إلى الإخوة من الأعضاء والزوار .. سلامــا صافيا رائقا أسوقه إلى كل منكم ، وبعد :
فإن هذه كلمات هن ليست لي ، وإنما للكاتب اللامع ، ذي العلم الواسع ، واللفظ البارع ، والكلام الناجع ، والصيت الشاسع .. أديب النفس والإنسان ، ومحسن الوصف وأمير البيان : المرحوم بإذن الله تعالى مصطفى بن لطفي الملقب بالمنفلوطي ، المولود بمصر والمتوفى في أرضها ...كتبها في شأن الكتابة والبيان ، نقلتها بتصرف، فاسمعوا منه معشر الكتاب ، لعلكم تعقلون ..
قال المنفلوطي (( ذهب الناس في معنى البيان أين يذهبون؟ وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة لا تشتبه وجوهها ولا تتشعب مسالكها ؟ .
ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس ، وتصويره في نظر القارئ أو مسمع السامع تصويرا صحيحا لا يتجاوزه ، ولا يقصر عنه ، فإن علقت به آفة تينك الآفتين فهي العي والحصر .
جهل البيان قوم ظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة ونادر الأساليب فأغصوا بها صدور كتاباتهم ، وحشوها في حلوقها حشوا يكاد يقبض أوداجها ويحبس أنفاسها ، فإذا قدر لك أن تقرأها ، وكنت ممن وهبهم الله صدرا رحبا ، وفؤادا جلدا ، وجنانا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر وأرزائه ، قرأت متنا مشوشا من متون اللغه ، أو كتابا مضطربا من كتب المترادفات .
وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول ، والتبسط في الحديث واقعا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع ، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها ، ويتمطقون بها تمطق الشفاه بريقها ، حتى تسف وتتبذل ، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق ولا تطرف عليها العيون ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
يخيل إلي أن الكتاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس ، وأن كتاباتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج في صدر الإنسان حينما يخلو بنفسه ، ويأنس بوحدته ، <<فإني لا أكاد أرى بينهم من يحكم وضع فمه على أذن السامع ، وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه ، وخوالج نفسه >> .
ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلا من ناحية الجهل بأساليب اللغه ، <<ولا أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبا عربيا قبل أن يطلع على أساليب العرب في أوصافهم ونعوتهم ، وتصوراتهم وخيالاتهم ، ومحاوراتهم ومساجلاتهم ، وقبل أن يعرف كيف كانوا يعاقبون ويؤنبون ، ويعظون وينصحون ويتغزلون وينسبون ، ويستعطفون ويسترحمون >> ، << وبأي لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك الروح العربية استمدادا يملأ ما بين جانحتيه حتى يتدفق مع المداد من أنبوب يراعته على صفحات قرطاسه >> .
<< إني لأقرأ ما كتبه الجاحظ وابن المقفع والصاحب والصابئ والهمذاني والخوارزمي وأمثالهم من كتاب العربية الأولى ، ثم أقرأ ما خطه هؤلاء الكاتبون في هذه الصحف والأسفار ، فأشعر بما يشعر به المتنقل دفعة واحدة من غرفة محكمة النوافذ مسبلة الستور ، إلى جو يسيل قرا وضرا ، ويترقرق ثلجا وبردا >> .. << ذلك لأني أقرأ لغة لا هي بالعربية فأغتبط بها ، ولا هي بالعامية فألهو بأحماضها ومجونها >>.
رأيت أكثر الكاتبين في كهذا الرجل : << رجل يستمد روح كتابته من مطالعة الصحف وما يشاكلها من المؤلفات الحديثة والروايات المترجمة ، فإذا علقت بنفسه تلك الملكة الصحفية ألقى بها في روع قارئ كتابته أدون مما أخذها ، فيدلي آخذها كذلك إلى غيره أسمج صورة وأكثر تشويها ، وهكذا حتى لا يبقى فيها من روح العربية إلا كما يبقى من الأطلال البالية بعد كر الغداة ومر العشي >> ..
وعندي أن لافرق بين أستاذ الأخلاق وأستاذ البيان ، فكما أن طالب الأخلاق لا يستفيدها إلا من أستاذ كملت أخلاقه وسمت آدابه ، << كذلك طالب البيان لا يستفيده إلا من أستاذ مبين >> ..
وبعد : فإني لا أرى لك يا طالب البيان العربي سبيلا إليه إلا << مزاولة المنشآت العربية منثورها ومنظومها ، والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم لا وقوف المتنزه المتفرج . فإن رأيت أنك قد شغفت بها وكلفت بمعاودتها والاختلاف إليها ، وأن قد لذ لك منها ما يلذ للعاشق من زورة الطيف في غرة الظلام ، فاعلم أنك قد أخذت من البيان بنصيب ، فامض لشأنك ، ولا تلو على شيء مما وراءك ، تبلغ من طلبتك ما تريد >> .
ثم حتى قال في شأن التهمة التي رمت اللغة العربية بضيقها عن المعاني المستحدثة :
<< وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها ، وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن الاضطراب في أرجائها ، والتغلغل في أعماقها ، واقتناعهم من بحرها بهذه البلة التي لا تثلج صدرا ولا تشفي أواما >>..... ))
فهذا كلامه ، وقد حسن بيانه ، ووضح مراده .. فهل له بقلب يرق إلى قلبه ، أو مسمع يصغي إلى كلمه .... والســـــلام
فإن هذه كلمات هن ليست لي ، وإنما للكاتب اللامع ، ذي العلم الواسع ، واللفظ البارع ، والكلام الناجع ، والصيت الشاسع .. أديب النفس والإنسان ، ومحسن الوصف وأمير البيان : المرحوم بإذن الله تعالى مصطفى بن لطفي الملقب بالمنفلوطي ، المولود بمصر والمتوفى في أرضها ...كتبها في شأن الكتابة والبيان ، نقلتها بتصرف، فاسمعوا منه معشر الكتاب ، لعلكم تعقلون ..
قال المنفلوطي (( ذهب الناس في معنى البيان أين يذهبون؟ وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة لا تشتبه وجوهها ولا تتشعب مسالكها ؟ .
ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس ، وتصويره في نظر القارئ أو مسمع السامع تصويرا صحيحا لا يتجاوزه ، ولا يقصر عنه ، فإن علقت به آفة تينك الآفتين فهي العي والحصر .
جهل البيان قوم ظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة ونادر الأساليب فأغصوا بها صدور كتاباتهم ، وحشوها في حلوقها حشوا يكاد يقبض أوداجها ويحبس أنفاسها ، فإذا قدر لك أن تقرأها ، وكنت ممن وهبهم الله صدرا رحبا ، وفؤادا جلدا ، وجنانا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر وأرزائه ، قرأت متنا مشوشا من متون اللغه ، أو كتابا مضطربا من كتب المترادفات .
وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول ، والتبسط في الحديث واقعا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع ، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها ، ويتمطقون بها تمطق الشفاه بريقها ، حتى تسف وتتبذل ، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق ولا تطرف عليها العيون ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
يخيل إلي أن الكتاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس ، وأن كتاباتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج في صدر الإنسان حينما يخلو بنفسه ، ويأنس بوحدته ، <<فإني لا أكاد أرى بينهم من يحكم وضع فمه على أذن السامع ، وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه ، وخوالج نفسه >> .
ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلا من ناحية الجهل بأساليب اللغه ، <<ولا أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبا عربيا قبل أن يطلع على أساليب العرب في أوصافهم ونعوتهم ، وتصوراتهم وخيالاتهم ، ومحاوراتهم ومساجلاتهم ، وقبل أن يعرف كيف كانوا يعاقبون ويؤنبون ، ويعظون وينصحون ويتغزلون وينسبون ، ويستعطفون ويسترحمون >> ، << وبأي لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك الروح العربية استمدادا يملأ ما بين جانحتيه حتى يتدفق مع المداد من أنبوب يراعته على صفحات قرطاسه >> .
<< إني لأقرأ ما كتبه الجاحظ وابن المقفع والصاحب والصابئ والهمذاني والخوارزمي وأمثالهم من كتاب العربية الأولى ، ثم أقرأ ما خطه هؤلاء الكاتبون في هذه الصحف والأسفار ، فأشعر بما يشعر به المتنقل دفعة واحدة من غرفة محكمة النوافذ مسبلة الستور ، إلى جو يسيل قرا وضرا ، ويترقرق ثلجا وبردا >> .. << ذلك لأني أقرأ لغة لا هي بالعربية فأغتبط بها ، ولا هي بالعامية فألهو بأحماضها ومجونها >>.
رأيت أكثر الكاتبين في كهذا الرجل : << رجل يستمد روح كتابته من مطالعة الصحف وما يشاكلها من المؤلفات الحديثة والروايات المترجمة ، فإذا علقت بنفسه تلك الملكة الصحفية ألقى بها في روع قارئ كتابته أدون مما أخذها ، فيدلي آخذها كذلك إلى غيره أسمج صورة وأكثر تشويها ، وهكذا حتى لا يبقى فيها من روح العربية إلا كما يبقى من الأطلال البالية بعد كر الغداة ومر العشي >> ..
وعندي أن لافرق بين أستاذ الأخلاق وأستاذ البيان ، فكما أن طالب الأخلاق لا يستفيدها إلا من أستاذ كملت أخلاقه وسمت آدابه ، << كذلك طالب البيان لا يستفيده إلا من أستاذ مبين >> ..
وبعد : فإني لا أرى لك يا طالب البيان العربي سبيلا إليه إلا << مزاولة المنشآت العربية منثورها ومنظومها ، والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم لا وقوف المتنزه المتفرج . فإن رأيت أنك قد شغفت بها وكلفت بمعاودتها والاختلاف إليها ، وأن قد لذ لك منها ما يلذ للعاشق من زورة الطيف في غرة الظلام ، فاعلم أنك قد أخذت من البيان بنصيب ، فامض لشأنك ، ولا تلو على شيء مما وراءك ، تبلغ من طلبتك ما تريد >> .
ثم حتى قال في شأن التهمة التي رمت اللغة العربية بضيقها عن المعاني المستحدثة :
<< وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها ، وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن الاضطراب في أرجائها ، والتغلغل في أعماقها ، واقتناعهم من بحرها بهذه البلة التي لا تثلج صدرا ولا تشفي أواما >>..... ))
فهذا كلامه ، وقد حسن بيانه ، ووضح مراده .. فهل له بقلب يرق إلى قلبه ، أو مسمع يصغي إلى كلمه .... والســـــلام



تعليق