الوفاء المطلوب
لم أجد صفة إذا قرنت بشيء رفعته .. وإذا سلبت منه وضعته .. كالوفاء .. ألا ترى الكلب .. وهو الكلب .. لما نُسب له الوفاء ارتفع شأنه .. وما كلب أهل الكهف الذي وفى لصاحبه فلحقه إلا مثالاً شرف ذكره القرآن .. وُعدّ من حيوان الجنة ..
وكم من سباع بلغت بقوتها ذروة القوة ولكنها لما خانت هانت .. ألا تراهم إذا عدوا محاسن الفهد أذبوا تلك المحاسن في مثلبة غدره .. ولم أرَ كالخيل يفي للقديم وفاءً لا يعرف معه جديداً .. ألا تراه إذا أعتلى ظهره غير صاحبه أسقطه .. وكم من خيلٍ فارق الحياة بعد فراق صاحبه .. وعدوا من مثالب وفاء الكلب أنه يفي لصاحب اللحظة كوفائه لصاحب السنين .. فرُبّ لصٍ أطعمه قطعة لحم يتغافله بذلك ليسرق بيت سيده ..
وفاؤنا يضيع بين إفراط الخيل وتفريط الكلب .. وكلا الوفائين مذموم ..
نحن نبحث عن وفاء لكل من يستحق الوفاء .. نفي لصاحب اللحظة .. ولصاحب اليوم .. ولصاحب السنة .. ولكل وفاء حد يحدّه .. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة .. ألا ترى ذكره لخديجة حتى أيقظ غيرة عائشة – وهي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم – ولكن وفاؤه لمن ساندته وقت المحنة .. ودعمته لدفع النقمة ..بقي محفوظاً حتى بعد وفاتها .. ذكرٌ متواتر .. وودٌ لمن كانت توده .. ومع ذلك كان وصفه لعائشة وحبه لها دليلاً على أن لكل صاحب ودٍ وفاء..
وما زلت أذكر يوم أن كادت أيام الغربة أن تنقضي .. ووقفت بين الرفقة أذكرهم بهذا المعنى وقلت: " تتحرك شكوك القلوب مع هواجس الأيام .. والعيون تُبصر الحركة .. حركة انتهاء حصاد السنين .. كل أخذ ثمرته .. سنين الزراعة والسقاية أخرجت الثمر .. وكادت الأيدي أن تقطف الثمر .. ولكن هل من لقاء يجمع الزارعين؟!
سؤالٌ ابتدره مبتدر ..وحُق له ذلك .. ففي هفوات السنين ما يثير السؤال .. وفي ثغرات المواسم ما يحتمل الشك .. ولكني أرجو أن يكون مما زرعه الزارعون وفاء يجنون ثمرته طيلة العمر.. "
ومرت الأيام ولم يفي لتلك الأيام إلا القليل ...بتذكر يشبه النسيان ... فرحم الله تلك الأيام ...







تعليق