الكتـــــابه..

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • حـــادي الكلمات
    عضو متميز
    • Feb 2008
    • 903

    #1

    الكتـــــابه..

    إلى الإخوة من الأعضاء والزوار .. سلامــا صافيا رائقا أسوقه إلى كل منكم ، وبعد :

    فإن هذه كلمات هن ليست لي ، وإنما للكاتب اللامع ، ذي العلم الواسع ، واللفظ البارع ، والكلام الناجع ، والصيت الشاسع .. أديب النفس والإنسان ، ومحسن الوصف وأمير البيان : المرحوم بإذن الله تعالى مصطفى بن لطفي الملقب بالمنفلوطي ، المولود بمصر والمتوفى في أرضها ...كتبها في شأن الكتابة والبيان ، نقلتها بتصرف، فاسمعوا منه معشر الكتاب ، لعلكم تعقلون ..

    قال المنفلوطي (( ذهب الناس في معنى البيان أين يذهبون؟ وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة لا تشتبه وجوهها ولا تتشعب مسالكها ؟ .

    ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس ، وتصويره في نظر القارئ أو مسمع السامع تصويرا صحيحا لا يتجاوزه ، ولا يقصر عنه ، فإن علقت به آفة تينك الآفتين فهي العي والحصر .

    جهل البيان قوم ظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة ونادر الأساليب فأغصوا بها صدور كتاباتهم ، وحشوها في حلوقها حشوا يكاد يقبض أوداجها ويحبس أنفاسها ، فإذا قدر لك أن تقرأها ، وكنت ممن وهبهم الله صدرا رحبا ، وفؤادا جلدا ، وجنانا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر وأرزائه ، قرأت متنا مشوشا من متون اللغه ، أو كتابا مضطربا من كتب المترادفات .

    وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول ، والتبسط في الحديث واقعا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع ، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها ، ويتمطقون بها تمطق الشفاه بريقها ، حتى تسف وتتبذل ، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق ولا تطرف عليها العيون ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .

    يخيل إلي أن الكتاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس ، وأن كتاباتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج في صدر الإنسان حينما يخلو بنفسه ، ويأنس بوحدته ، <<فإني لا أكاد أرى بينهم من يحكم وضع فمه على أذن السامع ، وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه ، وخوالج نفسه >> .


    ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلا من ناحية الجهل بأساليب اللغه ، <<ولا أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبا عربيا قبل أن يطلع على أساليب العرب في أوصافهم ونعوتهم ، وتصوراتهم وخيالاتهم ، ومحاوراتهم ومساجلاتهم ، وقبل أن يعرف كيف كانوا يعاقبون ويؤنبون ، ويعظون وينصحون ويتغزلون وينسبون ، ويستعطفون ويسترحمون >> ، << وبأي لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك الروح العربية استمدادا يملأ ما بين جانحتيه حتى يتدفق مع المداد من أنبوب يراعته على صفحات قرطاسه >> .


    << إني لأقرأ ما كتبه الجاحظ وابن المقفع والصاحب والصابئ والهمذاني والخوارزمي وأمثالهم من كتاب العربية الأولى ، ثم أقرأ ما خطه هؤلاء الكاتبون في هذه الصحف والأسفار ، فأشعر بما يشعر به المتنقل دفعة واحدة من غرفة محكمة النوافذ مسبلة الستور ، إلى جو يسيل قرا وضرا ، ويترقرق ثلجا وبردا >> .. << ذلك لأني أقرأ لغة لا هي بالعربية فأغتبط بها ، ولا هي بالعامية فألهو بأحماضها ومجونها >>.


    رأيت أكثر الكاتبين في كهذا الرجل : << رجل يستمد روح كتابته من مطالعة الصحف وما يشاكلها من المؤلفات الحديثة والروايات المترجمة ، فإذا علقت بنفسه تلك الملكة الصحفية ألقى بها في روع قارئ كتابته أدون مما أخذها ، فيدلي آخذها كذلك إلى غيره أسمج صورة وأكثر تشويها ، وهكذا حتى لا يبقى فيها من روح العربية إلا كما يبقى من الأطلال البالية بعد كر الغداة ومر العشي >> ..


    وعندي أن لافرق بين أستاذ الأخلاق وأستاذ البيان ، فكما أن طالب الأخلاق لا يستفيدها إلا من أستاذ كملت أخلاقه وسمت آدابه ، << كذلك طالب البيان لا يستفيده إلا من أستاذ مبين >> ..


    وبعد : فإني لا أرى لك يا طالب البيان العربي سبيلا إليه إلا << مزاولة المنشآت العربية منثورها ومنظومها ، والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم لا وقوف المتنزه المتفرج . فإن رأيت أنك قد شغفت بها وكلفت بمعاودتها والاختلاف إليها ، وأن قد لذ لك منها ما يلذ للعاشق من زورة الطيف في غرة الظلام ، فاعلم أنك قد أخذت من البيان بنصيب ، فامض لشأنك ، ولا تلو على شيء مما وراءك ، تبلغ من طلبتك ما تريد >> .


    ثم حتى قال في شأن التهمة التي رمت اللغة العربية بضيقها عن المعاني المستحدثة :

    << وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها ، وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن الاضطراب في أرجائها ، والتغلغل في أعماقها ، واقتناعهم من بحرها بهذه البلة التي لا تثلج صدرا ولا تشفي أواما >>..... ))

    فهذا كلامه ، وقد حسن بيانه ، ووضح مراده .. فهل له بقلب يرق إلى قلبه ، أو مسمع يصغي إلى كلمه .... والســـــلام
    النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
    وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها
  • احلام جميل
    عضو فعال

    • Jul 2000
    • 460

    #2
    الرد: الكتـــــابه..

    يعطيك العافيه على النقل

    فعلا مقال رائع لكل مبحر في عالم الحرف
    ¤*~ الـصـمـت" "أبـــلـــغ" من الـكـلام ....!!~*¤

    تعليق

    • الشاعر لطفي الياسيني
      شاعر
      • Jan 2008
      • 5553

      #3
      الرد: الكتـــــابه..

      اضيف في الأساس بواسطة حـــادي الكلمات
      إلى الإخوة من الأعضاء والزوار .. سلامــا صافيا رائقا أسوقه إلى كل منكم ، وبعد :

      فإن هذه كلمات هن ليست لي ، وإنما للكاتب اللامع ، ذي العلم الواسع ، واللفظ البارع ، والكلام الناجع ، والصيت الشاسع .. أديب النفس والإنسان ، ومحسن الوصف وأمير البيان : المرحوم بإذن الله تعالى مصطفى بن لطفي الملقب بالمنفلوطي ، المولود بمصر والمتوفى في أرضها ...كتبها في شأن الكتابة والبيان ، نقلتها بتصرف، فاسمعوا منه معشر الكتاب ، لعلكم تعقلون ..

      قال المنفلوطي (( ذهب الناس في معنى البيان أين يذهبون؟ وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة لا تشتبه وجوهها ولا تتشعب مسالكها ؟ .

      ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس ، وتصويره في نظر القارئ أو مسمع السامع تصويرا صحيحا لا يتجاوزه ، ولا يقصر عنه ، فإن علقت به آفة تينك الآفتين فهي العي والحصر .

      جهل البيان قوم ظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة ونادر الأساليب فأغصوا بها صدور كتاباتهم ، وحشوها في حلوقها حشوا يكاد يقبض أوداجها ويحبس أنفاسها ، فإذا قدر لك أن تقرأها ، وكنت ممن وهبهم الله صدرا رحبا ، وفؤادا جلدا ، وجنانا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر وأرزائه ، قرأت متنا مشوشا من متون اللغه ، أو كتابا مضطربا من كتب المترادفات .

      وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول ، والتبسط في الحديث واقعا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع ، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها ، ويتمطقون بها تمطق الشفاه بريقها ، حتى تسف وتتبذل ، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق ولا تطرف عليها العيون ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .

      يخيل إلي أن الكتاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس ، وأن كتاباتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج في صدر الإنسان حينما يخلو بنفسه ، ويأنس بوحدته ، <<فإني لا أكاد أرى بينهم من يحكم وضع فمه على أذن السامع ، وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه ، وخوالج نفسه >> .


      ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلا من ناحية الجهل بأساليب اللغه ، <<ولا أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبا عربيا قبل أن يطلع على أساليب العرب في أوصافهم ونعوتهم ، وتصوراتهم وخيالاتهم ، ومحاوراتهم ومساجلاتهم ، وقبل أن يعرف كيف كانوا يعاقبون ويؤنبون ، ويعظون وينصحون ويتغزلون وينسبون ، ويستعطفون ويسترحمون >> ، << وبأي لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك الروح العربية استمدادا يملأ ما بين جانحتيه حتى يتدفق مع المداد من أنبوب يراعته على صفحات قرطاسه >> .


      << إني لأقرأ ما كتبه الجاحظ وابن المقفع والصاحب والصابئ والهمذاني والخوارزمي وأمثالهم من كتاب العربية الأولى ، ثم أقرأ ما خطه هؤلاء الكاتبون في هذه الصحف والأسفار ، فأشعر بما يشعر به المتنقل دفعة واحدة من غرفة محكمة النوافذ مسبلة الستور ، إلى جو يسيل قرا وضرا ، ويترقرق ثلجا وبردا >> .. << ذلك لأني أقرأ لغة لا هي بالعربية فأغتبط بها ، ولا هي بالعامية فألهو بأحماضها ومجونها >>.


      رأيت أكثر الكاتبين في كهذا الرجل : << رجل يستمد روح كتابته من مطالعة الصحف وما يشاكلها من المؤلفات الحديثة والروايات المترجمة ، فإذا علقت بنفسه تلك الملكة الصحفية ألقى بها في روع قارئ كتابته أدون مما أخذها ، فيدلي آخذها كذلك إلى غيره أسمج صورة وأكثر تشويها ، وهكذا حتى لا يبقى فيها من روح العربية إلا كما يبقى من الأطلال البالية بعد كر الغداة ومر العشي >> ..


      وعندي أن لافرق بين أستاذ الأخلاق وأستاذ البيان ، فكما أن طالب الأخلاق لا يستفيدها إلا من أستاذ كملت أخلاقه وسمت آدابه ، << كذلك طالب البيان لا يستفيده إلا من أستاذ مبين >> ..


      وبعد : فإني لا أرى لك يا طالب البيان العربي سبيلا إليه إلا << مزاولة المنشآت العربية منثورها ومنظومها ، والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم لا وقوف المتنزه المتفرج . فإن رأيت أنك قد شغفت بها وكلفت بمعاودتها والاختلاف إليها ، وأن قد لذ لك منها ما يلذ للعاشق من زورة الطيف في غرة الظلام ، فاعلم أنك قد أخذت من البيان بنصيب ، فامض لشأنك ، ولا تلو على شيء مما وراءك ، تبلغ من طلبتك ما تريد >> .


      ثم حتى قال في شأن التهمة التي رمت اللغة العربية بضيقها عن المعاني المستحدثة :

      << وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها ، وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن الاضطراب في أرجائها ، والتغلغل في أعماقها ، واقتناعهم من بحرها بهذه البلة التي لا تثلج صدرا ولا تشفي أواما >>..... ))

      فهذا كلامه ، وقد حسن بيانه ، ووضح مراده .. فهل له بقلب يرق إلى قلبه ، أو مسمع يصغي إلى كلمه .... والســـــلام









      جزاك الله خيرا وبارك الله لك وعليك
      ان كل مفردات ثقافتي لا تفيك حقك
      من الشكر والتقدير دمت بخير


      تعليق

      • حـــادي الكلمات
        عضو متميز
        • Feb 2008
        • 903

        #4
        الرد: الكتـــــابه..

        ولك مني أختي secret love الشكر الجزيل ..

        ولك مني شاعري الكبير وأستاذي العظيم لطفي الياسيني الشكر الكثير ..


        وأتمنى أن تقرأ من الجميع عسى أن يفيدوا منها كما أفدت وغيري من النشء والمتضلعين في الكتابه
        النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
        وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

        تعليق

        مواضيع مرتبطة

        Collapse

        جاري العمل...