فلسفة الحب
هو رجل مسن له لحية بيضاء صغيرة .. وفي وجهه سمة الحزن .. تلك السمة التي تزيد جمالَهُ وقاراً .. وعلى جبهته تجاعيد خطتها يد الزمان كأنها تكتب ذكرياته وتجاربه الماضية .. ويزيد من سكونه إطراقة رأسه .. فهو عاكف على الرسم .. فتارة يرسم أزهاراً .. وتارة يرسم مسجداً .. وتارة يرسم عيوناً جارية .. أو دموعاً متساقطة .. وكلما انتهى من رسم انتقل لغيره ..
كان لا يكلم أحداً إلا إذا كلمه فيرد على تلك الكلمة بمثلها .. وكان كلامه خليطاً من العربية والفارسية .. ومع ذلك كان السامع يفهم كلامه من نظرات عينيه البريئة الصافية .. وكان العم حيدر في بعض الأحيان يتظاهر بالنوم.. وهو في الحقيقة ليس بنائم .. وتظنه لا حِراك فيه .. وقلبه يضطرب .. كنت أعلم من حركات صدره عند شهيقه وزفيره أن قلبه مليء بالجروح التي كان يُنكِؤُها أحياناً شعور الغربة والوحدة ..ذلك الشعور الذي يُقَطِّع أوتار القلب تقطيعاً ..
دخلتُ عليه مرةً فتظاهر بالنوم فتظاهرتُ بالانشغال عنه .. ثم وجهتُ إليه نظرة رأيته يبكي ويئنّ .. قلت له: ماذا يبكيك؟ قال لي: يا بني إنَّ قلبي مليء بالجمر الذي يستره الرماد، وأي هواء يُشعل النار من جديد. فسكتُ .. ولم يكن جوابي إلا دمعتين أظن أنها تُطفئُ شيئاً من نار قلبه.
سألته مرةً ما هو الحب؟ نظر إلي بعينيه المتعبتين وابتسم وقال: أَتُحِب يا بني؟ قلت له: لا .. قلتها بارتباك .. فقال: كذب من قال أنه لا يحب .. يا بني الحب شيءٌ جبلت عليه النفوس .. فهو فطرة الله التي فطر الناس عليها .. ولا تبديل لخلق الله .. أما ما هو الحب؟ فهو شيء يحسه المرء، ولا يعبر عنه .. لأن المرء لا يعبر عن ذاته .. ولا يعبر عن أحاسيسه .. والتعبير عن الإحساس فيه نقص .. الحب هو ميلٌ قلبيٌّ يهفو إلى المعاني أكثر من الذوات .. يهفو إلى تجسيد المعاني.. فكل حبٍّ من أجل جمال ظاهر أو مال هو زائف يظهر زيفه .. هو دينارٌ مطليٌّ ما أسرع ما يظهر صدؤه .. بخلاف الحب الحقيقي .. الحب الذي يعتمد على المعنى .. وهو اندماج الأرواح بل توحيدها .. الحب يا بني هو شعور بالنقص .. هو البحث عن الكمال .. هو الشعور بأنك ناقص .. لقد قال أفلاطون : الحب هو الخروج من اللاوجود إلى الوجود .. ثم نظر إلي وقال: أكان أفلاطون محباً؟ .. نعم لقد كان محباً لكنه لم يجد التعبير .. سيطر عليه عقله .. لقد أراد أن يقول: أن الحب هو الخروج من الأنانية إلى الإيثار .. وأنه الشعور بلذة الحياة بعد فقدانها .. المحب يا بني ينسى نفسه .. يُؤثر محبوبه بكل شيء.
لا أعرف الحب إلا أنه قدرٌ ..... يفنى المحب به شوقاً بمن عشقا
هو الفناء من أجل الوجود الحقيقي .. هذا هو الحب..ثم نظر إلي وقال: لا يعرف الحب إلا العاشقين .. ولا يعرف اللذة إلا من ذاق حلاوتها .. قلت له: لكني أسمع عن عذاب المحبين .. عن جحيم الحب .. عن نيرانه .. نظر إليّ وقال: يا بني الحب له لذة إذا كان في الواقع وساعدك القدر .. أما إذا كان من طرفٍ واحدٍ، أو كان في خضم بحر الخيال؛ فحينئذٍ تشعر بنيران الحب، وتعيش بين هموم المحبين .. فإذا بلغت درجةً ترى فيها خيالك حقيقة فهذا الوهم .. وهو الذي يؤدي إلى شرفات الجنون..
(الحب عذاب) عبارةٌ لا تفتأ ألسنة المحبين عن ذكرها .. هو عذاب بل جحيم .. لكنه نار تُحرق كل شيء ما عدا المحبوب .. مع أنه السبب في اصطلائها .. يتعب البدن .. وتسهر العيون .. وتضطرب النفس .. ويخفق القلب ..
عجبت لتلك النار مع شدة اشتعالها تطفئها نظرة ود أو ابتسامة رضاء أو حتى سماع صوت .. ما ألذ الوصل بعد الانقطاع .. وما أحلى لذة الحب بعد انطفاء نيرانه..
ثم قال بعد نفس طويل: آه.. آه .. المحب يُعذبه محبوبه لكنه مع ذلك العذاب لا يستطيع بغضه أو كراهيته لأنه يحبه .. هو يراه مُحِقاً في ذلك .. فلا يزال يتقرب إليه .. حتى يصل أو يهلك دونه .. إنه يهرول خلف سراب يحسبه ماء .. وهو هباء - مدّ بها صوته - ثم عاد لإطراقه وسكونه.
قلت له: كيف يتحمل المحب هذا العذاب .. ومع ذلك يسير خلف ذلك السراب؟..
رفع رأسه وقال: إنه الأمل .. ذلك النور الذي يشع في الظلام .. تلك الشعلة التي تجعل الإنسان يرى قُرب تحقق ما يرجوه .. ويجعله يُطمئن نفسه بقرب النهاية .. يُحِسُّ باليأس ولا يشعر بالتعب ..
قلت له: ما الفرق بين الأمل والخيال؟ قال: الأمل هو ومضة حق .. ومضة صدق .. لكنها ليست دائماً حقاً .. وليست دائماً صدقاً .. لكنه ضرورة من ضرورات الحياة .. لا يستغني عنه أي كائن حي .. فهو جزء من الحياة .. أما الخيال فهو بحر الكذب الحلو .. هو البحر الذي يغرق فيه الغريق وهو يضحك .. وهو يتلذذ بالغرق .. هو بحر هلاك الحقيقة وانتهاء المستحيلات .. لكن قد يكون الأمل والغلو فيه سلم الصعود إلى الخيال ..أو هاوية ترديك في خضمه العميق.. هذا هو الفرق ..
ثم أخذ يتحرك يُمنةً ويُسرةً .. ثم عاد إلى سكونه كأنه أرضٌ هامدة .. أو صخرة جامدة .. علمت حينئذٍ أنه متعب فانسحبت برفقٍ وتركته على إطراقته..














تعليق