
وقد كنت لاازال طفلا...انفر اصدقاء لا يعجبهم في سوي ملابسي الباهظه وسياره ابي الفارهه تقلني ليل نهار امام ناظرهم...حتي وجدته ...طفلا فقيرا بائسا يقطن دار متهالكه
غير مسقوفه تترامي علي اطراف بلده جدتي الصغيره..رايتها عندما كان يصحبني ابي في زيارته المعتاده الي جدتي.....وقد كنت زهدت صداقه علاه القوم وفرغت من حياتهم التافهه العامره بالهزل النابع من قلوب مترفه لا تعرف للشقاء سبيلا....رايته علي مرمي البصر في احدي نواحي البلده يرتدي اسدال باليه متربه....يركض مع اقرانه من اطفال قريته
الصغيره...عجبت لمهارته في لعب الكره في الاحراش ورايت سعاده غامره في كل لفته وهو يمرح ويلعب غير عابئ ببؤسه وشقاءه ...فتمنيت يوما ان اشاركهم عدوهم حافي القدمين مثلهم غير عابئ بملابسي ولا هندامي..وماحال بيني وبين رغبتي سوي ابي وقد كان من علاه القوم ممن يروا مخالطه ابنائهم للقرويين عار لا يمحي حتي ولو كان الناظر الي هذه المخالطه خادمنا التركي المتعالي.....لم يكن يحاول ان يفهم ان الاطفال يقطنون عوالم غير عوالمهم لا يعبؤا بفروق وطبقات مثلهم فالكل سواء......فان رايت اطفال تلهو لن تستطع التمييز بين ابن امير او غفير كما يقال...........
مضت السنوات وانا اتابع صديقي الموهوب تنمو موهبته الكرويه بين قدميه الحافيتين النحيلتين....ويزداد الشحوب علي وجهه البائس وعجبت ان هناك بشرا او بالاحري اطفال تشكو هما من هموم الحياه او ازدراء من ازدرائها قبل ان يبلغ سن الهموم والاحزان....
لم اكن اعرف ان وراءه ام عجوز تتكبد عناء تربيته من اخاطه ملابس حتي غشي بصرها وجني الثمار في الحقول حتي يبست اطرافها...مع طفلها الصغيربعد وفاه زوجها وبقاء الفقر في عقر دارها...في وقت كان الخدم لا تدع امي تحرك ساكنا...عجبي
لا اعرف لما شعرت بحنين اليه ورق قلبي لحاله وكأنه تؤما لروحي الوحيده المترفه ولكن كان الجزء المظلم فيها....فرغبت ان انعم بصحبته لعلي استطع ان اخفف عنه وامه بعض من معاناتهم فختلست من زياراتي لجدتي لحظات غبت فيها عن انظار خادمي التركي العنيد لالهو فيها مع صديقي البائس ...اقرضه ملابسي وبعض الحلوي كنت اخفيها في سروالي
فقط لاري ابتسامته ولو لحظه...واتعلم منه كيف يكون الصبر علي الدهر واتألم علي مجتمع صنع من الناس تماثيل من حجر صوان لا تتحرك لشقاء اخوانهم في الادميه فوضع فوارق اجتماعيه فجوه سحيقه بين الغناء والفقر...........وتذكرت الخليفه/عمر بن الخطاب
وقد بات يفترش العراء ليضمن انه لا يحاسب علي فقير في حكمه لا يدري عنه شيئا فاورد القائل عنه(حكمت فعدلت فسلمت فنمت ياعمر)وعجبت لزمننا هذا وزمن خليفه عادل مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ومضي الزمن وصار الطفل شابا يملك موهبه لا تخطئها العين تتواري في حجره بلا نوافذ تتناثر فيها بعض اشياء قديمه باليه....ادركتني الوحشه عند دخولها....لا تحمي نوافذها جسده ولا جسد امه العجوز من الارتعاد في برد الشتاء ولا تحميهم من قيظ الحر في نهار الصيف....
وتمنيت لو كان الامر بيدي لاشتري لهما منزلا يقطنونه بدلا من العراء وقد كان هذا لصديقي اقصي درجات المني....في حين يقطن غيره القصور والابراج ويبحثون عن المزيد من جني المال فوق اعناق البشر....وعجبي
اشتعلت في راسي فكره متقده قد ترفع هذا الفتي من اعماق الفقر وتصل به الي مناه فينعم بحياه رغده بعد سنوات طويله من الشقاء.......
نعم سعيت في كل مدارس الكره في بلدتي اقص لهم عن مهاراته وموهبته الوليده...حتي اصطحبت احدي قناصي المواهب الشابه الي القريه الصغيره فبهرته موهبه صديقي فبادر بضمه الي ناديه الكبير....وتقاضي اول ثمره نجاجه شقه فاخره في حي مجاور لحيي.......وما ان حصل صديقي علي مفاتيح شقته الجديده حتي طار عقله من فرط السعاده واشفقت عليه....وخيل اليه انه اسعد اهل الارض طرا وان هذا اليوم هو اول يوم هبط فيه الي عالم الوجود وانه ماذاق هو وامه قبل الساعه مراره للعيش ولا راي الشقاء........
شعرت وانا بين يدي سعادته كأنني انا من تبدل حالي وقد اشرقت السعاده في وجههي وانا اراه يركض يعدو كالاطفال داخل شقته الجديده يتطلع عبر النافذه...يهلل..يضحك بهستريا....تم قالها بصوت جاهوري زاد فراغ الشقه وصداه مهابه:
اليس علينا ان نعجب لحال هذا الزمان؟
قلت له :
لما
قال:لا عليك لا عليك ردد معي ...عجبي...
وصرنا كالمجانين نصيح عجبي ...عجبي....
فقلت له اجننت الان لعلك ستسكن مستشفي الامراض العقليه قبل هذه الشقه وضحكنا وتعالت ضحكاتنا.....
ومضت ساعات طويله وهو لا يريد ان يغادر مسكنه الجديد حتي حملته علي المغادره لياتي بامه وباقي الاغراض...........
خرجنا في الرواق الطويل المؤدي الي السلم فقال:
ويحك الي اين؟
قلت ننزل علي الدرج نحن في الدور الاول
قال لي لالالالالا انا اريد ان اركب المصعد وسألني ان اتركه يفتحه بنفسه
ضغط علي الزر الاحمر ونظر لي بوجه ملائكي نظره لن انساها ماحييت ثم فتح الباب ولازال يبتسم وفجأه..............................................................
اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه............................
تملكني الذعر...تراجعت....رعشه امتدت الي اطرافي.....اعصابي المهدوده...بروده تسري في امعائي....في عقلي في لساني...وانا اري صوته يخترق الصمت في رعب وهلع يترك صدي تهتز له الجدران الصامته...افقت من غفلتي...سابقت الزمن ركدت نحو الدرج بسرعه جنونيه ..اتعثر اتناهض.......حتي ووصلت الي جثته الملقاه في اهمال عبر حطام المصعد واسلاكه المتشابكه...يئن يتوجع ركدت نحو البواب جذبته من منامته وصوتي يتحشرج في حنجرتي يخرج في وهن وفتور قدته الي صديقي الساكن بلا حراك والذي لم تمهله السعاده لحظه ليهنأ بها فما اسعد الدهر بالانسان وما اشقي الانسان به...........
فلقد علمت كما قيل ان تلك البارقه التي لاحت له في سماء السعاده من الامل يوم الفوز بهدذ الشقه انما هي خدعه من خدع الدهر واكذوبه من اكاذيبه وان ماكان يقدره لنفسه من سعاده وهناء في مستقبل ايامه قد ذهب بذهاب امس الدابر واصبح صحيفه باليه في كتاب الدهر الغابر............
حملته بين ذراعي...ركدت في كل جه وصوب ابحث عن سياره تقلنا لاقرب مستشفي.تسعفه.....الدماء تسيل بغزاره ...صاحبي يتوجع ....انتفضت من هول الموقف وانا عاجز عن تخفيف الامه........دخلت المستشفي طلبت منهم نجدته...فاذا بالطبيب ينظر الي وجهي وملابسي الغير مهندمه في عدم اكتراث واهمال ثم سألني:
هل معك تأمين المستشفي؟
ولم اكن اعتدت ان اصحب معي مبالغ من المال حتي لا اسبب اي حرج لصديقي.........
صرخت الا تفهم انه يئن ارحمه اولا ثم اسألني ماشئت
فهز راسه في برود غريب وقال:
التأمين اولا وقبل ان اضمد جرح واحد منه
صرخت الرحمه......سيموت........
استحلفته بالله ان يصمد.وركعت اسفل قدم الطبيب وانا احمل صديقي فوق ظهري وابكي..استجدي رحمته.....لم يعبأبكلامي.....حتي وصلت من حديثي معه الي هذا الحد .فزفرت زفره خلت ان كبدي قد انتفض وان هذه افلاذها.....
وشعرت ان سحابه سوداء تهبط فوق عيني شيئا فشيئا.وانا اري الانفاس تغادر صديقي رويدا رويدا....السحابه تجثو علي صدري قبل عيني حتي احتجب عن ناظري كل شئ. عندما فرت الروح من جسد واهن عاجز مستضعف لا سند له في دنيا عاش بها غريب فقير.....سحقته قسوه البشر...ويد الفساد....فانتزعت روحه من جوفه كما انتزعت منه السعاده يوما..........
امسكت راسي بيدي كأنما احاول ان احبسه من الفرار.....وهو يحترق احتراقا ويذوب ذوبانا.........
وبوحشيه لا نظير لها وبكل الغضب الساحق في صدري. وكل الحقد الاسود المضمح بمراره سنوات الذل الذي رأيت فيها صديقي......
انهلت علي رقبه الطبيب انزع حنجرته اقبض عليها ضمتي......اغرز اظافري عبر ها.......وانا اصرخ وصوتي يدوي .يحملق في عيني برعب وهول الموقف يغتاله...حتي هوي اسفل قدماي وهويت بجواره فاقد لكل معاني الحياه
احتضن جثه صاحبي وابكي................
لم يمضي وقت طويل حتي اتت سياره الشرطه تحملني وانا صامت......صافحت عيناي ماذن ومشربيات قديمه ووجهات المحلات تبتاع كل شئ...الا الضمير.اليقين....الرحمه
اصابني الغثيان .........الناس تحيا يجلسون علي المقاهي يتضاحكون يتسامرون..والفساد يجالسهم..يسير بينهم.وهم كالعماه..غشي بصرهم عنه او تغاشوا....
وصلت الي المخفر..مكبلا بالاصفاد.يسبقني محامي ابي الكبير.يطمئنني
ان له الف وسيله لاخراجي......وبراءتي . فانا ابن عليه القوم........
هههههههه...يالسخريه الاقدار..........
يسألني الضابط يعقد يده خلف ظهره ذهابا وايابا..... يكرر السؤال وانا صامت صموت الموتي...........وكأن عقلي غادرني الي الذكريات. يتصفحها...........
ابتسامه صديقي.. موهبته.....شقاءه......المجتمع...الرحمه........واخيرا.......
(الكوسه.......ههههههههه)
كلمات تتردد بعنف في راسي.......حتي انتهي المحضر وعلي ان امضي
اتذكر اسمي فلا اجد......حتي انتهي بي الامر وكتبت:
وداعا صديقي ايها الغريب..............وعجبي
تاركا دهشه عارمه ونظرات تحمل كل معني............
انتهت.......بقلمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــي








تعليق