(1)
أكثر شئ يضايقه ، حينما تبدأ زوجته بعقد مقارنة بينه وبين زملاء دراسته في الجامعة ، تقول : تأمل .. فلان أصبح مسؤلا كبيرا في الدائرة الفلانية ، وأنظر ... فلان غدا صاحب منصب رفيع في تلك المؤسسة . تفعل ذلك وهي تضع السفرة ، وتفعلـه وهي ترفعها ، وحينما تشرب هي وإياه الشاهي في غرفة المعيشة ، أو عندما يخرجان هم والأطفال في السيارة لغرض ما . وهي غالبا ما تختم حديثها قائلة : (أنا أعلم أنك لست أقل منهم قدرة وكفاءة .. أليس ذلك عجيبا ..؟) .
كثيرا ما يرد على تساؤلاتها بإبتسامة ، وقد يقول أحيانا ، حينما يراها مهتمة جدا : ألسنا نعيش مثلهم وأحسن .. وهل قصرت عليك بشئ يا حبيبتي ..؟ تستحي وتقول : لا .. فقط أنا أتعجب ، ألا ترى أن هناك سر ..؟ ربما .. يقول .
في واقع الأمر هي تعرف ما تسميه (سرا) ، لكنها لا تجرؤ أن تقول لزوجها ، إفعل مثلهم لتصل ، رغم أنها تعيش في أعماقها صراعا بين ما تراه من قدرات زوجها ، وبين القيم المثاليات التي يتمسك بها ، وترى أنها تحول بينه وبين ما تطمح إليه من أهداف .
رغم أنها تعلم أنه لا يقبل المناقشة في هذا الموضوع ، ويعده مسألة مفروغ منها ، إلا أنها لا تفتأ تلمح له ، من خلال ضرب الأمثال ، أن موافقة ضرب من المستحيل ، كأن تقول : (من لا يحني رأسه تقتلعه العاصفة) ، أو (اليد التي لا تقدر على كسرها قبلها) ، وغيرها من ذلك الرصيد الضخم من الأمثال الشعبية ، مثل (الموت مع الجماعة رحمة) .
هي تعلم أن كل هذه القصص والأمثال لا تؤثر فيه ، بقدر ما تزعجه ، وأحيانا تثيره ، عندما تذكر له بعض أصحابه القريبين ، الذين شاركوه في يوم من الأيام مبادؤه ، أو ما تسميه هي مثالياته وأحلامه ، ثم تنازلوا عنها ، أو عن بضعها ، وبقى هو لم يتغير ، حتى أطلق عليه أحد أقاربه تندرا : (الحرس القديم) .
حدثها مرة ، فقال : هل تعلمين كم من البطون الجائعة ، والاجساد العارية ، سوف يسد رمقها ، ويكسى عريها لو أستؤصل الفساد ، ووضعت الأموال في مكانها الصحيح ؟ . صاحبي ، صاحب المبادئ ، أو الذي كنت أظنه صاحب مبدأ ، يقول : أنت لا تستطيع أن تواجه التيار وحدك .. لا تركب رأسك .. لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ... إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . فجأة يا زهراء ، تحول صاحبي ، ذلك (الأصولي الشرس) ، الذي يشن في جلساتنا الخاصة ، الحملات الشعواء على الفساد والمحسوبية ، وصروح الربا ، والإعلام الفاسد ، والفضائيات الداعرة ، إلى حكيم .. إلى حمامة وديعة . يقول : علينا أن نتدرج في الخطاب ، حتى نصل إلى موقع القرار ، الذي نستطيع من خلالــه أن نمنــع
( 2 )
الفساد .. إن الحكمة تتطلب ذلك . الحكمة يا فضيلة (الشيخ) ... الحكمة أيها (الداعية) الكبير .. أم المنصب الذي (يسيل لعابك) ، من أجله .. (...) ؟ لا .. لا .. هذا غير صحيح .. سأصعد الأمر ، وليكن ما يكون .
ردت عليه محتجـة : لمـاذا تركب رأسك ، لماذا أنت عنيد .. هل أنت وكيل آدم على ذريته . هل تريد أن تدمر نفسك ، وتدمرنا معك ، مثلما حرمت نفسك من الفرص الجيدة والترقيات .
- هل تقبلين بالفساد ، وأكل الأموال بالباطل ..؟
- ما شأننا نحن .؟ ألست تقول إن فلان وفلان من أكثر من عرفت نزاهة وإخلاصا ..؟ لماذا لا نسمع لهم صوتا ..؟ وأنظر فلان وعلان ، الذين طالما تطعمت بالحديث عن التزامهم وتضحياتهم ، وأقحمت ذكرهم في أمسياتنا . أين صـاروا ... وأين أصبحـت أنت ..؟ وجاهة .. وأموال ، أو (بزنس وبرستيج) ، على حد تعبيرك .
- هذا عرض قريب ، وسفر قاصد يا زهراء .. والحرة تموت ولا تأكل بثدييها ، وما عند الله خير وأبقى ..
- يا أبا يمامه لم يصل الأمر بعد إلى هذا الحد .. وأصدقك القول أنني منذ تلك الليلة الهادئة المقمرة ، قبل عدة سنوات ، حينما حدثتني ، ونحن في الطريق إلى مكة ، عن أبى ذر الغفاري رضي الله عنه ، بذلك الشغف الممزوج بالشجن ، وأنا أحس أنك تحلق في سماء لا أرض تحتها .. لكني لم أجرو على مناقشتك ، وتركتك في أحلامك الوردية . وأصدقك القول كذلك ، أنني أحيانــا أشـك بأنك واقعي . لماذا يا أبا يمامه تريد أن تكون رأسا تناطح ..؟ لماذا .. لا ..
في هذا اللحظة دخل بشير ، يترنم بكلام ويتضاحك ، فقطع كلامها . قال بشير ، وهو الإبن الذي يدرس في الصف الثالث ابتدائي :
- اليوم يا أبي قص المدرس علينا قصة جميلة جدا .
- ما هي القصة يا بشير .؟ سأله باهتمام .
- قصة الفلاح وإبنه يا أبى ، ألا تعرفها ..؟ ثم أخذ يترنم : (لا تكن رأسا .. لا تكن رأسا دن .. دن ..) .
( 3 )
سكت ولم يجبه . لكن بشير واصل حديثه :
- قال الفلاح يا أبى لإبنه : (يابني لا تكن رأسا فإن الرأس كثير الآفات) . ومضى يروى ما سمعه من أستاذه بسرد طفولي عذب .
زهراء شعرت بإرتياح ، أن جاءت حكاية الأستاذ متوافقة في جانب منها مع ما كانت تناقش زوجها فيه ، لكنها لم تشأ أن تصرح له بذلك ، أو أن تقول : أرأيت ، او أنظر .. الناس كلهم رأيهم هكذا . كان بشير يتحدث ، وتند منه بين حين وآخر ضحكة إعجاب بالقصة . غمغم وقال بصوت لا يكاد يسمع :
- (بئسما علمك استاذك .. لا تكن رأسا .. ماذا تكون إذن .. ذنبا ..؟) . بشير ، قال يخاطبه :
- يقول المدرس لا تكن رأسا ، ألم يعلمكم ماذا تكونون ..؟
فوجئ الطفل بالسؤال فتوقف عن الكلام . وصار ينقل نظراته بين أبيه وأمه ، التي هي كذلك لم تتوقع سؤالا كهذا . فأغتنم فرصة حيرة الطفل ، وإرتباك أمه ، ليلقي سؤاله المقصود :
- هل يعني أن تكون ذنبا ..؟
شعر الطفل بالخجل ، وأحس أن العبارة جارحة نوعا ما ، وفيها خروج عن اللياقة التي رباهم عليها ، وإن كانت لا تخلو من السخرية المضحكة . أدركت أمه ما يدور في ذهنه فأرادات أن تنقذ الموقف ، فقالت :
- أبوك يعني أن الذنب ، أي الذيل لا قيمة له .
نظر إلى وجه أبيه مستفهما ، فرد عليه بابتسامة ، فانطلقت منه ضحكة مدوية ، كأنما أعجبه الاستنتاج الذي توصل إليه أبوه ، وتطوعت أمه بتوضيحه . توقف عن الضحك وقال مجيبا على سؤال أبيه :
- أكيد لا .. ولم أفكر ، ولا أحد من الطلاب بهذا السؤال . المدرس تحدث فقط عن مشاكل الرأس ، كما حكى ذلك الفلاح لإبنه .
- إذن هو لم يتحدث عن معنى أن يكون الإنسان ذنبا ، بدل أن يكون رأسا .. أقصد ، أنه لم يذكر أن الفلاح قال لابنه شيئا حول ذلك ..؟ سأله . قال بشير :
- لا .
- وأنت يا بشير إذا كان الرأس كثير الآفات ، هل تحب أن تكون ذنبا ..؟
( 4 )
- لا .. طبعا ..
- ولا ذنب حصان يا عزيزي ..؟
قاطعته زوجته منزعجة : أبو يمامه .. ما هذا النقاش ..؟ الطفل لا يعي ما تقول .. والموضوع كله لا يعدو قصة قصها المعلم من باب الفكاهة لا غير ؟
- هل تعتقدين ذلك ..؟ ما رأيك يا بشير .. هل تريد أن تكون ذنب حصان ..؟
لم يجب ، وإنما ظل ينظر إلى أبيه تارة والى أمه تارة أخرى .
- الحصان جميل أليس كذلك يا بشير ؟ هز رأسه بالإيجاب . أنت رأيته ..؟ قـال الطفل نعم . رأسه وذنبه .. كلاهما جميل .. أليس كذلك ؟ نعم . قال : أسألك .. وقل لي بصراحة .. أيهما تحب أكثر ..؟ أجاب بشير بلا تردد : الرأس . سحب رأسه إليه ، وأخذ يداعبه بمرح ، ويقول :
- ممتاز يا بشير .. ما رأيك لو نأخذ الليلة درسا عن الرأس والذنب . ضحك بشير .. وأعلن موافقته . الدرس للجميع .. لي ولأمك ولك ولإخوانك .. جيد ..؟ هز رأسه . - بعد المغرب إن شاء الله ، سنذهب جميعا إلى المكتبة ، لنشترى المواد الضرورية للدرس ونعود إلى البيت ونجهزها ، ثم نأخذ درسنا بعد الرجوع من صلاة العشاء .
عادوا من المكتبة ، بعد أن اشتروا صورا لاصقة ، لحيوانات مختلفة وبحجم واحد ، وأشتروا معها كذلك ، لوحا أبيضا . بعد صلاة العشاء اجتمع بشير وأمه وإخوته . قال والده :
- قبل أن نبدأ الدرس ، سنقوم بقص كل صورة إلى ثلاثة أجزاء . الجزء الأول يشمل رأس الحيوان فقط ، والجزء الثاني الذنب فقط ، أما الجزء الثالث فهو بقية جسم الحيوان . تذكروا نريد الرأس لوحده ، والذنب لوحده من كل صورة .. الدقة مطلوبة . أنهمك الجميع بعملية القص ، أما هو وزهراء ، فقد تولوا تعليق اللوح على الجدار . كانت تقول له :
- ماذا تريد أن تصنع ..؟
- يرد بشئ من الدعابة : سأشرح فلسفتي الكبرى : (الرأس والذنب .. إشكالية المكان : قراءة في التابع والمتبوع) .
لم تعجبها دعابته الثقيلة ، فقالت بضجر :
- ليتك أشغلت وقت هؤلاء الأطفال بشئ يفيدهم .
( 5 )
إستمر في مزاحه قائلا :
- شئ يفيدهم ...؟ ستعرفين أهمية ما أفعل الآن ، حينما أخرج هذه (الفلسفة) في كتاب خطير يحمل نفس العنوان ، بالإضافة إلى عنـوان فرعي هو : (ما بعد البنيويـة والتقويضية .. إحتضار الرأس وسمو الذنب) .
- ألا تكف عن هذا المزاح الثقيل ..؟
- لا يا زهراء .. تخيلي إحتفاء المنتديات العلمية ، والصفحات الثقافية بي وبكتابي .. سأكون مشهورا كما تحبين .. صورتي ستظهر بشكل يومي في الصحف ، إلى جانب صور جاك دريدا ، ورولان بارت ، وميشيل فوكو .. وسأدعى لحضور مؤتمرات في الخارج ..
طبعا سأخذك معي .
- قاطعته : أقول .. (عفوا يا عزيزي .. دلة القهوة على النار .. وأخشى أن تفوح .. بعد إذنك) .
- جاهزون ..؟ سألهم .
- ردوا بصوت واحد : جاهزون .
ضم أجزاء الصور إليه وخلطها ، ثم قال : سأثبت جسم الحيوان على اللوح ، ثم أختار من الأجزاء الأخرى رأسا وذنبا ، ثم نرى ما الذي يحدث . وقع الاختيار على جسم زرافة ، وأختار رأس بعير وذنبه فألصقهما على الصورة ، مكان رأس الزرافة وذنبها .. وهنا صاح الأطفال :
- .. لا .. لا .. هذا رأس بعير ..
- والذنب ..؟ سألهم .
فترددوا ، ولم يجزموا بشئ . رفع رأس البعير ، ووضع رأس الزرافة مكانه .. فصاحوا تأييدا للوضع الصحيح . رفع رأس الزرافة مرة أخـرى ووضـع مكانه رأس حمار ، ثم كلب .. وحيوانات أخرى عدة مرات ، وكانوا يصيحون في كل مرة ، أن الوضع غير طبيعي . أعاد راس الزرافة ، ورفع ذنب البعير ، ووضع ذنب الزرافة مكانه .
فقال بشير ، وإخوانه بتعجب :
- أوووه ... لم يتغير شيئا كثيرا ، وأضافت أروى : أعتقد أن الزرافة يمكن أن تعيش بذنب البعير ، ولن يلاحظ أحد ذلك .
- قال والدها : هل توافقون على ما تقوله أروى ..؟ فصاحوا جميعهم تأييدا لقولها .
( 6 )
- قال : ما رأيكم لو نجرب غير ذنب البعير مع الزرافة ...؟
وضع أذناب عدة حيوانات مكان ذنب الزرافة ، وفي كل مرة يسألهم كان جوابهم واحد :
- لا توجد مشكلة .
استمر يغير رؤوس الحيوانات وأذنابها ، وفي كل مرة يضع رأسا بدل الرأس الحقيقي ، كان يسمع صيحات الاحتجاج وأصوات الاستهجان : أووه .. لا .. لا ... ما يصلح ، أما حينما يغير في الأذناب ، فإنه يسمع الضحكات وأصوات الدعابة والسخرية .. مثل : (الذنب ما عنده مشكلة في أي مكان يكون) ، أو (الذنب أحلى له يكون مع الحمار) ، وهكذا ..
بعد أن أنهى إستعراض جميع الصور التي معه ، قال :
- والآن انتهى الجزء الأول من الدرس ، وبقى الجزء الثاني والأخير . الجزء الثاني عبارة عن السؤال التالي :
- ما هي النتيجة التي خرجنا بها من قيامنا بخلط أجزاء الحيوانات ؟
- قالت أروى : أنا فهمت أن الرأس لابد أن يكون رأسا .. أعنى من الصعب أن نلعب بالرأس ونضعه في مكان غير مكانه .
- ممتاز يأ أروى .. ممتاز .
- أنا فهمت أن الذنب يمكن أن يكون في أي مكان يوضع فيه ، ولا يواجه أي مشكلة
- ممتاز .. رائع يا بشير .. رائع .
كانت البنت الكبرى يمامه مستغرقة في ضحك ذي مغزى ، أما زوجته فقد ارتسمت إبتسامة عريضة على شفتيها . رفع بصره إليهما فقال ، وكأنه يؤكد إنتصاره ، وهو يجمع قصاصات الصور :
- يا ويلك يا جاك دريدا ، جئتك بما وراء التقويضيه .. بإشكالية الرأس والذنب . ثم أنفجر ضاحكا ، ولا شعوريا بدأ يدندن :
- (لا تكن رأسا .. لا تكن رأسا) ، ولم يتوقف إلا حينما دوت في أذنه صرخة بشير :
- بابا .. ما هذا ..؟
- همس في سره : الحمد لله .. الدرس أثمر ....
قصة للدكتور / محمد الحضيف





تعليق