فلسفة ُالغيابْ
مساءُ الخير فاتنتي... لا بلْ صباحُ الخير فقد مضى على قمر وجهك زمنُ الليل أقلبُ أنواره مابينَ نظرٍ وتأملْ...
وجهكِ الذي غابَ عن ناظري رؤيتهُ إلا أنَّه مازالَ يعصرُ الحبَّ في القلبِ من سحرهِ معناً معناً ويسقيهِ من عذوبتهِ سقيا محبةٍ وسقيا أشواقٍ وسقيا الصبرِ على جمالهْ...
وتدركني الأقدارُ تارةً أخرى بالحبِّ ...وكذا لا تدركني بالصبرْ... إلاَّ أنَّها تجودُ ببعض القطرِ في عيني تبللُ جفافَ النظرِ إلى البعيدِ الغائبِ عساهُ يُطلُ بقمراءِ وجههِ من جديدْ ...
ويحاصرني الشكُ في طلةِ القمرِ الغائبْ إلاَّ أنَّ يقيناً في القلبِ أنَّه موجود وإن غاب...
فما معنى أن يغيبَ سوى أنَّه يزيدُ على القلبِ سِحرَ تأملٍ وسِحرَ حضورْ؟!... وفكرٍ كيف أنَّه أطَّلَ يوماً ولَسوفَ يُطلُ يوماً وعساهُ يبقى أياماً بلا غيابْ...
يُحاصِرُني غيابكِ سيدتيْ ... إلاَّ أنَّني رَضيتُ الأسرَ لعينيكِ فما هَمُّ قلبي من حكم السجن عليه ؟!...
ترى فعلى أي صورةٍ تلكَ غابَ عني فيها وجهكِ أيَّتُها الفاتنة؟!...
وعلى أي صورةٍ أخرى هي القضبانُ التي منْ خلفها قلبي يترقبُ عفو القضاء؟!..
لعلي أقولُ الأنَ أنَّ الأشياءَ في تلاحمها تكونُ كقوةٍ على قوة ممزوجتان بقوةٍ أخرى هي الجمعُ...
ولعل قوة أخرى تغتالُ الجمعَ واللحمَة التي بينهم لتقولَ أنا قوةُ فكِ الرباطِ أو أنا الفراق...
فمن أين تأتي قوةُ الفراق لولا أنَّ هناكَ جذباً صالحاً في تربةِ الجَمع المقدسْ؟!...
ظنَّت هي أنَّها لو غابتْ غابَ عن قلبي عذاباتهُ وصورتها الحاضرة دائماً أبداً...
وما علمت أنَّ في قوةِ غيابها لا بل فراقها قوةٌ أخرى تولدُ منهُ تقولُ أنا هي التي غابت عنك لا بل رُوحها فإن غابَ الجسدُ فأنا هاهنا في قلبكَ حاضرة...
نعم سيدتي ... غادرتني عينيك من ملاحقتي لسحر نظراتهما ... نعم
ترى فهل يكون البديلُ لعينيكِ ما هبَّ مِنْ ألسنةِ اللهبِ في التنُورِ يَشوي ما يَشوي من دقيق أشواقي وحيرتي وسهادي ؟!...
ترى هل يختفي ظلكِ فجاءةً هكذا بلا كلماتِ السلام ليعُمَّ في القلبِ السلامُ على الحبِّ كحمائمَ تحلقُ في أجواءه صباحَ مساءْ وتهدلُ بإسمك كأنكِ غذاءُ الرُوح لها؟!...
ترى هل تمضينَ هكذ بلا موعدٍ لعودةٍ مأمولةٍ لعينيكِ ويَألفُ قلبي لحنَ عذوبةٍ يُدندِنهُ في بَارقةِ السَحرِ يتغنى بالحنين لِعينيكِ ... لِعينيكِ ... لِعينيكِ ...
أدركُ يا سيدتي أنَّني عندَ آخرِ لقاءٍ افتقدتكِ بهِ شيئاً واحداً فقط... لا أعلمهُ إلاَّ أنَّهُ أشبه بالهالةِ التي ترامتْ على أطرافِ ثوبكِ وعلقتْ في مكانكِ الذي غادرتيهِ للتو...
وعلقَ بصري بالهالةِ تلكْ وجَمِدَ فكري عليها يحاولُ فكَّ صورتها من معناها وترجمةِ لغتها من صمتها ...
وكأنِّي بتلكَ الهالةِ شيئاً من بريقِ روحكِ أو الجسد ؟!.. لست أدري...
رأيتني أتوجهُ إليها أضمَُها أمسكُها وهي تفلتُ من يدي... ولكن ما شعرتُ بهِ أنَّ شيئاً من بريقِ النورِ كانَ يُشعُ في الهواء اختفى لمجردِ ضَمي لهُ ...
هل تراهُ شّعَّ في قلبي واحتضنَ قلبي لأنَّه شيءٌ من عالم القلوب؟!.. لست أدري...
إلاَّ أنَّني يقيناً شعرتُ بهِ يتغلغلُ في أنفاسي ودمي كأنَّهُ العِشقُ من طرْفِكِ الذي غاب جاء ليحضرَ في طرفي الحاضر...
ترى هل توقفَ نبضُ العشقِ عندكِ ليَضُخَّ في مإذنةِ القلبِ زفراتهِ العاشقةِ كدفقاتِ الدم تدفعُ بعضها بعضاً لتصلَ إلى أخر الدفق؟!... لست أدري...
كأنَّكِ حين غادرتي مكانك الذي ضمَّ جلستكِ المسائيةِ آنذاكْ وانهالتْ دفقاتُ النورِ إلى ناظري ومن ثمَّ إلى قلبي ... كأنَّك حينها قد افترقتي عني وقد كانَ ما بيني وبينكِ الجمعُ لا بالأجسادِ لا بلْ بالأرواح....
فهل يا ترى غيابكِ إنَّما هو من عناصرِ القوةِ التي تفصمُ روحين كانتا للتو روحاً واحدةًَ عاشقة؟!...
باللهِ عليكِ أخبريني عن روحكِ الآنَ هل هي على العافية؟!..
حيثُ أن روحي من لحظةِ الفصلِ وهي سقيمة...
ورغمَ الآمِ الفصل ِآنذاكْ ورغمَ عذاباتِ الغياب كان لبريق النورِ معناً آخرْ...
كأنَّه أخذ يتشكلُ في الفضاءِ على شكل ِكلمةٍ قرأتها بدقةٍ لوضوحها تقولُ ( سَأعُودْ)..
نعمْ كأنَّها كلمة ٌمِنْ مَنطق ِالرُوح ِفما أدراكِ أنَّكِ عائدة ٌ لولا أنَّ روحكِ هي التي ستعود؟!...
بقلم : باسل محمد البكار







تعليق