الضباب (1)
تلك الأشعة تتسلل إلى القلوب قبل أن تتسلل إلى الأكواخ المبعثرة حول الشاطئ .. تزرع تلك الأشعة الأمل في القلوب .. فتحركها بعد سبات الليل .. فيخرج الصيادون يترنمون بترانيم الحياة والجد والكسب .. وتحلق طيور النورس في السماء .. تعلو تارة وتهبط أخرى، وتتيمن مرة وتتشاءم أخرى .. كأنها تحكي أسطورة تقلب الزمن .. وتغير الكفة ..
لقد عرف الصيادون التوكل .. تعلموه من الطير .. تغدو خماصاً وتعود بطاناً..
وهذه قوارب الصيد تشق طريقها في البحر .. يحدو أصحابها الأمل .. ويصحبهم القدر.
وهذا العم أحمد في قاربه يسرح بخياله وتفكيره خلف بصره الذي يتوجه إلى ذلك الساحل الذهبي .. الذي على ترابه ولد .. وفيه نشأ .. لم يكن العم أحمد على هذه الحالة إلا لشيء في نفسه .. فهو الذي علم الصيادين عشق الحياة .. كان مع كبر سنة مثلاً للجد والمثابرة والنشاط .. وكان شديد العزيمة والتحمل .. صعب المراس .. حيُّ القلب بما يحمله من عقيدة قوية ، وحب عظيم للدين .. فهو من (حرقيو) القرية التي لا تعرف غير الإسلام ديناً لها..
لم يفق العم أحمد من خياله إلا على صوت أحد الصيادين ينبهه من الخوض في البحر .. لأن الجو مليء بالضباب..
كان العم أحمد يظهر كأنه شبح في خضم تلك الأمواج المستعلية التي تأبى الذل.. وخضم ذلك الضباب الذي يُظهر الشك ويخفي الحقيقة ..
عاد العم أحمد إلى الساحل وهو مشغول البال ؛ فلقد سمع خبراً أحزنه كثيراً .. لقد أبلغه رجلٌ بأن الجيش الأثيوبي المستعمر هجم على إحدى القرى، فأرقوا الدماء، واستحلوا الأعراض، وسرقوا الأموال، وأذاقوا أهلها مرارة الخوف والجوع.. وسمع بأن الجيش المستعمر سيتقدم نحو قريته الصغيرة .. لقد علم المستعمرون بأن (حرقيقو) هي قرية الثوار ... ومنها أوقدت نيران الثورة .. فلذلك أرادوا أن يشردوا أهلها شذر مذر... ويجعلوهم شيعاً .. إنه العداء ..
هذا هو العم أحمد يمدد جسمه المتعب المثقل بالهموم على الساحل .. وينظر إلى السماء .. الضباب كاد أن يجعل من النهار ليلاً .. جاء ليطفئ النور.. الصراع قديم بين الظلام والنور ... حرقيقوغرقت في الضباب ... والعم أحمد غارق في التفكير .. والماضي يعود على الذاكرة .. والبحر يريد أن يلتهم الساحل .. والجبال تمر مر السحاب في تناسق عجيب...






تكالبت على السيد أحمد كل مصائب الدنيا دفعة واحدة فقد تم نعيينه منذ تخرجه في
تعليق