صديقي المتقلب ...
كان يضحك .. يجري المرح في دمه وعروقه كما يجري القلم بالمشاعر .. فجأة سكت .. انقطع ضحكه .. تلك اللمعة التي كانت في عينيه انطفأت حدتها .. قطب جبينه .. وأطرق رأسه .. وراح يفكر .. تساءل الرفقة عن سبب ذلك .. لم يُقدِم أحدٌ على التصريح بالسؤال .. لكنها كانت لغة عيونهم .. انسحب الرفقة واحداً تلو الآخر .. وتركوه يعاني صراع الفطرة..
انشغلتُ عنه بجسدي .. لكن قلبي كان معه .. يشهد صراع النفس مع العقل .. يا ترى ماذا جرى؟ .. أهي جروح غائرة أنكأها شعور جديد ؟! .. قد يكون شعور الوحدة والغربة .. نعم، قد يرى نفسه غربياً بين هؤلاء .. غربياً في مشاعره .. ولكن ما تلك المشاعر؟ .. هي خليط من جرح قديم .. وشعور بالتقصير في حقوق كثيرة .. حق الله .. حق الروح .. حق الناس .. هي حقوق أصبح لها معاني بعد أن كانت منسية .. عجباً، كيف تم ذلك الانقلاب؟ .. انقلاب في المشاعر غيّر كل شيء .. نعم، لقد سكن بعد انتعاشة .. ولكن اضطربت الروح بعد سكونها .. سكون وهدوء .. إنه حوار تستمع له الأعضاء .. حوار بين العقل الذي تقوده الحكمة .. والنفس التي تسيرها العاطفة المتهورة .. التهور يحتاج إلى لجام يكبح سرعته ..
هذه هي وظيفة العقل .. وذلك الاضطراب هو اضطراب المحاسبة .. وذلك السكون هو سكون الحوار .. أصعب لحظات الحياة هذه اللحظات .. لأنها لحظات الموت .. فكما أن الموت هو انتزاع الروح من الجسد .. فهذه لحظات تنزع فيها مشاعر الروح .. إنها محاولة للتغيير فيها .. ذلك التغيير يحتاج إلى جهد .. والجهد هو نار الكراهية بعد المحبة .. نار الفرقة بعد الالتقاء .. نار الانفصال بعد الاتحاد .. هذه دمعة تجود بها عيناه؛ لعلها تطفئ شيئاً من تلك النيران .. وهذه النفس يزداد اضطرابها .. والقلب يزداد خفقانه .. إنها لحظات عزاء .. لقد ماتت تلك المشاعر بل قُتلت .. لكن من قتلها؟! .. قتلها مقرب إليه .. كلمة منه لم يأبه لها ... إشارة كانت رصاصة .. أمل فيه لكنه خاب .. هذه المشاعر تخرج على شكل أنين .. أو مع صعود الصدر وهبوطه في شهيقه وزفيره .. بعد هذا الموت .. تعود الحياة من جديد .. إنه موت تعقبه حياة جديدة .. كل شيء يفنى .. الموجود لا بد من فنائه وانتهائه .. فجأة قام وهو يبتسم ... تساءل عن الرفقة .. ثم أخذ يضحك ويقهقه .. ماذا حدث؟! هكذا تساءلتُ .. سمع الرفقة ضحكه .. فعادوا من جديد .. وعاد المجلس على ما كان عليه .. وكأن شيئاً لم يكن ......









تعليق