كافـكا هذا الروائي الغامض
في بدايات القرن العشـرين انقسـمت الرواية من حيث المضمون إلى قسـمين متنافرين ، الرواية السـيكولوجية ، والتي كان يمثلها بجدارة ( ديسـتويفسـكي ) ورواية الموقف التي كان سـيدها بلا منازع ( كافكا ) ، واقتضى عصر الحداثة أن تكون الرواية أكثر التصاقاً بهموم المجتمع .. وأدق تعبيراً عن معاناته اليومية .. فخرجت روايات ديسـتويفسـكي عن الواقع المعاش رغم واقعيتها إذ أنها ابتعدت عن الواقع الأقرب إلى الحياة اليومية في حين أخذ الاهتمام ينصب على الإنسـان العبثي الذي يعيش بعيداً عن رتابة الحياة في عصر كتاباتٍ حديثة ، يُعد كافكا هو نبيه الأوحد .. عظمة كافكا وأهميته تكمن في أنه اخرج الرواية من كلاسـيكيتها وخلصّها من العنصر الشاعري والوصفي الخالص الذي لم يكن يرى فيه سوى تنميق زائف وشكل ٍيغوي عشـاق القص اللغوي فقط وسرد الحكاية بحامل ٍزائف هو اللغة السردية ، والإسهاب الوصفي ، والتلاعب بالألفاظ على حساب رؤية المستقبل ومعاناة الناس .. وآمالهم في الوصول إلى حياة أفضل من خلال الشعور بالذنب والتقصير تجاه تاريخ لم يساهموا فعلاً في تغييره ، كافكا خلص الرواية الحديثة بفطنة نادرة من المادة الرخوة التي تموج وتسـتلم تحت ضربات مبضع التحليل الممل وكثافة اللغة الغليظة التي يصعب تفكيكها فتبقى شـكلاً جميلاً من الخارج ولكنها لا تصب في ماعون العصر القلق المتغير ... المتسـارع
تقول ناتالي سـاروت : " إن روايات كافكا بصلابتها وعدم شـفافيتها حافظت على عقدتها وكثافتها الداخليتين واللتين منحتا هذه الرواية قوة نفاذ تسـمح لها ، ليس بالوصول إلى الأرجاء السـطحية والعقيمة من أدراك القارئ فحسب ، ولكن إلى تلك الأرجاء الخصبة اللانهائية والخفيّة التي لا تحميها الروح الحسـيّة .. " انتهى كلام سـاروت
ـ لن أخوض هنا كثيراً في صفات الحداثة التي درجت عليها كتابات كافكا .. فالمقام يضيق لو
أردنا الاحاطة بكل ما يتعلق بهذه العبقرية الفذة .. ولكن لابد من القول أن سـمة الحداثة التي كانت
تفيض في كل كتاباته ، التي اتسـمت بالسـهولة رغم تعقيدات اللغة الألمانية التي كان يكتب بها ، ورغم تأكيده مراراً أن اللغة لا تقل أهمية عن الأفكار ولكن الأفكار هي الغاية التي يجب أن تترجم بالنهاية بما يتناسـب مع مفاهيم واحتياجات العصر ..
ومن خلال مقالات عدة محليلين وكتاب عالميين أسـتطيع أن أوجز حقيقة ثابتة فيما يتعلق بلغة كافكا في رواياته ..
إن كافكا كان يحتقر بشـدة الحيل الرخيصة ، واسـتخدام الألفاظ والتراكيب اللغوية المعقدة ، ويعتبر الشـغل على اللغة إذا كان خلفه محاولة لإثبات قدرة الكاتب على إثبات رقي لغته أنما هو غش رخيص لا يلائم الانقياء .. فلغة كافكا نقية نقاء البلور وهي لغة صحيحة وواضحة ومطابقة جداً للموضوع رغم غموضها من خلال الأحلام والرؤى ذات الأعماق اللانهائية ..
ويقول ماكس برود : " لغة كافكا نقية نقاء البلور تتدفق تحت سـطح هادئ ما أن يحملق بها المرء حتى يأخذه سـحر الجمال والتفرد " ( انتهى قول برود )
ومن المدهش في لغته البسـيطة أن أحداً لا يسـتطيع أن يتلمس هذه الخصوصية في تلك الجمل المفككة أحياناً وبأشـكالها العفوية ، فلغة كافكا تسـتطيع تذوقها بلسـانك وتشـم عذوبة رائحتها بأنفك وتلمس رقتها وخشـونتها بذؤباتِ أناملك ..
فإيقاع اللغة هو الذي يسـود جو القراءة ، والفواصل والوقفات القصيرة بين الجمل لها معيار خاص .. لا نعرفه نحن في كتابات الروائيين العرب .. إنه أكثر أنواع الاقتراب من الكمال في الشكل البسـيط المغرق في التعبير عن الذات الخاصة والعامة ..
كافكا واليهودية
أثارت مسـألة ُانتماء كافكا الديني وهويتهُ السـياسية لغطاً كثيراً وجدلاً لم ينته بعد .. ونظراً لعدم حسم هذه المواضيع فسأحاول هنا أن أكون حيادياً ، وأن أرقب عن كثب بعض الكتابات الهامة في هذا الموضوع كي أرصد خفايا قد تستخلص نتيجة تقاطعات عدة في هذا المجال ..
( شـكراً لتكنولوجيا نقل المعلومات اليوم التي تتيح للقارئ التجوال في هذه المحيطات من المعلومات دون أي عوائق .)
سـأعرض بعض الاضاءات الهامة في هذا الموضوع وعلى المتلقي اسـتخلاص النتائج ..
ولد فرانز هيرمان كافكا في براغ عام 1883 يهودي الأب والأم .. ولم يبدأ الكتابة إلاّ في بدايات عام 1911 ولا يشك أحدٌ أن أكبر قدر ٍمن شهرة كافكا إنما تعود بالفضل إلى صديق عمره ماكس برود اليهودي والصهيوني الملتزم ( وهو الذي هاجر إلى فلسطين عام 1935 وعاش في تل أبيب ومات فيها عام 1968 ).. وقد أراد برود أن يطبع كافكا بالطابع اليهودي البحت وأن يربط كل كتاباته بلا استثناء بهوية ٍيهودية وصهيونية أحياناً فلقد قدم ماكس برود كافكا في ختام روايته القلقة التي نشـرها برود نفسـه بعد وفاة كافكا على أنه ( عبقرية يهودية ) .. وتمادى ماكس برود في هذا المجال .. ففسر نهايات رواياته إلى حالة اليهود المنبوذين في أوربا إذ أنهم سـيتم كنسـهم كما في نهاية رواية ( المسـخ ) أو الصرصار ، عندما تحول ( جيرجورسامزا ) إلى حشـرة وتم كنسـه إلى الخارج .. وأن حالة الشعور بالذنب الدائمة التي كانت ترافق كافكا في كل حياته والتي لا مسـوّغ لها ولا مبرر ملموس لوجودها ، وإصراره على القبول بالعقاب لقاء ذنبٍ مجهول .. أنما هو برأي برود تصوير رائع لحالة الظلم التي يعيشها اليهود في تلك الحقبة من الزمن .
إن كتابات كافكا لم تنل شهرتها الواسعة قبل وفاته وبدأ نجمه يعلو ووضع في مستوى الكتاب العظام في الأربعينيات والخمسينيات فيقول Auden ( أودن ) وهو معروف بعطفه على مسالة أقامة وطن قومي لليهود " إن كافكا هو بطل ديني برتبة نبي يصارع المغريات من أجل عقيدته اليهودية وهو واثق تماماً من السـماء ومما يتجاوز الخبرة البشـرية .. "
وقد ربط ( أودن ) هذا الكلام بكلام ٍسابق رفع فيه كافكا إلى مصاف الأسماء التي شمخت في العصور السابقة إذ يقول :
" ولو طلب منا أن نذكر اسم كاتب ارتبط بعصرنا بنفس العلاقة التي ربطت دانتي وشكسبير ، وجوته بعصرهم فإن كافكا هو أول من نفكر فيه .
( من كتاب Franz KAFKA Today –w.H .Auden )
وبول كلوديل كان يرى أن كافكا يهودي قد تملكه اليأس بسبب رفضه لغفران المسيحية . ألاّ أن كلوديل نفسه قد امتدح كافكا بأبلغ العبارات . ولا ننسَ كلمته المشهورة عن كافكا حين قال :
" هنالك كاتب يجب أن أرفع قبعتي أمام اسـمه دائماً هو فرانز كافكا . "
وكثيرون من الكتاب وأدباء أوربا وأمريكا أدهشهم كافكا .. ولا ينكر أحد فضل برود في ذلك .. ونستطيع أن نشـم رائحة الاستغلال الصهيوني لظاهرة يهودية فذة مثل كافكا بتجير أعماله لخدمة أهدافها والتأكيد على أن كل ما كتبه كافكا أنما كان يصب في دعوة اليهود للمطالبة بوطنهم القومي الشرعي .. وهنالك الكثير من الرسائل التي تبنى نشرها برود فيما بعد تبين بوضوح مثل هذه الدعوة .. وهي رسائل أرسلها كافكا إلى حبيبته الأولى ( فيليس بارو ) التي تعرف عليها في منزل صديقه برود وكان يحثها دائماً على متابعة ما يدور في البيوتات الصهيونية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت في كل أوربا وعلى وجه الخصوص في النمسا .. وفسـَّر مارتن بوير بري هجوم كافكا على العناية الإلهية ـ إن صح هذا التعبير ـ أنه ينطلق من خلال الإيمان بوحدة إسرائيل ، ويستطرد بوير مؤكداً :" وقارئ كافكا يستطيع بسهولة تلمس هذا الاتجاه في كل كتاباته "
ولكن القارئ يستطيع أن يستنتج موقفاً مناقضاً تماماً لأية رؤيا دينية سماوية بحتة في رواياته والحق يقال أن معتقدات كافكا لم تعرض مطلقاً في أعماله الروائية لكنه يستعرض نزعته الفكرية ولا شيء يدل حتى في يومياته المبعثرة أو في تلك المجموعة التي سميت " تأملات في الخطيئة ، العذاب ، والأمل ، والطريق المستقيم " والتي قد تكون الأقرب لإجراء تحقيق فعلي لمعتقداته إلا أنك لا تجد شيئاً ملموساً يدل على تعلقه الشديد بهويته الدينية . ومن ناحية آخرى وفي بعض رسائله وأقواله المنشورة في صحف ومجلات أدبية كثيرة تجد دعوة صريحة لضرورة عدم اندماج اليهود في المجتمعات الأوربية أنما التجمع والتوجه إلى أرض الميعاد التي وعد الرب اليهود بها على حد زعمهم ..
وهذا الأمر هو جوهر الخلاف القائم دائماً بينه وبين أبيه ، ذلك التاجر الذي كان يحتقر كتابات كافكا ويهزأ من أفكاره ولعل إبداعات كافكا وإصراره على التمييز كان ليقنع أبيه بأنه كاتب مهم .
وهنا نخلص إلى نتيجة أن كافكا كان منقسماً على ذاته .. ومتناقضاً في تأملاته العقائدية ويعاني انشطاراً عميقاً في هذا المجال ويربط إيمانه بما يسـميه الآفاق القلقة للإنسان الشرير . لأن هذا الإنسان يعتقد أنه يعرف الله بمجرد معرفته الفرق بين الخير والشر .. بينما هذه المعرفة هي السبيل إلى تدميره .. وهي معرفة مزيفة غير حقيقية مرتكزة على ثوابت وهمية .. ولا يمكن أن يتحقق الإيمان أبداً عن طريق زيادة المعرفة فقط ( مختطفات من مذكراته ) . ونجد في حادثة جلد الحارسين في رواية " المحاكمة " ارتباطاً وثيقاً بهذه الفكرة .
ففي رأي " K " ـ بطل الرواية ـ أن الخطأ قد وقع في حقه هو ، وأنه عرض شكواه في المحكمة أثناء استجوابه ، إلا أن الذي حدث هو عكس ما توقعه تماماً ، فقد تم جلد الحارسين جلداً قاسياً ، وكان كلما يفتح باب غرفة المهملات يجد الحارسين هناك ..
فهنا يريد كافكا أن يقول أن الرغبة في العدل توحي بالظلم ورغم أن كافكا يبدي إنسانية واضحة في اعتراضه على هذا الظلم ولكن المدهش ، أنه حين يرى عملية الجلد المؤلمة لا يبالي بهذا العذاب الذي يتعرض له الحارسين . وكان " K " يحاول دائماً أن يبقي هذا الشعور طي الكتمان .
ولدى كافكا فكرة مختلفة في مسألة تبرير الخطايا في حياتنا الأرضية إذ أنه يقول :
" إن خطايا حياتنا الأرضية لن يتم نسيانها ، أو التكفير عنها ، أو التطهر منها بواسطة العذاب ولكنها وبكل بساطة سوف تبرر في النهاية .. وسيكون لهذه الخطايا مسوغ لاقترافها . "
وهذه فكرة بعيدة عن مبدأ العقاب والثواب الذي تطرحه كل الأديان بما فيها الديانة اليهودية .
أما فيما يتعلق بالجنة .. فيقول : " إن علامة سقوطنا الحقيقي هي في عجزنا عن إدراك هذا الفردوس الساكن فينا دائماً .. " نحن موجدون في الفردوس دائماً سواءً عرفنا ذلك أم لم نعرفه "
وهذا أيضاً مساير لفكرة أخرى يقول فيها : " إن الإيمان يمكن إظهاره بالثبات على الأعتقاد بأن حياتنا الراهنة سوف نجد ما يبررها بالأبدية
والغريب أن هذه الأفكار التي وردت في مذكرات كافكا لم تظهر في رواياته إذ أن كل رواياته وقصصه لا يمكن أن تتناول أفكاراً مجردة .. وأكثر ما نجد بها الإحباط والإدانة المطلقة للفرد .. سواءٌ كان بريئاً أو مذنباً .. وقصدت في هذه العجالة أن أوضح بعض أفكاره المجردة .. كي أضعكم في نطاق فهم ما يقصده كافكا بشكل عام في تفسيره للحياة وبالتالي قد يقودنا إلى اعتقاده الديني. وفي سياق حديثنا عن المعتقدات لدى كافكا .. لفت انتباهي مقولة لديه تتشابه إلى حدٍ بعيد مع تفسيرات المعتقدات الدرزية التي تقول " أن الإنسان يتكرر متناسخاً على هذه الأرض حتى تنقى روحه فيصعد للاندماج بنور الخالق " إذ يقول كافكا :
" الرغبة بالموت هي أول علامات البدء بالاستنارة ، الشعور بأن الحياة ليست محتملة ، والحياة الأخرى التي يصعب الوصول إليها ، تجعل الإنسان لا يخجل في طلب الموت .. فهو يهفو إلى الخروج من هذه الزنزانة التي يكرهها إلى زنزانة أخرى مختلفة .. وغير معروفة .. وخلال تنقله من زنزانة لأخرى لأبد أن يراه الله في أحد تلك الممرات خلال مرحلة الترحال وينظر إلى هذا السجين في هذه الأرض ويقول : " هذا الإنسان لن يسجن ثانية وعليه أن يأتي إلي "
ولعل هذا يفسر ما نراه في رواية القلقة " فبقبول ( جوزيف كافكا ) للموت هو بمثابة الخروج من التفصيلات وعذاب الحالة التي أوجد نفسه فيها ، وقبوله بذنبٍ مجهول إنما يدل على أن هذا الذنب ربما ورثه من حياة سابقة يجهلها تماماً .
وكما مر معنا ففي هذه العجالة لم تظهر معتقدات كافكا الدينية عميقة كما صورها ماكس برود وآخرون لا يمكن استنتاج عقيدة ثابتة له فتناقض أفكاره في هذا المجال يحول دون ذلك .. ويجعلك تقف حائراً .. ولكن من المفيد القول أن لكافكا موقعاً خاصاً اسرئيلياً على الإنترنت يفيض في الكلام عنه كيهودي بل أحياناً يصل به إلى درجة النبوة في تبنيه للمسائل اليهودية ... ويعرض هذا الموقع صوراً ومشاهد .. وإثباتات توحي باعتناقه الأفكار الصهيونية ودعمه المطلق للدعوة إلى وطن يهودي في فلسطين وبنفس الوقت تجد في هذا الموقع مديحاً بكافكا لا يقل شاناً عن مديح الحركة الصهيونية بروتشلد أو بلفور
وبقي أن نقول في هذا المجال :
" إن طرح كافكا من قبل آخرين كأهم كاتب حلل وعالج القلق اليهودي وأنه أحد المبشرين بفك طوق الفيتو عن يهود العالم والدعوة إلى الوطن التاريخي الموعود لهم " وقد ساهم إلى حدٍ كبير في انتشاره بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الأدب الحديث في أوربا وأمريكيا ..
وتسـابقت دور النشر في العالم لتبني كتبه ونشـرها بملايين النسـخ مما حقق لهذه الدور أرباحاً خيالية ..
ولكي نعطي فكرة ولو سريعة عن بعض أعماله دون الغوص العميق في تحليلها أرى توجيه إضاءات مختارة على بعض أعمال هذا الروائي الأهم في مساهماته المتميزة بنقل الرواية إلى آفاق جديدة في القرن العشرين عليّ أعطي قليلاً من الكثير .. الكثير الذي يمكن أن يكتب عنه ..
نشر لكافكا حوالي 40 قصة قصيرة .. لا تتجاوز مائتي صفحة ، وكان دائماً متردداً في نشر قصصه .. وسلم كل نتاجه الباقي إلى صديقه ماكس برود طالباً منه عدم نشرها لأنها لا تستحق النشر .. لكنها دعوة مبطنة إلى النشر .. وقد أقر أن بعض ما كتب يستحق فعلاً النشر منها مثلاً : الحكم ، المسخ أو الصرصار ، في مستعمرة العقاب ، فنان جائع .. بالإضافة إلى قصة القلعة والمحاكمة اللتان نشرتا بعد وفاته عام 1924 ، وأخذت لقطات من قصصه أو رواياته مع بعض الدلالات والتحليلات الأولية : وإليكم مقطعاً من قصته " مستعمرة العقاب "
يزور أحد الباحثين العابرين المستعمرة ، ويلتقي ضابطاً مسؤولاً عن آلة غريبة ، ولدى سؤاله عن كيفية عملها يشرح له الضابط ذلك فيقول : " تتكون الآلة كما ترى ، من ثلاثة أجزاء ، وبعد مدة من استخدامها ظهرت الحاجة لتسمية كل جزء من أجزائها بأسماء متداولة ، فسمّي الجزء الأسفل ( بالسرير ) والأعلى ( بآلة نقش الحروف ) أما هذا الجزء الأوسط فسميناه ( المسويّة ) .
صاح الباحث : " المسويّة "
فأجابه الضابط : " أجل المسويّة ، اسم ملائم أليس كذلك تماماً كأسم آلة تسوية الأرض ، ولها كما ترى نصالٌ مسننة كما في تلك الآلة ، ووضعت بذكاءٍ شديد في مكان واحد ، وأنا متأكد أنك سوف تتفهم عمل هذه الآلة بشكل سريع جداً . فالمحكوم عليه بالإعدام ، يوضع فوق السرير ، سوف أصف لك الآلة بشيءٍ من التفصيل قبل تشغيلها ، حتى يتسنى لك متابعة خطوات عملها بصورة أدق . هناك ترساً في آلة نقش الحروف قد تآكلت أسنانه ، وأصبح يصدر صريراً عالياً أثناء حركته بحيث يصعب على أي منا أن يسمع كلمة مما يقوله الآخر ، ولسوء الحظ فإن قطع التبديل يصعب الحصول عليها هنا ، لابأس ، ثم أن هذه المنضدة ، كما قلت لك ، مغطاة تماماً بطبقة من القطن ، وسوف نعرف سبب ذلك فوراً . فالمحكوم عليه يوضع فوق هذا السرير القطني وهو مقلوب على بطنه ، عرياناً بالطبع ، هذه أربطة اليدين ، وهذه أربطة القدمين ويلك للرقبة كي يتم تقييد حركته ، وهنا عند رأس المنضدة ، حيث يرقد المحكوم مقلوباً على بطنه ، توجد هذه القطعة من اللباد ، حيث يمكن تجهيزها بسهولة لحشرها داخل فمه ، حتى يمكن منعه من الصراخ أو من عض لسانه ، لابد للمحكوم أن يأخذ اللباد في فمه طبعاً ، كي يمتد رأسه للأمام ، وإلا فإن سير الآلة سوف يكسر عنقه "
وهنا سأل الباحث الزائر وهو ينحني بقامته : " أهذا صوف قطني " فأجابه الضابط وهو يبتسم : " نعم تحسسه بنفسك " ثم أخذ يد الباحث وراح يحركها على المنضدة :
ـ " أنه صوف قطني معالج بطريقة خاصة ، ولهذا يبدو مختلفاً ؟ سوف أخبرك بضرورة ذلك
فوراً "
أما الباحث فقد استولت عليه الدهشة ، ووضع يديه على عينيه حماية لهما من الشمس وهو يتأمل الآلة ، أنها جهاز كبير ، فالسرير وآلة النقش متساويتان في الحجم ، وهما يشبهان صندوقين سوداويين ويبلغ ارتفاع آلة النقش ستة أقدام فوق المنضدة ، وكلاهما مربوطتان في الأركان الأربعة من الآلة بقبضتان من النحاس الأصفر اللامع ، وبين الصندوقين توجد آلة الإعدام ، مربوطة بشريط من الصلب ..
نلاحظ هنا ومن خلال وصف الضابط للآلة ، تلك اللامبالاة الكاملة إزاء عملية التعذيب نفسها فهو يصف آلة التعذيب والموت هذه وكأنه يروّج لبيع سلعة ما أو آلة لمصنع . ومن الحوار لا يبدو أن أياً من الضابط أو الباحث كان مهتماً بما سيحدث للسجين أو يمكن أن يتعرض له جسده من عنف وعذاب وما سيعانيه من آلام ، والأهم في الأمر أن ما يتم وصفه ليس شيئاً متخيلاً أو سيتم صنعه إنه آلة حقيقية .. واختراعاً قائماً على الأرض ..
وهنا لنا أن نتخيل القارئ ما سيصيبه من توتر حين يتخيل مراحل العذاب التي سيمر بها السجين . ولكن ذلك التوتر سيتصاعد مع لامبالاة الضابط حين يشرح للباحث طريقة عمل هذه الآلة الجهنمية .. فيقول :
ـ " هل تفهم طريقة عملها ، تبدأ آلة نقش الحروف بالكتابة وعندما تنتهي من حفر الطبقة الأولى من النص على ظهر السجين فإن طبقة الصوف تدور ببطئ فتقلب السجين على جنبه ليتيح لآلة النقش مساحة فارغة جديدة ، وفي نفس الوقت ، فإن الجروح التي انفتحت في الجزء المكتوب توضع على الصوف القطني ، الذي سيقوم بدوره بإيقاف تدفق الدم وذلك بفضل التقنيات في معالجته كما قلت لك وبذلك يسمح لإعادة الكتابة على مستوى أعمق ، ثم تبدأ مخالب الآلة بنزع طبقة الصوف القطني من فوق الجروح وتقذف بها في هذا الخندق ، ثم تبدأ الكتابة مرة ثانية .. وهكذا تستمر الكتابة أعمق فأعمق لمدة اثنتي عشر ساعة ويضل السجين طوال الساعات الأولى حياً لا يشعر إلاّ بالألم فقط ، وعندئذٍ تنزع كمامة اللباد من فمه ، إذ لا حاجة لها حيث أنه لم يعد قادراً على الصراخ ، وهنا في هذا الوعاء الذي يسخن بالكهرباء ، يوضع الأرز المسلوق الدافئ ليأكل منه المحكوم بقدر ما يستطيع أن يلعق لسانه ، ولم يتخلَ أحدٌ من المساجين عن هذا الحق ...
ولكن عند الساعة السادسة مساءً يفقد الرغبة بالطعام ، ومن عادتي أني أركع هنا على ركبتي وانحني لأراقب هذه الظاهرة ، ولا يستطيع السجين ابتلاع اللقمة الأخيرة ، إنه فقط يريدها في فمه ثم يبصقها في الخندق . واضطر للانحناء وإلا أصابت وجهي ، وبعد السادسة يسود الهدوء وترى في عينيه ذلك النعاس ، حتى أنه يغريك أنت بالرقاد تحت هذه ( المهرسة ) ، ليس ثمة شيء آخر ، إذ يأخذ الرجل ببساطة في فك شيفرة النص ، وهم يزم شفتيه ، كما لو كان يفكر في الحروف التي تنقشها على جسده ، أوكد لك أنه من الصعب فك شيفرة النص بعينيك لكن المحكومين يفكون هذه الشيفرة بجراحهم ، هناك عمل كبير ، هذا صحيح ، فالعمل كله يحتاج إلى ست ساعات ، وعندئذٍ تثقبه الآلة مرة واحدة وأخيرة ، ثم تقذف به في الخندق حيث يغوص في الدم والماء والصوف القطني عندئذٍ يكون حكم الإعدام قد انتهى فيجره الجندي إلى قبره ..
هناك لقطات مخيفة في هذا النص .. مثل انحناء الضابط لتفادي بصقة اللقمة الأخيرة ..
إن هذه اللقطة قد صممت بمهارة فائقة لتثير ابتسامة احتجاج لدى القارئ .. بعكس الابتسامة التي سترتسم على وجه الباحث من خلال السياق ..
في هذا النص تجد تفصيلات دقيقة لم نجدها في أية رواية أخرى ، وهذه الحيادية في الأحاسيس تجاه هذا التعزز وهذا العذاب ، وهذا القبول بالعقاب برضى مطلق ، وكأن كافكا يريد أن يؤيد مقولة انتصار المأساة ( The Conquest of tragedy )
فهذا الضابط قد لا يمثل كافكا بالضرورة إلا أن كافكا صورة شخصية واقعية ولكن خارج المعقول فقد تمادى في وصفه للآلة خارج الوعي الإنساني .. وخارج الشعور الأخلاقي .. وجعله واثقاً من إقناعه الباحث بأن الناس بإمكانهم الأكل وهم في أقصى مراحل العذاب .... !
إن قصة مستعمرة العذاب كتبت خلال الفترة بين 4 ـ 18 تشرين أول 1914
في قصة مستعمرة العقاب استطاع كافكا الإمساك بالقارئ من أول كلمة حتى آخر كلمة دون هوادة . وتبقى في ذاكرته رغم رائحة الدم والشعور بالاشمئزاز بين سطورها ، ولعل القصة تكشف حقيقة رؤية كافكا التي تقول : " أنه لا قيمة للمعاناة في عالمٍ خلا من القيم واتسم بالوحشية فأما منا مؤسسة ما تتفنن بترفٍ بتنفيذ حكم الإعدام على الناس .. "
إن كافكا لم يُشر في أي ٍمن رواياته أو قصصه إلى السبب الذي يكمن خلف هذا العذاب وذاك العقاب .. إنما دائماً كان يسهب في وصف أساليب العقاب ومؤسساته .. ويترك أبطاله في شبه حالة مازوخية يستمرئون حالة الشعور بالذنب دون معرفة الأسباب ولا حتى ماهية هذا الذنب ..
مسألة آلة الموت التي أسهب كافكا في وصفها في قصته هذه سبقه إليها إدجار آلان بو في قصته
" الحفرة والبندول " ولكن شقاق بين هذه وتلك ، فقصة بو مفعمة بالعواطف والميلودراما وذات نهاية سعيدة إذ يتم إنقاذ المظلومين في النهاية .. بينما بقي كافكا على حيادية العواطف وأخر ما كان يفكر به أن يتم إنهاء حالة الموت التراجيدية في قصته .. فهي مسألة مستمرة ومتكررة على مدى الأجيال ..
وتناول كثيرون هذه القصة بتفسيرات وتأويلات مغرقة في اللاهوت والتصوف أحياناً فيشبه اوستن وارن Austin Warren العلاقة بين وصية السيد المسيح وحكم الكنيسة فيما بعد ..
بهذه القصة حين يقول :
" الأرض هي مستعمرة العقاب ، ونحن جميعاً تحت حكم الخطيئة في أيامنا السابقة ، الآلة الشديدة التعقيد لإصدار وتنفيذ الأحكام هي آلة اللاهوت ضمن هذا النظام الكنسي البالغ التعقيد ، وهو الذي يدير هذه الآلة ، ورغم أنه الآن في طريقه إلى الاضمحلال ، حيث أن الحاكم القديم ( الله ) قد مات لكن الأسطورة تقبل الرفض أو القبول فتقول : إنه سوف يأتي ثانية . "
تناولت في هذه الدراسة المتواضعة هذه القصة بالذات كونها كتبت في أهم مراحل الإبداع لدى كافكا حيث تأثر كثيراً مع بدايات الحرب العالمية الأولى ..
وكان يعاني من حالة نفسية متردية بعد فسخ خطوبته من ( فيليس باور ) مما انعكس بوضوح في هذه القصة الرهيبة القاتمة .. والتي كتبها خلال أسبوعين فقط .
لا أعتقد أنه من المهم بعد ما أوردت في وريقاتي القليلة هذه أن أسرد سرداً كلاسيكياً عنواين ابدعات كافكا فهي في متناول اليد .. وأتمنى أن أكون قد وفقت في شد انتباه المتعلقين إلى الالتفات يجدية وعمق إلى هذا الأديب الأهم في نقلة الرواية العالمية إلى القص الحديث الذي ما زلنا تائهين في جوانبه بعيدين عن القمة التي سبقتنا إليه الرواية والقصة الغربية ... وهذه ليست نظرة دونية .. ولكنه إعتراف بالقصور ...
نبيل حاتم ..










تعليق