الضباب (2)
أصبح الخوف رداء القلوب وهكذا أضحى وأمسى ... فقد أنتشر الخبر بين الناس كانتشار الشيب في رؤوس الكهول..
أمست نفوس الناس خائفةً مضطربةً ... تهرع إلى النجاة .. فالمستعمرون يقصدون القرية .. فالأمر قاب قوسين أو أدنى .. ولا مفر إلا الهرب بقوارب الصيد .. فالبحر صديق الصيادين .. والهرب هو نجاة الضعيف .. وعار القوي ..
لأول مرة تبيت (حرقيقو)[1] خالية من أكثر أهلها .. فجُلُّهم فرَّ وهرب .. كان العم أحمد مع كبر سنِّه وسفر ولده ممن لم يهربوا .. بل لم يفكر بالهرب .. لقد كان يرى الهرب ضعفاً لا يليق به ..
هدوء الليل يخيف القلوب .. البدر يتصارع مع السحب التي تحاول أن تحجب نوره .. عواء الذئاب يكاد
أن يستجلب اللعنات.
يخوض العم أحمد في بحر أفكاره .. لم يقطع تفكيره المسترسل إلا صوت ابنته الوحيدة تناديه .. ينظر إليها بشوق مشوب بحزن ويقول: ماذا تردين؟ تنظر إليه وتقول: أبي أنت تعلم ما أريد .. ولماذا جئت؟
كانت تعلم أن أباها لم يكن ليخفى عليه مثل هذا الأمر .. وجه بصره المتعب إليها ثم أنزله إلى الأرض وقال: أتردين الهرب يا ابنتي؟
قالت: لا أريد الهرب .. وإنما النجاة..
_ اذهبي إلى حيث تشائين .. خذي أمك واذهبا إلى (مصوع) .. والله يحفظكما ويرعاكما.
_ وأنت يا أبتي .. ألن تأتي معنا..
_ أنا .. هل يهمك أمري؟!
_ لا تقل ذلك يا أبي .... وسقطت تقبل يديه وهي تبكي.
_ كفاك يا ابنتي .. أنا أعلم ما تريدين .. ولكني لن أتزحزح من أرضي .. إنك تعرفين أني وعدت البحر ألا أفارقه .. البحر لم يغدر بنا أنغدر به .. لن أهرب أبداً ..
_ إنهم مسلحون وأنت أعزل.
_ لا .. فأنا مسلح بالإيمان واليقين.
_ لن يرحموك .. فهم لا يرحمون.
_ ما سيكون هو عين القضاء .. فلمَ الجزع.
_ أرجوك يا أبي .. لا تدخل معركة أنت فيها خاسر.
_ من قال ذلك .. إن مِتُّ مِتُّ شهيداً .. وإن عشت عشت حميداً ..
سكتت وأخذت تبكي ..
أنزل رأسه وقال مخاطباً لها : هيا يا ابنتي أعدي نفسك للرحيل غداً إلى مصوع وأخبري أمك بذلك .. هيا ..
وفجأة يرفع رأسه ويقول : ما هذا الصوت؟!
_ إنه طلق الرصاص .. إنه صوت المدافع .. إنهم الأعداء (قالت بارتباك وذهول)
_ أخ .. فعلوها ..
صوت اندفاع الباب وإمرة تصرخ وتقول: أحمد .. أحمد .. لقد هجم المستعمرون من اليابس والماء ... لقد حاصرونا.
_ اهدئي يا أم حسين .. فلا مفر .. ولكن خذي ابنتك واختبئا..
ثم نظر إلى ابنته وقال: هيا يا ابنتي قومي مع أمك .. واختبئا خلف الكوخ فهناك مخبأ صغير تعرفه أمك.. هيا قومي معها..
تجهشان بالبكاء وتقومان وهما مرتبكتان..
وقام العم أحمد لكن إلى الصلاة.
هدير الرصاص وسيل القذائف يخيف القلوب .. ويزعج هدوء الليل .. ويحيل ظلامه إلى نور .. نور هو عين الظلم .. وعين الظلام.. نور يأخذ بالأبصار بل بالأرواح .. ذلك الهدير تصحبه صرخات الأبرياء تُكتب بالدم .. وتلحقها أنات تحت أنقاض الهدم ..ومع كل ذلك العم أحمد يصلي.. فجأة .. يُفتح باب الكوخ بقوة .. وقفوا أمامه بسلاحهم .. لكنه لم يتحرك .. قال أحدهم: إنه متدين خرافي[2] ..
أخذوا يصرخون في وجهه، سألوه: من أنت؟ لكنه لم يرد عليهم .. كان يعيش لذة لو عرفوها لقاتلوه من أجلها .. لكنهم لا يعقلون .. رفع أحدهم سكينة وغرزه في قلبه مرات .. ظنوا أنهم وصلوا إلى يقينه .. لكن هيهات .. سقط العم أحمد قتيلاً .. وخرج الجند يسعون في الأرض يسعون فساداً ..
واحتجب البدر خلف الضباب .. الضباب الذي أراد أن يحجب النور .. وأضمحل النور .. وساد الضباب ..
[1] _ هي قرية تقع على الساحل الأريتري.
[2] _ هذه فكرة الاشتراكية أن الإله خرافة .. والدين أفيون الشعوب .... ( كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).









تكالبت على السيد أحمد كل مصائب الدنيا دفعة واحدة فقد تم نعيينه منذ تخرجه في
تعليق