والآن ، وبعد قضاء هذا الحين .. أجد في شعوري لذة وغبطة ، ومن نفسي دعة وسلاما ، فما ذاك يا حـــادي؟!
إني لشديد التعلق بالقلم ، أؤوب إليه ما دامت عواصف الإحساس تعصف في داخلي ، وألوذ به كلما تكثفت الأفكار في خاطري .. وإني على ذلك لا أرهبه كما كنت ، ولله الحمد والشكر والثنــاء .يقول تعالى في كتابه : ((وأما بنعمة ربك فحدث))، فكم يجمل بي أن أعيد أرجع هذه اللذة وهذا الأمن والسلام إلى الله الكريم .
وسبحان الله ! إني كنت وقلمي كرفيقين مفترقين ! لا أجتمع به حتى يأبى علي ، ولا يلين لي إلا فآبى عليه ، فهو في طريق وأنا في أخرى ..
.. إني كنت آخذه من عنقه أخذة الراعي لشاته المتمردة، فكان مبلغ ما ينضح به إحدى القبيحين : إما مرذول تافه من اللفظ ، أو شحيح يسير من الحبر مما لا يروي عطشا ولا يشفي غلة ..
.. فأعملت الفكره ، فقلت : لربما أسر في نفسه وود لو أدهن فيدهن ، فما أفعل إلا فسر غير ما أردت ، واتجه وجه الذي ما إليه قصدت ..! ، كأنما هو يسخر مني ويهزأ بي ..
وبعد : فقد أتى حين من الدهر أحسست فيه تجاه قلمي إحساسا غريبا لا عهد لي بمثله وإن كان عهدا غير طويل ، واجتمعت لي فيه من المشاعر ما ليس بالبغض الكامل فأقر ويهجع قلبي معه ، ولا هو بالحب الخالص فأشدو بي وأثمل .. إنما كنت مقسم النفس معه بين السعادة المشرقة والشقاء المظلم كما يقول د.طــه حسين (رحمه الله تعالى) . فلا إلى هذا ولا إلى ذاك ، ولكنه شعور فيه شيء من شغف ، وفيه شيء من ازورار ، وفيه شيء من حنين خفي ..
.. فكــان مذهبي تلك الفترة مع القلم أشبه مذهبا بالزهاد والعباد ، (فساعة وساعه)
فأما الوقت ألمس معه هذا الحنين فأوقن أنها ساعة القلم .. ولا يظنن ظان أنها كانت أفضل الساعات عندي أو أشرقها لي _وهما من الشيطان ، ضربا من ضروب الخيال_، إذ كنت كاتبا غريبا عجيبا ، يكره قلمه كل الكره ، ويحبه كل الحب ! ، والأكيد أن ذلك الحب كان من دون عطف أو إشفاق .. وما أحسبها إلا نزعة من النوازع التي تلم بالكاتب مهما علا شأنه أو انخفض .. ألم يأتكم نبأ عبدالوهاب مطاوع ، إنه كان كاتبا وحسن أديبا .. إذ قال ما معناه : (( تصدقني إذ قلت أن الكتابة أفضل الهوايات عندي ، وأن وقتها أجمل الأوقات لدي ، فالحقيقة ما عكس ذلك . وإنما هي حرفتي أحترف بها فآكل منها ولي فيها مآرب أخرى)) فأما هو فله أن يأكل العيش منها ، وأما أنا فلست إلا طالبا صغيرا وضيعا في علمها وفنها الكبير ..
.. وأما الساعة ألمس فيها شغفا وحماسا يدفعني نحو القلم ، فما أجد غير انقطاع الوحي صارفا عنه ، فما هي إذا بساعة القلم .. ولكنها ساعة عاطفية لا أزال أتجرع مرارتها أطاوعت شعوري فيها فوليت وجهي شطر القلم ، أم أخضعت للعقل عاطفتي فعزفت عنه ، وإن كانت معاناتي في ثانيتها أقل من أولها ، فأقول : إني لن أستطيع معه صبرا ، فما هي إلا أن تتجاوز العاطفة ممعنة غير راضيه ، فأجدني ضعيفا أمام قلمي مستخذيا لسحره قائلا: عفوا وصفحا ، إني أعجلت بظلمك وما أخرت إلا إنصافك صدقني ، فلا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ..
وبعــد : فإني أكاد أجد إلى أن القلم ذو شعور وإحساس ، بل هو أكبر الشعراء وأعظم المتلمسين!!
ولولا جموده وسكونه ، لقلت إنه حي يكاد يتحرك في اليد التي تقبضه .. ولعمرك إن كان ذلك فلن يهنأ كاتب بقلمه ! ....
لا تحسب الهادئ ساكنا غضبه ! ولا تعتقد برضاه عن كل ما ترغمه على كتابته .. فإنه لا يملك غير الكتابه ، وإنه إن قدر له الحراك بدل السكون فأنت بين المفرقين : إما أن يتحلحل من بين يديك ، فاعلم أنها الهجرة أو النشوز .. وإما أن ينتفض في أصابعك (السوداء) انتفاض الحية الرقطاء ! ..فلا تسلم بعدها أن يلدغك أو يعتصرك !!
.. ذلك أنك لم تكن (أبيض) اليد كريم الراحة سخي النفس شريفها ، فاخترت إرغامه على غير ما يرغب ، بل كنت عكس هذا ، فحق له من بعد ما شاء ! ..
فاحذر الحذر كله ، فإنك إن أقسرته على غزل فاحش، أو سب منكر ، أو كلام مستقبح ، فقد آذنت نفسك بحرب من قلمك !
فاحمل نفسك منذ اليوم على إحدى الحسنيين : إما أن تحسن السيره ، وتجمل الطريقه .. أو أن تعتزل القلم وتنصرف عنه فما هو لك ولا أنت له ، إذ كنت للخير مناعا ، وللشر معوانا ..
(( وإن من كــاتب إلا سيبلى ** يبقي الدهر ما كتبت يداه ))
(( فلا تكتب بخطك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه ))
واستحيي ما دمت حيا واجعل قاعدتك وسقفك وجدرانك قول الشاعر :
(( عيش المرء مااستحيا بخير ** ويبقى العود ما بقي اللحاء )) .......
أخوكم : حـــادي
إني لشديد التعلق بالقلم ، أؤوب إليه ما دامت عواصف الإحساس تعصف في داخلي ، وألوذ به كلما تكثفت الأفكار في خاطري .. وإني على ذلك لا أرهبه كما كنت ، ولله الحمد والشكر والثنــاء .يقول تعالى في كتابه : ((وأما بنعمة ربك فحدث))، فكم يجمل بي أن أعيد أرجع هذه اللذة وهذا الأمن والسلام إلى الله الكريم .
وسبحان الله ! إني كنت وقلمي كرفيقين مفترقين ! لا أجتمع به حتى يأبى علي ، ولا يلين لي إلا فآبى عليه ، فهو في طريق وأنا في أخرى ..
.. إني كنت آخذه من عنقه أخذة الراعي لشاته المتمردة، فكان مبلغ ما ينضح به إحدى القبيحين : إما مرذول تافه من اللفظ ، أو شحيح يسير من الحبر مما لا يروي عطشا ولا يشفي غلة ..
.. فأعملت الفكره ، فقلت : لربما أسر في نفسه وود لو أدهن فيدهن ، فما أفعل إلا فسر غير ما أردت ، واتجه وجه الذي ما إليه قصدت ..! ، كأنما هو يسخر مني ويهزأ بي ..
وبعد : فقد أتى حين من الدهر أحسست فيه تجاه قلمي إحساسا غريبا لا عهد لي بمثله وإن كان عهدا غير طويل ، واجتمعت لي فيه من المشاعر ما ليس بالبغض الكامل فأقر ويهجع قلبي معه ، ولا هو بالحب الخالص فأشدو بي وأثمل .. إنما كنت مقسم النفس معه بين السعادة المشرقة والشقاء المظلم كما يقول د.طــه حسين (رحمه الله تعالى) . فلا إلى هذا ولا إلى ذاك ، ولكنه شعور فيه شيء من شغف ، وفيه شيء من ازورار ، وفيه شيء من حنين خفي ..
.. فكــان مذهبي تلك الفترة مع القلم أشبه مذهبا بالزهاد والعباد ، (فساعة وساعه)
فأما الوقت ألمس معه هذا الحنين فأوقن أنها ساعة القلم .. ولا يظنن ظان أنها كانت أفضل الساعات عندي أو أشرقها لي _وهما من الشيطان ، ضربا من ضروب الخيال_، إذ كنت كاتبا غريبا عجيبا ، يكره قلمه كل الكره ، ويحبه كل الحب ! ، والأكيد أن ذلك الحب كان من دون عطف أو إشفاق .. وما أحسبها إلا نزعة من النوازع التي تلم بالكاتب مهما علا شأنه أو انخفض .. ألم يأتكم نبأ عبدالوهاب مطاوع ، إنه كان كاتبا وحسن أديبا .. إذ قال ما معناه : (( تصدقني إذ قلت أن الكتابة أفضل الهوايات عندي ، وأن وقتها أجمل الأوقات لدي ، فالحقيقة ما عكس ذلك . وإنما هي حرفتي أحترف بها فآكل منها ولي فيها مآرب أخرى)) فأما هو فله أن يأكل العيش منها ، وأما أنا فلست إلا طالبا صغيرا وضيعا في علمها وفنها الكبير ..
.. وأما الساعة ألمس فيها شغفا وحماسا يدفعني نحو القلم ، فما أجد غير انقطاع الوحي صارفا عنه ، فما هي إذا بساعة القلم .. ولكنها ساعة عاطفية لا أزال أتجرع مرارتها أطاوعت شعوري فيها فوليت وجهي شطر القلم ، أم أخضعت للعقل عاطفتي فعزفت عنه ، وإن كانت معاناتي في ثانيتها أقل من أولها ، فأقول : إني لن أستطيع معه صبرا ، فما هي إلا أن تتجاوز العاطفة ممعنة غير راضيه ، فأجدني ضعيفا أمام قلمي مستخذيا لسحره قائلا: عفوا وصفحا ، إني أعجلت بظلمك وما أخرت إلا إنصافك صدقني ، فلا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ..
وبعــد : فإني أكاد أجد إلى أن القلم ذو شعور وإحساس ، بل هو أكبر الشعراء وأعظم المتلمسين!!
ولولا جموده وسكونه ، لقلت إنه حي يكاد يتحرك في اليد التي تقبضه .. ولعمرك إن كان ذلك فلن يهنأ كاتب بقلمه ! ....
لا تحسب الهادئ ساكنا غضبه ! ولا تعتقد برضاه عن كل ما ترغمه على كتابته .. فإنه لا يملك غير الكتابه ، وإنه إن قدر له الحراك بدل السكون فأنت بين المفرقين : إما أن يتحلحل من بين يديك ، فاعلم أنها الهجرة أو النشوز .. وإما أن ينتفض في أصابعك (السوداء) انتفاض الحية الرقطاء ! ..فلا تسلم بعدها أن يلدغك أو يعتصرك !!
.. ذلك أنك لم تكن (أبيض) اليد كريم الراحة سخي النفس شريفها ، فاخترت إرغامه على غير ما يرغب ، بل كنت عكس هذا ، فحق له من بعد ما شاء ! ..
فاحذر الحذر كله ، فإنك إن أقسرته على غزل فاحش، أو سب منكر ، أو كلام مستقبح ، فقد آذنت نفسك بحرب من قلمك !
فاحمل نفسك منذ اليوم على إحدى الحسنيين : إما أن تحسن السيره ، وتجمل الطريقه .. أو أن تعتزل القلم وتنصرف عنه فما هو لك ولا أنت له ، إذ كنت للخير مناعا ، وللشر معوانا ..
(( وإن من كــاتب إلا سيبلى ** يبقي الدهر ما كتبت يداه ))
(( فلا تكتب بخطك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه ))
واستحيي ما دمت حيا واجعل قاعدتك وسقفك وجدرانك قول الشاعر :
(( عيش المرء مااستحيا بخير ** ويبقى العود ما بقي اللحاء )) .......
أخوكم : حـــادي










تعليق