متعة العذاب في زمن القهر

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • أبوغزة
    عضو جديد
    • Jul 2008
    • 4

    #1

    متعة العذاب في زمن القهر

    متعة العذاب في زمن القهر
    بعد صلاة الظهر بقليل، خرجت من المسجد متوجهاً إلى البيت. وفي الطريق، أمسكت بهاتفي المحمول ضخم الجثة رمادي اللون لاتصل بأمي. كانت مكالمة عادية ككل المكالمات، في البداية تحية و سلام و سؤال عن الأخبار و الأحوال، ثم أبدأ المشاغبة في الحديث عن الطعام و ما تم إعداده للغداء- مع إبداء رأي الفني طبعأ، والذي يكون في الغالب مدح طعام أمي الشهي ونقد غيره، لربما لأني لم أعرف طعاماً غيره، وهذا لا يتنافى مع كونه فعلاً طعاماً لذيذ؛ و من ناحية أخرى لربما إذا لم أمدح سيتم قطع إمدادات الغذاء في المستقبل..............
    بعد الحديث الودي الدافئ هذا، أخذت أمي تسرد لي ما يجري على أهلنا في غزة بالأمس و صبيحة اليوم؛ توغلات.. إطلاق نار.. قصف.. اعتقال.. قتل.. جرح....و......و.....و..... و اللائحة تطول. قاموس كامل من مصطلحات مصبوغة بلون الدم، تفوح من بين ثنايا حروفها رائحة البارود، صوت الرصاص و أزيز المدافع يصدح بين جنبات كلماتها... يخطر ببالي: أهو قاموس للشقاء و العذاب و الألم و القهر، أم هو قاموس للجهاد و الكفاح و الشجاعة و الشهادة... تركت الحائرين في تسميته و عدت بسمعي إلى كلام أمي.
    بعد أن أنهت أمي كلامها، كان لزاماً علي أن أظهر أي ردة فعل أو تجاوب مع كلامها، لكنني لم أجد نفسي إلا و أنا انتفض بغضب و أقول لها بصوت يظهر عليه أنه متأثر مع مسحة من اللامبالاة: ماذا أفعل لهم؟؟!!.....
    ثلاث كلمات لم تفهم أمي معناها و لا حتى أنا. أيمكن أن يكون و ضعنا خارج دائرة الحدث و لَد لدي هذا الحس المتبلد؟!... تعودنا أن نكون مراقبين خارجيين، نعلق على الأحداث، نحلل و نفسر و نتوقع..
    تحيرت في صلة الوصل التي تربطني بتلك الديار؟؟!!.. الانتماء موجود، تلك هي بلاد آبائي و أجدادي (مع أنني لم أولد فيها ،و لم أتربي فيها، و كل الذي عشته فيها لم يتجاوز بضعة أشهر)، انتماء منبعه ما تربينا عليه من أننا فلسطينيون و تلك هي بلادنا و جاء اليهود و احتلوها؛ فهجِر من هجر، و لجئ من لجئ، و نزح من نزح، و بقيت قلة متشبثة بجذورها... أقول في نفسي لو أن كل تفاصيل القصة كلها بقيت كما هي، ولكنها لم تكن فلسطين!! فلتكن أي بلد آخر؛ هل سيكون هذا الانتماء موجوداً؟! هل سيكون هناك ذلك الرابط بين الإنسان و مسقط رأسه البيولوجي؟! سؤال إجابته عندي يلفها الضباب... وقعت في حيرة من أمري........ أهي رابطة العروبة، أم هو ما علمنا إياه ديننا، أم هل هي القومية.... أم هو حب الإثارة و "الآكشين" الحاصل هناك؟؟!!...............
    الناس في منطقتنا هناك من النوع المسالم على الغالب، الذي لا له و لاعليه، أحداث "الآكشين" عندهم نادرة؛ لأنهم على رأي بني صهيون: من النوع العاقل من الناس.. لكن المشكلة أن بني صهيون ليسوا من هذا الصنف من البشر –إذا كانوا يحسبون على البشر-. قبل حوالي السنتين،جاء موعد أهلي مع بعض "الآكشين" في صبيحة أحد الأيام.. كان الشباب يترقبون في زوايا أسطح المنازل و خلف الأشجار و الجدران، كل بما عنده من عدة و عتاد، كانت أم أحد أقربائي تراقب و تترقب الأمور؛ عين على ابنها و عين على المجنزرات و الآليات الخضراء اللون السوداء القلب.. عندما كان الموت يسري في الشارع المجاور لمنزلهما، أخذ الولد يجهز بندقيته و يشحن مخزنها ببضع رصاصات، لكن بكثير من الألم و الأمل...في هذه اللحظات، أحست الأم أن ابنها و كأنه مكشوف للعدو، فانطلقت عبر الدرجات إلى سطح البيت في خوف على فلذة كبدها، و ما أن أشرف و جهها على السطح من الناحية المواجهة لشارع الموت، إلا و مدفع دبابة جيش الاحتلال ينفث حمم الموت على رأس الأم.........
    ماتت الأم... و عاش الولد
    لا بل
    عاشت الأم... و مات الولد
    لا أعرف ما الذي حصل بعد ذلك من انفعالات و ردود أفعال لم ترقى لمستوى الحدث و لم تتجاوز الفعل بحد ذاته، لا في قوته و لا في أي شيء آخر، تعودنا عندما يقتل اليهود أحداً أن تطلق النساء "زغاريد" الفرح احتساباً عند الله أن الذي قتل شهيدٌ إن شاء الله..في تلك اللحظات، عندما تختلط دموع الحزن على الفراق مع دموع الغضب و القهر، و يأتي صوت "الزغاريد" ليحركهما في صدور تغلي فوق مراجل أنينها يملأ الآفاق، يخرج مزيج من الأحاسيس و المشاعر لا يوصف؟!..
    لا يعرف الواحد في البداية ما هو طعمه، يشعر بلسعة حادة ثم ينقطع الإحساس مؤقتاً، ثم يأتي ذلك الطعم الغريب، لونه أسود، رائحته زكية، إنها متعة لكن ليس كأي متعة، متعة يذوب فيها القلب و ينجلي فيها الهم...
    عاشق فنجان القهوة
    الجمعة 25/4/2008
  • الكلام الهادف
    عضو فعال
    • Apr 2008
    • 650

    #2
    الرد: متعة العذاب في زمن القهر

    أخي الفاضل الأديب أبو غزة
    ما أجملها من قصة ..
    ماذا أفعل لهم؟
    لقد جسدت المشكلة .. ولكنك أوجدت الحل ..
    شكراً أخي الكريم ..
    ونحن نتشوق لجديدك..
    محبك محمد

    تعليق

    • الشاعر لطفي الياسيني
      شاعر
      • Jan 2008
      • 5553

      #3
      الرد: متعة العذاب في زمن القهر

      الاستاذ الكبير الفاضل والاديب الراقي ابو غزة
      تحية الاسلام
      ان كل مفردات ثقافتي لا تفيك حقك
      من الشكر والتقدير
      لك عاطر التحية واطيب المنى
      دمت بحفظ المولى
      تلميذك


      تعليق

      مواضيع مرتبطة

      Collapse

      جاري العمل...