فلسفات العم حيدر (5)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • الكلام الهادف
    عضو فعال
    • Apr 2008
    • 650

    #1

    فلسفات العم حيدر (5)

    نسائم الليل


    هذا الليل بهدوئه العجيب وظلامه المريب .. يُقبل على الحياة فيغير مجراها .. فتصبح الحركة سكوناً .. والضجة هدوءاً .. واليقظة مناماً .. والحقيقة أحلاماً .. والقوة ضعفاً .. والانشغال فراغاً .. والراحة عذاباً .. ذلك التغير السريع يجعل الحكيم محتاراً .. يوهمه أن هذا الليل لم يكن قبله نهار .
    وفي هذا الليل تغيرت نفسي فأصابني انقباض عجيب أفرَّ النوم من أجفاني.. فخرجتُ إلى البساتين أبغي الصفاء بعد العكر .. وما أن وصلت إلى البساتين حتى استشعرت معنى الليل .. ذلك الهدوء الذي يأخذ بالأسماع .. يهفو فيه السمع إلى صوت لكن لا شيء .. وذلك الظلام الذي يظنه الناظر سواد الظلم .. وهو ستر الجمال .. الجمال هو المعنى الوحيد الذي لا ظلم فيه .
    وبينما أنا أتأمل في البستان إذا برجل مستلق تحت شجرة .. يمعن نظره في السماء يتفكر فيها .. خِفتُ منه .. لكن قادني فضولي إلى القرب منه فإذا هو العم حيدر .. ففرحتُ فرحاً شديداً .. وصرختُ بقوة: العم حيدر .. ولكنه لم يرد علي .. عرفتُ أنه يتأمل .. جلستُ عن بُعد أتأمل مثله. ثم ناديته مرة أخرى فنظر إلي وقال: أنت هنا؟ ما الذي أحضرك؟
    قلتُ: أزعجني انقباض نفسي فخرجتُ أبغي الفرج .. ولكن ألا تنام يا عم حيدر؟
    قال: يا بني لم أنم منذ أيام .. وهل ينام العاشقون؟! وهل تغمض عيون المحبين ؟! إنهم في شُغل عن كل ذلك.
    قلتُ له: يا عم حيدر ما هو الليل عندك؟
    قال: الليل هو الوجه الكئيب للحياة .. وهو المشرق لمعانيها .. الليل هو الصفاء .. هو الجمال .. هو الهدوء .. الليل هو شطر العمر .. وشطر الزمن ..وشطر الحياة .. الليل هو انطلاق القيود .. وهو انبلاج الحق .. نعم انبلاج الحق .. لأن الظلام إذا عم كانت نتيجته الحتمية النهاية.
    الليل هو محطة من محطات الحياة .. تلك المحطة يموت فيها الجسد .. ينتهي دوره .. فتعمل المعاني .. محطة الليل يا بني فرسانها القلب والعقل .. فرسانها أرباب المعاني .. في الليل يكون التجلي .. وفيه تهب نسائم الجمال .. وتنطلق زفرات الحب .. وتذرف العيون دموع الندم .. أليس الليل هو المعنى .. هو حياة أخرى لأنه يُحي ما أماته النهار .. يا بني لا يدري معاني الليل إلا من عاش فيه بقلبه وقالبه .. من عرف المعاني وشم شذاها .. وإلا ..

    فكيف يُدرك في الدنيا حقيقته قوم نيام تسلوا عنه بالحُلم

    هذا هو الليل عندي .. هو المعاني وتجسيدها .. هو موت الذوات .. وانتهاء المحسوسات .. ثم سكت .
    قلتُ له : يا عم حيدر لماذا كان الليل محطة لغزل الشعراء؟
    قال: يا بني كنتُ أشك في عشقك .. واليوم أيقنتُ أنك عاشق .. فالطيور على أشكالها تقع..
    يا بني أخبرتك أن الليل هو حياة المعاني .. والحب الذي يتغنى به الشعراء معنى من تلك المعاني .. وإن كان ظني أن أكثر الشعراء أحبوا الذات لا المعنى .. وذاك حب ينتهي عند انتهاء الغرض .. بل قد يصبح الحب بغضاً .. ويحهم سقطوا في خضم بحر لا يعرفون النجاة منه .. فبحر العشق بحر محفوف بالمخاطر والمهالك .. فالداخل فيه مفقود والخارج منه مولود .. وهل يخرج الخارج إلا بدنس الخطيئة أو قسوة القلب ..
    يا بني: تذكر الشعراء في الليل ذلك البحر المظلم .. يُذكِرهم به ظلام الليل الذي يحضنهم .. ما النجاة من ذلك البحر يا ترى؟ .. لا نجاة منه إلا بنور الحبيب المشع .. وهذا البدر يُذكِرهم محياه بوجه الحبيب .. فحينئذ تنطق قلوبهم بذكر الحبيب .. وعلى أثره تنطق ألسنتهم بالشعر .. ثم سكت .
    قلت له: يا عم حيدر ذكرت معاني القلب .. فهل للعقل معاني؟
    فقال: نعم له معاني .. وأقصد بمعانية ما يتغير فيه .. ألا ترى أن نسائم الليل تبعث قريحة الشعر .. وأن نسائم الليل تعين القائد على تنظيم خطته .. وتعين العالم على كتابة مقالته .. وتعين المهندس على رسم خريطته .. وهذه هي معاني العقل وثمراته .. فيصبح العقل يعطي بعد أن كان يأخذ..
    قلتُ له : يا عم حيدر أليست نسائم الليل .. فكيف تُشعل قلوب المحبين .. وكيف تجافي جنوبهم عن المضاجع؟ ..
    ابتسم وقال:
    يا بني صدقت .. النسيم هو مفرد نسائم وهي ريح لطيفة تبعث معنى .. وتريح النفس .. فلذلك ينام الناس .. أما قلوب المحبين ففيها شرارة تتقد .. هي شرارة العشق .. فإذا هبت تلك النسائم جعلت الشرارة ناراً .. لذلك يتعذب المحبون ... أعرفت يا بني؟
    قلت له : يا عم حيدر ما هو الانقباض الذي أصابني؟
    قال: هو شعور يعتري النفس .. النفس التي ملئت بالمعاني .. النفس التي عشقت الحياة لمعانيها .. فتزدحم المعاني فتتصارع .. فالانقباض أثر صراعها.
    لكن سرعان ما يزول الانقباض إذا حرك الإنسان معانيه بالتفكر والتأمل .. فبهما تتسع نفسه اتساعاً عظيماً يحوي المعاني الجديدة .. فيزول الصراع وتزول نتيجته .. أفهمت؟
    نظرتُ إليه وقلت: نعم.
    فقال: ألا يكفيك الآن .. هيا أذهب إلى النوم واتركني .. ثم عاد إلى ما كان عليه من التأمل .. وتركته يصارع المعاني .. المعاني التي تبعثها في القلوب نسائم الليل.
  • السـراب
    عضو متميز
    • Feb 2008
    • 2705

    #2
    الرد: فلسفات العم حيدر (5)

    اخي الدكتور محمد

    ايها الرائع وصفك و بقلمك

    نعم الليل هو ملاذ العاشقين وهو خلو النفس للمحاسبة وكنز للعابدين

    فيه تسكن النفس وتلوذ للارتياح. ولكن فعلا العزلة والهدوء يجعل من المحب هاجزا يترنم بالحان حبه..
    الشوق صحاني وانا في عز نومي نادى علي..

    نعم نادى وايقظني من سباتي ليس من النوم ولكن من التفكير والتامل..

    كل الناس تتمنى وانا لحبها اتغنى

    مشكور اخي على جمال كلماتك والتي جعلت في نفسي حب الكتابة ولكن اجد ان الكلمات ملئ جوفي ولكن لا استطيع كتابتها فهذا حال العاشقين..

    تقبل اخي العزيز مروري المتواضع،،،


    اخوك/ الســ وحيد ــــراب

    تعليق

    • drsaid
      عضو متميز
      • Oct 2006
      • 3308

      #3
      الرد: فلسفات العم حيدر (5)

      شكرا اخى الغالى محمد على هذه اللوحة الادبية الرائعة التى اعدت قراءتها اكثر من مرة لاعجابى بها دام لنا قلمك المتميز

      تعليق

      • صقرالنوايف
        عضو متميز

        • Jun 2005
        • 25677

        #4
        الرد: فلسفات العم حيدر (5)

        شكرا اخي الطيب محمد
        معزوفه جميله يعطيك الف عافيه
        تحياتي

        تعليق

        • الشاعر لطفي الياسيني
          شاعر
          • Jan 2008
          • 5553

          #5
          الرد: فلسفات العم حيدر (5)

          اضيف في الأساس بواسطة الكلام الهادف
          نسائم الليل



          هذا الليل بهدوئه العجيب وظلامه المريب .. يُقبل على الحياة فيغير مجراها .. فتصبح الحركة سكوناً .. والضجة هدوءاً .. واليقظة مناماً .. والحقيقة أحلاماً .. والقوة ضعفاً .. والانشغال فراغاً .. والراحة عذاباً .. ذلك التغير السريع يجعل الحكيم محتاراً .. يوهمه أن هذا الليل لم يكن قبله نهار .
          وفي هذا الليل تغيرت نفسي فأصابني انقباض عجيب أفرَّ النوم من أجفاني.. فخرجتُ إلى البساتين أبغي الصفاء بعد العكر .. وما أن وصلت إلى البساتين حتى استشعرت معنى الليل .. ذلك الهدوء الذي يأخذ بالأسماع .. يهفو فيه السمع إلى صوت لكن لا شيء .. وذلك الظلام الذي يظنه الناظر سواد الظلم .. وهو ستر الجمال .. الجمال هو المعنى الوحيد الذي لا ظلم فيه .
          وبينما أنا أتأمل في البستان إذا برجل مستلق تحت شجرة .. يمعن نظره في السماء يتفكر فيها .. خِفتُ منه .. لكن قادني فضولي إلى القرب منه فإذا هو العم حيدر .. ففرحتُ فرحاً شديداً .. وصرختُ بقوة: العم حيدر .. ولكنه لم يرد علي .. عرفتُ أنه يتأمل .. جلستُ عن بُعد أتأمل مثله. ثم ناديته مرة أخرى فنظر إلي وقال: أنت هنا؟ ما الذي أحضرك؟
          قلتُ: أزعجني انقباض نفسي فخرجتُ أبغي الفرج .. ولكن ألا تنام يا عم حيدر؟
          قال: يا بني لم أنم منذ أيام .. وهل ينام العاشقون؟! وهل تغمض عيون المحبين ؟! إنهم في شُغل عن كل ذلك.
          قلتُ له: يا عم حيدر ما هو الليل عندك؟
          قال: الليل هو الوجه الكئيب للحياة .. وهو المشرق لمعانيها .. الليل هو الصفاء .. هو الجمال .. هو الهدوء .. الليل هو شطر العمر .. وشطر الزمن ..وشطر الحياة .. الليل هو انطلاق القيود .. وهو انبلاج الحق .. نعم انبلاج الحق .. لأن الظلام إذا عم كانت نتيجته الحتمية النهاية.
          الليل هو محطة من محطات الحياة .. تلك المحطة يموت فيها الجسد .. ينتهي دوره .. فتعمل المعاني .. محطة الليل يا بني فرسانها القلب والعقل .. فرسانها أرباب المعاني .. في الليل يكون التجلي .. وفيه تهب نسائم الجمال .. وتنطلق زفرات الحب .. وتذرف العيون دموع الندم .. أليس الليل هو المعنى .. هو حياة أخرى لأنه يُحي ما أماته النهار .. يا بني لا يدري معاني الليل إلا من عاش فيه بقلبه وقالبه .. من عرف المعاني وشم شذاها .. وإلا ..

          فكيف يُدرك في الدنيا حقيقته قوم نيام تسلوا عنه بالحُلم

          هذا هو الليل عندي .. هو المعاني وتجسيدها .. هو موت الذوات .. وانتهاء المحسوسات .. ثم سكت .
          قلتُ له : يا عم حيدر لماذا كان الليل محطة لغزل الشعراء؟
          قال: يا بني كنتُ أشك في عشقك .. واليوم أيقنتُ أنك عاشق .. فالطيور على أشكالها تقع..
          يا بني أخبرتك أن الليل هو حياة المعاني .. والحب الذي يتغنى به الشعراء معنى من تلك المعاني .. وإن كان ظني أن أكثر الشعراء أحبوا الذات لا المعنى .. وذاك حب ينتهي عند انتهاء الغرض .. بل قد يصبح الحب بغضاً .. ويحهم سقطوا في خضم بحر لا يعرفون النجاة منه .. فبحر العشق بحر محفوف بالمخاطر والمهالك .. فالداخل فيه مفقود والخارج منه مولود .. وهل يخرج الخارج إلا بدنس الخطيئة أو قسوة القلب ..
          يا بني: تذكر الشعراء في الليل ذلك البحر المظلم .. يُذكِرهم به ظلام الليل الذي يحضنهم .. ما النجاة من ذلك البحر يا ترى؟ .. لا نجاة منه إلا بنور الحبيب المشع .. وهذا البدر يُذكِرهم محياه بوجه الحبيب .. فحينئذ تنطق قلوبهم بذكر الحبيب .. وعلى أثره تنطق ألسنتهم بالشعر .. ثم سكت .
          قلت له: يا عم حيدر ذكرت معاني القلب .. فهل للعقل معاني؟
          فقال: نعم له معاني .. وأقصد بمعانية ما يتغير فيه .. ألا ترى أن نسائم الليل تبعث قريحة الشعر .. وأن نسائم الليل تعين القائد على تنظيم خطته .. وتعين العالم على كتابة مقالته .. وتعين المهندس على رسم خريطته .. وهذه هي معاني العقل وثمراته .. فيصبح العقل يعطي بعد أن كان يأخذ..
          قلتُ له : يا عم حيدر أليست نسائم الليل .. فكيف تُشعل قلوب المحبين .. وكيف تجافي جنوبهم عن المضاجع؟ ..
          ابتسم وقال:
          يا بني صدقت .. النسيم هو مفرد نسائم وهي ريح لطيفة تبعث معنى .. وتريح النفس .. فلذلك ينام الناس .. أما قلوب المحبين ففيها شرارة تتقد .. هي شرارة العشق .. فإذا هبت تلك النسائم جعلت الشرارة ناراً .. لذلك يتعذب المحبون ... أعرفت يا بني؟
          قلت له : يا عم حيدر ما هو الانقباض الذي أصابني؟
          قال: هو شعور يعتري النفس .. النفس التي ملئت بالمعاني .. النفس التي عشقت الحياة لمعانيها .. فتزدحم المعاني فتتصارع .. فالانقباض أثر صراعها.
          لكن سرعان ما يزول الانقباض إذا حرك الإنسان معانيه بالتفكر والتأمل .. فبهما تتسع نفسه اتساعاً عظيماً يحوي المعاني الجديدة .. فيزول الصراع وتزول نتيجته .. أفهمت؟
          نظرتُ إليه وقلت: نعم.
          فقال: ألا يكفيك الآن .. هيا أذهب إلى النوم واتركني .. ثم عاد إلى ما كان عليه من التأمل .. وتركته يصارع المعاني .. المعاني التي تبعثها في القلوب نسائم الليل.





          جزاك الله خيرا وبارك الله لك وعليك


          تعليق

          • ابو المعالي
            عضو متميز
            • Apr 2008
            • 1621

            #6
            الرد: فلسفات العم حيدر (5)

            الليل هو انطلاق القيود .. وهو انبلاج الحق .. نعم انبلاج الحق .. لأن الظلام إذا عم كانت نتيجته الحتمية النهاية.
            الليل هو محطة من محطات الحياة .. تلك المحطة يموت فيها الجسد .. ينتهي دوره .. فتعمل المعاني

            اليك يامن جعلت الحرف يرتجف تحت قلمك الراقي
            يامن تطيعك الحروف وتصنع منها كلمات ذوات معاني راقية
            شكرا لك
            وسابقى احترم حرفك
            دمت بخير
            ولك مني باقة ورد

            تعليق

            • حـــادي الكلمات
              عضو متميز
              • Feb 2008
              • 903

              #7
              الرد: فلسفات العم حيدر (5)

              اضيف في الأساس بواسطة الكلام الهادف
              نسائم الليل



              هذا الليل بهدوئه العجيب وظلامه المريب .. يُقبل على الحياة فيغير مجراها .. فتصبح الحركة سكوناً .. والضجة هدوءاً .. واليقظة مناماً .. والحقيقة أحلاماً .. والقوة ضعفاً .. والانشغال فراغاً .. والراحة عذاباً .. ذلك التغير السريع يجعل الحكيم محتاراً .. يوهمه أن هذا الليل لم يكن قبله نهار .
              وفي هذا الليل تغيرت نفسي فأصابني انقباض عجيب أفرَّ النوم من أجفاني.. فخرجتُ إلى البساتين أبغي الصفاء بعد العكر .. وما أن وصلت إلى البساتين حتى استشعرت معنى الليل .. ذلك الهدوء الذي يأخذ بالأسماع .. يهفو فيه السمع إلى صوت لكن لا شيء .. وذلك الظلام الذي يظنه الناظر سواد الظلم .. وهو ستر الجمال .. الجمال هو المعنى الوحيد الذي لا ظلم فيه .
              وبينما أنا أتأمل في البستان إذا برجل مستلق تحت شجرة .. يمعن نظره في السماء يتفكر فيها .. خِفتُ منه .. لكن قادني فضولي إلى القرب منه فإذا هو العم حيدر .. ففرحتُ فرحاً شديداً .. وصرختُ بقوة: العم حيدر .. ولكنه لم يرد علي .. عرفتُ أنه يتأمل .. جلستُ عن بُعد أتأمل مثله. ثم ناديته مرة أخرى فنظر إلي وقال: أنت هنا؟ ما الذي أحضرك؟
              قلتُ: أزعجني انقباض نفسي فخرجتُ أبغي الفرج .. ولكن ألا تنام يا عم حيدر؟
              قال: يا بني لم أنم منذ أيام .. وهل ينام العاشقون؟! وهل تغمض عيون المحبين ؟! إنهم في شُغل عن كل ذلك.
              قلتُ له: يا عم حيدر ما هو الليل عندك؟
              قال: الليل هو الوجه الكئيب للحياة .. وهو المشرق لمعانيها .. الليل هو الصفاء .. هو الجمال .. هو الهدوء .. الليل هو شطر العمر .. وشطر الزمن ..وشطر الحياة .. الليل هو انطلاق القيود .. وهو انبلاج الحق .. نعم انبلاج الحق .. لأن الظلام إذا عم كانت نتيجته الحتمية النهاية.
              الليل هو محطة من محطات الحياة .. تلك المحطة يموت فيها الجسد .. ينتهي دوره .. فتعمل المعاني .. محطة الليل يا بني فرسانها القلب والعقل .. فرسانها أرباب المعاني .. في الليل يكون التجلي .. وفيه تهب نسائم الجمال .. وتنطلق زفرات الحب .. وتذرف العيون دموع الندم .. أليس الليل هو المعنى .. هو حياة أخرى لأنه يُحي ما أماته النهار .. يا بني لا يدري معاني الليل إلا من عاش فيه بقلبه وقالبه .. من عرف المعاني وشم شذاها .. وإلا ..

              فكيف يُدرك في الدنيا حقيقته قوم نيام تسلوا عنه بالحُلم

              هذا هو الليل عندي .. هو المعاني وتجسيدها .. هو موت الذوات .. وانتهاء المحسوسات .. ثم سكت .
              قلتُ له : يا عم حيدر لماذا كان الليل محطة لغزل الشعراء؟
              قال: يا بني كنتُ أشك في عشقك .. واليوم أيقنتُ أنك عاشق .. فالطيور على أشكالها تقع..
              يا بني أخبرتك أن الليل هو حياة المعاني .. والحب الذي يتغنى به الشعراء معنى من تلك المعاني .. وإن كان ظني أن أكثر الشعراء أحبوا الذات لا المعنى .. وذاك حب ينتهي عند انتهاء الغرض .. بل قد يصبح الحب بغضاً .. ويحهم سقطوا في خضم بحر لا يعرفون النجاة منه .. فبحر العشق بحر محفوف بالمخاطر والمهالك .. فالداخل فيه مفقود والخارج منه مولود .. وهل يخرج الخارج إلا بدنس الخطيئة أو قسوة القلب ..
              يا بني: تذكر الشعراء في الليل ذلك البحر المظلم .. يُذكِرهم به ظلام الليل الذي يحضنهم .. ما النجاة من ذلك البحر يا ترى؟ .. لا نجاة منه إلا بنور الحبيب المشع .. وهذا البدر يُذكِرهم محياه بوجه الحبيب .. فحينئذ تنطق قلوبهم بذكر الحبيب .. وعلى أثره تنطق ألسنتهم بالشعر .. ثم سكت .
              قلت له: يا عم حيدر ذكرت معاني القلب .. فهل للعقل معاني؟
              فقال: نعم له معاني .. وأقصد بمعانية ما يتغير فيه .. ألا ترى أن نسائم الليل تبعث قريحة الشعر .. وأن نسائم الليل تعين القائد على تنظيم خطته .. وتعين العالم على كتابة مقالته .. وتعين المهندس على رسم خريطته .. وهذه هي معاني العقل وثمراته .. فيصبح العقل يعطي بعد أن كان يأخذ..
              قلتُ له : يا عم حيدر أليست نسائم الليل .. فكيف تُشعل قلوب المحبين .. وكيف تجافي جنوبهم عن المضاجع؟ ..
              ابتسم وقال:
              يا بني صدقت .. النسيم هو مفرد نسائم وهي ريح لطيفة تبعث معنى .. وتريح النفس .. فلذلك ينام الناس .. أما قلوب المحبين ففيها شرارة تتقد .. هي شرارة العشق .. فإذا هبت تلك النسائم جعلت الشرارة ناراً .. لذلك يتعذب المحبون ... أعرفت يا بني؟
              قلت له : يا عم حيدر ما هو الانقباض الذي أصابني؟
              قال: هو شعور يعتري النفس .. النفس التي ملئت بالمعاني .. النفس التي عشقت الحياة لمعانيها .. فتزدحم المعاني فتتصارع .. فالانقباض أثر صراعها.
              لكن سرعان ما يزول الانقباض إذا حرك الإنسان معانيه بالتفكر والتأمل .. فبهما تتسع نفسه اتساعاً عظيماً يحوي المعاني الجديدة .. فيزول الصراع وتزول نتيجته .. أفهمت؟
              نظرتُ إليه وقلت: نعم.
              فقال: ألا يكفيك الآن .. هيا أذهب إلى النوم واتركني .. ثم عاد إلى ما كان عليه من التأمل .. وتركته يصارع المعاني .. المعاني التي تبعثها في القلوب نسائم الليل.

              فهو حقيق بأن يعلق بخيوط النور على نحور الحور
              وأن يكتب بسواد المسك على بياض الكافور ....

              لم أجد خيرا من هذه الجملتين اللتين كتبتا في مقدمة نسخة من نسخ كتاب كليلة ودمنه ، لأرد بها على هذه التحفة الفلسفية الناصعه ..

              إن كلامك دروس يا سيدي محمد .. وإن هذه الفلسفات التي تذيعها في مجلس الأدب ، إلى جانب قطع التراث التي تحدث بها في المجلس العام .. إنما تنبؤنا بفهم جديد للحياة ، وترد علينا من الأدب أطرافاً كانت قد امتنعت علينا واحتجنت دوننا .. فالحق أننا أغرقنا وأغرق الكتاب في هذا الزمن في الحب ، وأسرفوا في النظم عنه والنثر له .. ولكننا نقرأ ، ولكننا نسمع ، فلا نكاد نجد غير كلام واحد وفهم واحد .. فهو الحب بين الرجل والمرأة ، لا يكاد يختلف مهما تتعدد صوره وتختلف أساليب النظم عنه أو النثر فيه ..

              ولكننا نسمع اليوم ، فنسمع كلاما غريبا جديدا لا عهد لكثير منا به وبأسلوبه الذي أتى فيه ..
              فهو يحدث عن حب جديد وعشق جديد ، ويكتب بأسلوب غريب يفيض رقة ، ويجري عذوبة ، ويتكلم بلغة سهلة يسيرة ، لكنها على سهولتها ويسرها تحمل من الخصائص ما يدفعها لتتدفق ، ويدفعنا لنسمع ..

              ألا فإنا كلنا اليوم نقف أمامك يا دكتور محمد ، ونتوجه وجهك ، لنقول لك : لقد أعظمت لدينا من شأن الحب فاعتليت بنا مساحات من الخيال والحقيقة ذهلنا بها عن أنفسنا وعن كل شيء ..
              وإنا لذلك لا نجد غير شكرك على ما أسديت إلينا وإلى عقولنا ونفوسنا ما يكفل لكل حظه من التفكر وقسطه من اللذة والمتاع ..

              أدب جديد لهذا المنتدى ، بل فتح جديد لهذا المنتدى ..
              النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
              وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

              تعليق

              • الكلام الهادف
                عضو فعال
                • Apr 2008
                • 650

                #8
                الرد: فلسفات العم حيدر (5)

                سيدي الكريم الحبيب الأديب أخي وحيد (السراب)
                أريتم سادتي .. قلتُ كلامي فصدقه .. وافق شن طبقة..
                وكيف لا .. ونحن (أولاد حارة) واحدة..
                وقبل ذلك .. روحنا واحدة .. جمعنا الحب الصادق .. والقصد الصحيح.. والمنبع الصافي..
                لك شكري .. وهل يفي؟
                ولكني محب أتلمس رضاء من أحب ..
                فتقبل بضاعتي ..
                محبك محمد

                تعليق

                • الكلام الهادف
                  عضو فعال
                  • Apr 2008
                  • 650

                  #9
                  الرد: فلسفات العم حيدر (5)

                  أخي الفاضل الشاعر الحبيب د. سعيد
                  شكراً سيدي الكريم المتفضل ..
                  كم أسعدني مرورك ..
                  وكم تلمستُ الطريق من خلال كلماتك ..
                  وأعلم سيدي بأني معجبٌ بك .. مقبلٌ بنفسي إليك ..
                  فدام بيننا الحب .. ودمتَ لي ..
                  محبك محمد

                  تعليق

                  • الكلام الهادف
                    عضو فعال
                    • Apr 2008
                    • 650

                    #10
                    الرد: فلسفات العم حيدر (5)

                    أخي الفاضل الحر الشاعر صقر النوايف
                    مرورك السامي .. وهمستك الرقيقة ..
                    تجعلني انشط وأرتقي ..
                    تثير فيّ معاني كثيرة ..
                    فلك شكري الخالص ..
                    ودمت لنا ..
                    محبك محمد

                    تعليق

                    • الكلام الهادف
                      عضو فعال
                      • Apr 2008
                      • 650

                      #11
                      الرد: فلسفات العم حيدر (5)

                      سيدي الوالد الكريم والشاعر الكبير لطفي الياسيني
                      جزاك الله خيراً في الدنيا والآخرة ..
                      وكم يشرفني مرورك .. ويفرحني
                      فلك شكري .. ودمت لنا ..
                      محبك محمد

                      تعليق

                      • الكلام الهادف
                        عضو فعال
                        • Apr 2008
                        • 650

                        #12
                        الرد: فلسفات العم حيدر (5)

                        سيدي الحبيب الشاعرالأديب عبد الحميد (أبو المعالي)
                        لك شكري .. وحبي قبله ..
                        لا أدري.. ما أقول .. ياعذب الدار واللسان ..
                        ولكني أردد أبياتاً تفي ..
                        وبعثتُ الشوق في ريح الصبا..
                        فشكا الحرقة مما استودعك..
                        موقعي عندك لا أعلمه !..
                        آه لو تعلم عندي موقعك !!..
                        سيدي لكني أعرف موقعي ..
                        دامت بيننا الحب والإخاء..
                        محبك محمد

                        تعليق

                        • الكلام الهادف
                          عضو فعال
                          • Apr 2008
                          • 650

                          #13
                          الرد: فلسفات العم حيدر (5)

                          سيدي الأديب وأخي الحبيب حادي الكلمات..
                          هكذا أنت ..
                          تصف وأنت الموصوف ..
                          وتمدح .. وأنت الممدوح..
                          ولعل بعض من مر على مشاركتي ما عرج إلا لينظر كلامك ..
                          وما قصد نسائم الليل إلا لأنك بدرها ..
                          وكم من معاني سُترت .. فكشفتها.. وخبايا للكاتب أظهرتها .. ونقائص علمتها فسترتها وأولتها..
                          أريتَ فضل مرورك .. وجمال نورك..
                          سيدي : كان لي شيخ عارف نفعني الله به .. يردد على سمعي كثيراً قول أحد أشياخه: إن مشكلة الدنيا في حرفين: حاء وباء .. الحب ..
                          وكنت أتأمل كلامه .. فأجدني موافقاً له .. فكل له محبوب .. ومطلوب ..
                          ومخالفاً له فهل الحب مشكلة .. الحب حل .. لكننا جعلناه مشكلة ..
                          وكم من دواء يحيله الأخرق داءً !
                          سيدي : لو ذاقوا لأشتاقوا .. ولو عرفوا لبذلوا ..
                          محبك يطلب منك أن لا تنقطع عنه .. فهو يحن لك ويشتاق ..
                          دام الحب والإخاء ..
                          محبك محمد

                          تعليق

                          مواضيع مرتبطة

                          Collapse

                          جاري العمل...