العتاب ... درس لم يفقه
يحكي الأولون أن معلماً كان يُفضِل تلميذاً له علي باقي تلاميذه .. مما جعل بعض الناصحين يعتب عليه في ذاك .. ولكنه أراد أن يُبيِّن لهم سبب ذلك .. فجمع تلاميذه وأعطى كل واحد منهم طائراً .. وأمر كل واحد منهم أن يذبحه في مكان لا يراه فيه أحد .. وأنطلق التلاميذ في تنفيذ الأمر .. وكل منهم جاء بالطائر مذبوحاً إلا ذلك التلميذ؛ فإنه عاد بالطائر حياً .. فلما سأله عن ذلك، قال: ما ذهبتُ إلى مكان إلا واستشعرت مراقبة الله .. الذي لا يغيب عنه شيء ..
لولا العتاب ما عرفت الأسباب .. ولولا العتاب ما اقتنعت الألباب .. ولولا العتاب ما أبصرنا فراسة الشيخ مسطرة .. ألم تسمع عن الأنصار – رضي الله عنهم - لما دار في قلوبهم بعد حُنيِن ما دار .. وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كان عتابه لهم بلسماً يشفي العلل .. فخشعت قلوبهم، ودمعت عيونهم، ورضت عقولهم ..
وأذكر قصة عتاب وقعت لي من صديق كم من نعمة فُتحت لي على يديه .. وكم من فضائل اقتبستها منه .. وكنتُ قد وجدت شيخاً راشداً .. أنعم الله عليه بعلم جم .. وذكاء عزيز .. وخلق عليّ .. وكنت أختلف إليه خفية دون علم صديقي .. ومهما تخفى الأمور تُظهرها الأيام .. ألا ترى مكنون الجواهر تنفلق عنه أصدافُه .. وكذلك أسرار الرجال تظهرها خفايا العِبَارات .. وإيحاء الحركات .. وعلم صديقي بالأمر .. وجاءني بوجه المعاتب وقال لي: إن من حق الإنسان أن يحصر ضوء شمعته لنفسه .. ولكن هل من حقه أن يحجب ضوء الشمس عن أحد .. ثم قال لي: إنك أناني .. لقد كان عتابه قاسياً جداً .. ولكن كان فعلي أقسى .. لقد علّمني أن المكسب الحقيقي للإنسان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه .. ولولا عتابه ذلك لبقيت تلك الخصلة فيّ لا تبارحني .. أن العتاب مرّ في أوله .. حلوٌ في آخره .. كمرارة الدواء .. يعقبها الشفاء .. إن العتاب نصح حبيب، ودواء طبيب .. هل رأيت عدواً يعاتب عدوّه .. إن الذي يعاتبك إنما يُفيض قلبه بحبك، ونفسه بودّك .. فالعتاب بارقة من بوارق الأمل .. ونسمة من رقائق القلوب .. وصورة من صور صناعة الحياة .. وما كان العتاب يوماً عائقاً عن الانطلاق في مسار الحب .. فلنمض إذاً بالعتاب إلى الأمام .. فما العتاب إلا نصح محب .





تعليق