نسائم الليل
هذا الليل بهدوئه العجيب وظلامه المريب .. يُقبل على الحياة فيغير مجراها .. فتصبح الحركة سكوناً .. والضجة هدوءاً .. واليقظة مناماً .. والحقيقة أحلاماً .. والقوة ضعفاً .. والانشغال فراغاً .. والراحة عذاباً .. ذلك التغير السريع يجعل الحكيم محتاراً .. يوهمه أن هذا الليل لم يكن قبله نهار .
وفي هذا الليل تغيرت نفسي فأصابني انقباض عجيب أفرَّ النوم من أجفاني.. فخرجتُ إلى البساتين أبغي الصفاء بعد العكر .. وما أن وصلت إلى البساتين حتى استشعرت معنى الليل .. ذلك الهدوء الذي يأخذ بالأسماع .. يهفو فيه السمع إلى صوت لكن لا شيء .. وذلك الظلام الذي يظنه الناظر سواد الظلم .. وهو ستر الجمال .. الجمال هو المعنى الوحيد الذي لا ظلم فيه .
وبينما أنا أتأمل في البستان إذا برجل مستلق تحت شجرة .. يمعن نظره في السماء يتفكر فيها .. خِفتُ منه .. لكن قادني فضولي إلى القرب منه فإذا هو العم حيدر .. ففرحتُ فرحاً شديداً .. وصرختُ بقوة: العم حيدر .. ولكنه لم يرد علي .. عرفتُ أنه يتأمل .. جلستُ عن بُعد أتأمل مثله. ثم ناديته مرة أخرى فنظر إلي وقال: أنت هنا؟ ما الذي أحضرك؟
قلتُ: أزعجني انقباض نفسي فخرجتُ أبغي الفرج .. ولكن ألا تنام يا عم حيدر؟
قال: يا بني لم أنم منذ أيام .. وهل ينام العاشقون؟! وهل تغمض عيون المحبين ؟! إنهم في شُغل عن كل ذلك.
قلتُ له: يا عم حيدر ما هو الليل عندك؟
قال: الليل هو الوجه الكئيب للحياة .. وهو المشرق لمعانيها .. الليل هو الصفاء .. هو الجمال .. هو الهدوء .. الليل هو شطر العمر .. وشطر الزمن ..وشطر الحياة .. الليل هو انطلاق القيود .. وهو انبلاج الحق .. نعم انبلاج الحق .. لأن الظلام إذا عم كانت نتيجته الحتمية النهاية.
الليل هو محطة من محطات الحياة .. تلك المحطة يموت فيها الجسد .. ينتهي دوره .. فتعمل المعاني .. محطة الليل يا بني فرسانها القلب والعقل .. فرسانها أرباب المعاني .. في الليل يكون التجلي .. وفيه تهب نسائم الجمال .. وتنطلق زفرات الحب .. وتذرف العيون دموع الندم .. أليس الليل هو المعنى .. هو حياة أخرى لأنه يُحي ما أماته النهار .. يا بني لا يدري معاني الليل إلا من عاش فيه بقلبه وقالبه .. من عرف المعاني وشم شذاها .. وإلا ..
فكيف يُدرك في الدنيا حقيقته قوم نيام تسلوا عنه بالحُلم
هذا هو الليل عندي .. هو المعاني وتجسيدها .. هو موت الذوات .. وانتهاء المحسوسات .. ثم سكت .
قلتُ له : يا عم حيدر لماذا كان الليل محطة لغزل الشعراء؟
قال: يا بني كنتُ أشك في عشقك .. واليوم أيقنتُ أنك عاشق .. فالطيور على أشكالها تقع..
يا بني أخبرتك أن الليل هو حياة المعاني .. والحب الذي يتغنى به الشعراء معنى من تلك المعاني .. وإن كان ظني أن أكثر الشعراء أحبوا الذات لا المعنى .. وذاك حب ينتهي عند انتهاء الغرض .. بل قد يصبح الحب بغضاً .. ويحهم سقطوا في خضم بحر لا يعرفون النجاة منه .. فبحر العشق بحر محفوف بالمخاطر والمهالك .. فالداخل فيه مفقود والخارج منه مولود .. وهل يخرج الخارج إلا بدنس الخطيئة أو قسوة القلب ..
يا بني: تذكر الشعراء في الليل ذلك البحر المظلم .. يُذكِرهم به ظلام الليل الذي يحضنهم .. ما النجاة من ذلك البحر يا ترى؟ .. لا نجاة منه إلا بنور الحبيب المشع .. وهذا البدر يُذكِرهم محياه بوجه الحبيب .. فحينئذ تنطق قلوبهم بذكر الحبيب .. وعلى أثره تنطق ألسنتهم بالشعر .. ثم سكت .
قلت له: يا عم حيدر ذكرت معاني القلب .. فهل للعقل معاني؟
فقال: نعم له معاني .. وأقصد بمعانية ما يتغير فيه .. ألا ترى أن نسائم الليل تبعث قريحة الشعر .. وأن نسائم الليل تعين القائد على تنظيم خطته .. وتعين العالم على كتابة مقالته .. وتعين المهندس على رسم خريطته .. وهذه هي معاني العقل وثمراته .. فيصبح العقل يعطي بعد أن كان يأخذ..
قلتُ له : يا عم حيدر أليست نسائم الليل .. فكيف تُشعل قلوب المحبين .. وكيف تجافي جنوبهم عن المضاجع؟ ..
ابتسم وقال:
يا بني صدقت .. النسيم هو مفرد نسائم وهي ريح لطيفة تبعث معنى .. وتريح النفس .. فلذلك ينام الناس .. أما قلوب المحبين ففيها شرارة تتقد .. هي شرارة العشق .. فإذا هبت تلك النسائم جعلت الشرارة ناراً .. لذلك يتعذب المحبون ... أعرفت يا بني؟
قلت له : يا عم حيدر ما هو الانقباض الذي أصابني؟
قال: هو شعور يعتري النفس .. النفس التي ملئت بالمعاني .. النفس التي عشقت الحياة لمعانيها .. فتزدحم المعاني فتتصارع .. فالانقباض أثر صراعها.
لكن سرعان ما يزول الانقباض إذا حرك الإنسان معانيه بالتفكر والتأمل .. فبهما تتسع نفسه اتساعاً عظيماً يحوي المعاني الجديدة .. فيزول الصراع وتزول نتيجته .. أفهمت؟
نظرتُ إليه وقلت: نعم.
فقال: ألا يكفيك الآن .. هيا أذهب إلى النوم واتركني .. ثم عاد إلى ما كان عليه من التأمل .. وتركته يصارع المعاني .. المعاني التي تبعثها في القلوب نسائم الليل.







تعليق