حتى لا تغرق السفينة
في خضم أمواج الطوفان .. والسماء تنهمر بالماء .. والأرض تفيض به .. ماءٌ ليس منه حياة .. بل فاض بالهلاك .. تنساب سفينة النجاة .. تنادي الغرقى بنداء "اركب معنا" .. أخذت السفينة تناديه .. وقد أخفى الماء قدميه .. اركب معنا .. أدرك نفسك فأنت اليوم غريق .. لكنه قال مستعلياً: من قال إني أغرق؟ .. إنني مستقر على اليابس .. واستمرت السفينة تناديه .. ألا تحس بالماء يفيض من تحتك؟ والمزن تعتصر من فوقك؟ .. قال: حتى سفينتكم أصابها الماء .. فهذه ألواحها المبعثرة تخللها ماء الطوفان .. وهذه أشرعتها المخرقة يكسوها رذاذ المطر .. فكلنا غرقى ..ونادته السفينة النداء الأخير .. هيا اركب معنا .. لكنه رفض الانقياد .. وأنهت قصته بفقاقيع هوائية على سطح الماء .. تُسطر حماقته .. لقد كان ابن نوح أصلح حالاً منه .. لقد استعلى على السفينة بجبل توهم أنه سيعصمه وينجيه .. وإن كان كلا الرجلين هالكاً....
سفينتنا تنساب وتسير .. تتخبط أحياناً لأنها تسير وفق رأي واحد .. وأحياناً لا تعرف لها مساراً تسير فيه .. وغرقى طوفان المعاملة.. يتهافتون لركوب السفينة .. ولكن أرباب السفينة يرفضون ..الأيدي مشرعة مثل أشرعة السفينة .. لكن أشرعة السفينة خيطت فاتحدت ..أما الأيادي المتهافتة .. فلم تجد من يصافحها لتعلو.. أرباب سفيتنا اختلفوا على توجيه المسار .. والغرقى تعلو أصواتهم في وضح النهار .. وقوم يغرقون وهم صامتون .. وقوم يركبون لكنهم لا يشعرون ..وقوم يختصمون وهم يضحكون .. أرباب السفينة مختلفون .. ما رأيكم هل نُركب هذا معنا؟ .. وتختلف الأصوات بين اللّات والنعمات .. ويضيق الوقت .. ويصعد غريق .. وما أن يصعد حتى ينسى رفقاء الطوفان[1] .. ولا يرى في الماء من إنسان ..وبعد لحظات .. يصبح الغريق حادي الركبان .. ويجد بعض الغرقى أخشاباً عليها يركبون .. وبها ينجون .. ولكنهم يقولون: متى تسعنا السفينة؟ .. فهي كبيرة متينة .. ألم نسع غيرنا؟ .. أليست هي لنا؟..
وتكثر في السفينة الثغرات والفجوات .. ويدرك أهل السفينة الخطر .. ويقول قائل حكيم في ليل بهيم: أركبوهم معنا .. حتى لا تغرق السفينة .. ويقول آخر: لا .. لعل فيهم قرصان .. أو رجل يريد الاستيلاء على المكان .. وتصبح السفينة كأرجوحة يلعب بها الهواء .. بل الهوى ..ويدرك القوم الخطر .. هيا .. هيا اصعدوا فلاناً وفلاناً .. ويعلو السفينة كل القوم .. وأغمض عيني .. وأرى الأيادي تشابكت .. والأرواح توحدت .. واستوت سفينة النجاة على جودي العدل .. وأنشد الجميع أنشودة الأمل .. وبدءوا رحلة العمل ..
[1] _ وعندها يظهر الفرق بين من يطالب بالحق ومن يطالب بحقه ..












تعليق