من حكايات جدتي ،،
رثاء الزمن الباسم ،،
زمان ،، كان أبهى ،، كأنه رسم بريشة فنان ،، كل الدروب و الأزقة تؤدي إلى بعضها و تلتقي في ساحة سحرها الأمان ،،
هناك حيث الساقية
و السوق ،، حمَّام و كتاتيب القرآن ،،
ولا تنقطع منها التحية
و السلام ،،
كانت أسمائها مألوفة و تدل على الطيبة و بساطة أهلها ،، و كانت كل الدور تلحفها أشعة الشمس و لا تغرب
إلا في المساء ،،
زمان كنت تشاهد الطيور تحلق قريبة ،،
لأنها كانت بيننا تشعر بالآمان ،،
كانت تحط في كل مكان
و كانت تتأمل وجوهنا
و ملابسنا و نقاب النساء ،، لم تكن تغادر الأشجار ،،
لأن الأمس كنا نسميه زمان ،،
حيث أخلاقنا كانت مَنَاعَة
و أنجع مضاد ضد الأمراض ،، كانت مياهنا عذبة
و كان الحيض يجفف
في حياء ،،
و لم تكن البكارة تباع
أو تخاط في الخفاء ،،
حتى الأعشاب لم تكن تداري جثت الأطفال
أشلاء مبثورة هناك متركة في الخلاء ،،
كان العزف ينطق أوثار العود و يُدَوِّي الكمان ،،
كانت كل الأغاني تُدَرَّس ،، تطرب بل تدغدغ مشاعر الإنسان ،،
كانت كل الألحان تنتهي بالبكاء ،،
آه عليك يا زمان ،،
كيف طاوعت الرحيل ،،
و فاضلت الغياب ،،
نسينا الحلقة و رقص القرود ،، كيف كنا طيبين ،،
يجمعنا الزمر على إيقاع الطبل و شطحات الثعابين ،، كيف صدقنا الخوف
و كيف كانت دباغة الجلود ،،
هناك كان الراوي و هُناك الحاوي كيف كانوا حولنا مجتمعين ،،
كيف نسينا البحور و عِلمَ العروض ،،
حين صرنا وقحين
لا نحفظ السر و العهود ،، حين غابت عنا ملامحنا
و اختلت فينا الموازين
و حمرة الخدود ،،
كنا بسطاء ،، نُجامل بعضنا في الأعياد و نجتمع على الذبيحة في الأفراح ،،
هكذا سهلة الحياة كانت
و هكذا كنا بلا ديون
قبل أن تفلسنا القروض ،،
كم كنت لطيفا كالحمَل وديعا يا زمن وفيا بالعهود ،،
دون الفولاذ و سياج الحدود كل الربوع أرضي
و كل العرب إخواني ،،
كان الحلم جميلا و كان الوجه صبوحا ،، و كل البلاد أوطاني ،،
كيف كانت مسارحنا
بلا ستار دون شجار ،،
وكم من حكايات سردت على ناصية الزقاق ،،
عرفنا سَمْعا شهريار
و كيف ماتت شهرزاد ،، تناولنا العقد الفريد
و كم تهكمنا على شخصيات ابن المقفع ،،
و تابعنا القصص هناك
و كم كانت كليلة و دمنة تسلينا رغم أننا لم نفقه أنهم كتبوها ثورة ،،
نظمت بالحرف على قافية الفساد ،،
هكذا كنا و كانت أيامنا ،،
و هكذا كان جحا بيننا ،، حين تناول الحياة و كشف العجب ،،
و سخر من الحكام و ولاة العرب ،،
حين باع الحمار مرتين ،،
و كتب التاريخ هزلا
على أوراق العنب ،،
نامت جدتي ،، و ستكمل الحكاية ،،
حكيم البورشدي
