهي .. كيف أصبحت .. وكيف عادت .. وأين ذهبت ومتى رجعت .. ولماذا ؟! كل هذا ؟!
أستعد .. قال القلب
ماذا ؟
هاهي أمامك
وسكت الجميع
وقع الطير على الرؤوس .
وخيم صمت رهيب .. على كل الكل ؟..
ها أنا أمامها .. وبعد عشرين خريفاً ..
ياه ..
قلت لها : هل تذكرين ؟
قالت : لم انسي حتى اذكر .. كيف أنت ؟
: كم ترين .. هل لي معالم ..
: لا زلت كما أنت
: لا .. هذه قوة إبصارك فقط .. الذي أمامك بقية حريق .. أثار زلزال .. هل تذكرين ؟
: لم أنساك .. قلت لك
: ولم عدت ؟
: هل تطردني
: ميت لا يقوى على الأحياء
: وهل مات قلبك معك ؟
: رائعة أنت حتى في الذبح
: لم يرق لي دمك الرقاق
: بديعة حتى وأنت تحرقين
: وأنت حبي .. ملكي .. عذاباتي طوال هذه السنين … أين مضيت ؟
: إلى كل شبر في هذا الكون .. لم أجدك .. متى عدت ؟
: لم أغب .. كيف أنت ؟
: وأين هو .. أما زال معك ؟
من ؟
قلبك
لو كنت حياً لعرفت أني أودعته قلبك .
كم أنتي فاتنة حتى في النحر.. من أين لك بكل هذا الحد ؟!
حبك بنى كياني .. ألا تذكر ؟
لقد أخذت كل شيء معك .. حتى ذاكرتي
إذاً نسيت؟
لما كنت أمامك الآن
هل لا زلت تعزف ؟
وهل أبقيت لي أوتاراً .. نياط القلب قد تيبست منذ تلك الليلة
ياه .. عشرين عمراً .. ولا زلت بهذه القسوة ؟!
ألا ترحمي من هذا التمزيق ؟
أنك حبي .. حياتي .. كوني .. دمي ..لذاتي
إذاً .. لماذا ذهبت ؟
بل أنت التي بعت
لم أقوى .. صعقني تيارك
وأنا تحملت .. وها أنا كما ترى
هيا بنا إذاً ؟!
إلى أين .. هل لا زلت تسهر
بل إلى حيث غنيت لك أول مرة
إذاً ليس غير لحنك القديم .. أليس ؟
والوحيد .. أنت أدرى
مازلت أحبك
ولا أطلب قسماً
ولكنك قاس .. مؤلم في هذا العتاب
العتاب بقدر الغياب .. حكمتك . ألا تذكرين ؟
أنا لم أغب عنك .. وسل قلبك
منذ تلك الليلة لم أجده
أعرف .. لقد عاهدته سراً عنك
مازلت تتقنين الغمز بالخناجر
ولكني صادقة .. أحبك .. حتى الدم الجاري في عروقي .
أعرف .. وإلا لما عدت
وما جديدك ؟
لا شيء .. أنتظر غناءك
ألا زلت مؤمناً بصوتي في الصياح ؟
بل في الغناء حتى الذبح .. هل ستغنين كما وعدتني ؟
أخشى أن يطربك صوتي كما كنت تكذب .
بل يطربني صدرك مرتجفاً وقلبك خفاقاً بما تجدين..هل تعاهدني هذه المرة ؟
وهل غدرت من قبل ؟!
بل أخشى ألاّ تستطيعي الغناء .. فقط
ألا تريد أن تسمع صوتي ؟
بلى .. بلى
إذاً أسمعني لحنك أولاً
ولكن ليس هنا
لا أحب أن اذهب معك .. أنت تعرف
يا جحيمي .. لقد قلتيها لي منذ عشرين سنة .. لمَِ لِمَ ؟
وأقولها الآن .. لا أستطيع أن اذهب من هنا
لماذا ؟ لماذا ؟ .. من هنا .. من ؟
: عدت إلى وساوسك
: إني بشر .. ارحمي
وأنا أذوب فيك إليك .. وبك .. ولكن ../
ولكن .. تذهبين معي .. والآن .. هيا ..
ومددت يدي لأخطف خطفة غراب لإمه
ولكن الغدر جاء .. من الخلف !!
قال الوغد : يا هذا .. ماذا تفعل ؟
قلت له : ومن أ،ت وما شأنك بها ؟
: بل من أنت .. ؟
: أنا … أنا .. ماذا تقصد ؟
: دع الفتاة .. هيا أخرج
: أخرج ؟! بل كيف دخلت أنت ؟
: أنا الحارس .
: حارس ؟! حارسها .. أليس؟! وممن ؟ مني .. أليس؟
: بل حارس هذا المتحف .. هيا أخرج ؟
: ماذا ؟ لم ؟ أين أنا ؟ .. ومن هذه ؟
: أنت في متحف الشمع .. دع التمثال .. هيا .
وصحوت ..
ولم أجد ..
إلا قليلاً من الدمع ..
على تمثال من الشمع
ولم يبقى شيء آخر
--------------------------------------------------------------------------------


محادثه واحداث جميله ..
تعليق