جلست ليلة أمس إلى نديم لي قديم ، هو عندي آخر من ألجأ إليه من دون الناس جميعا .. فما رآني حتى احتضنني إلى صدره وأخذني لثما وتقبيلا .. ثم ضرب بيديه على كتفي وصاح : مرحى بك أيها النديم القديم : أفلا تعودنا إلا لماما ، فما حالك ؟ وما عسى أن تكون أخبارك؟ وفيم هي زيارتك ؟
قلت هو الشوق .. قال وهو يضحك ملئ فمه : صدقت ، وأخذ يتغنى بقول الشاعر : فلو عرف الناس التلاقي وحسنه
لحبب من أجل التلاقي التفــــرق
ثم أخذني فأجلسني في بيته وكان متواضعا مهملا ، وأدنى مني خبزا كان يتبلغ به ، وقال : اعذرني يا صديقي ، فوالله ما أملك غيره ، قلت : الحمد لله على كل حال ، وأخذنا نغمسه في عسل أسود ..
ثم مكثت به ساعة لا أنطق ولا أبين ، فقال : ما بالك الساعة ؟ أفلا تفصح لي ؟ فوالله لقد أردت التكلم فلم أجد إلى الكلام سبيلا ، وسكت وما وراء ما بي من الهم في تلك الساعة غاية .. قال : أفصح يا رجل فلعمرك لن تجد مني إلا قلبا يرق إلى قلبك ومسمعا يصغي إلى كلمك .. ، فما زادتني عبارته إلا سكوتا على سكوت ، وما زاده سكوتي إلا حيرة على حيرة .. فصاح بي وقد بلغ منه السأم مبلغه : أما وأنك قد أفزعتني في هذا الهزيع الأخير من الليل ، فجلست في مجلسي ، وأكلت من خبزي وغمسته في عسلي ، ثم أنت تسكت ولا تكافئني على احتمالي إياك بكلمه ! تلك إذا سماجة الوقح أو شح البخيل ، ولو أني عرفتك قبل ثوبك هذا الجديد الذي اتخذته الساعة ( يريد صمتي وتكتمي ولم يعهده مني ) لقلت أنك لص محتال ، قد بلغ من مكره أن تصور في صورة من أعرف واسترقها لديه ، وإن كان لم يحسن الحيلة ، فارتدى فوق صورته غلالة من الهم والحزن لم أعهدها له ، وغطاء صفيقا من الصمت والسكون لم أبصره عليها ..
فما دفعني استفزازه إلى كلام ، وما حثني إلى بيان .. وأخذت في حالي ، وصديقي ذاهل في ذين : صمتي وجمودي ..
ذلك أني كنت على صمتي ساكن العينين ، متصلب الجسد ، لو رأيتني لوليت مني فرارا ولملئت مني رعبا ..
فقال لي هلعا يصيح بوجهي في غضب : ويحك ! ، مالذي حدث لك يا هذا ؟ أأكلت الهرة لسانك ، أم أنك أضحيت من يومك أصم أبكما ؟!
واها منك ، ما رأيت كاليوم رجلا مغموما محزونا ، كأنه قد نزلت به النازلة أو حلت عليه المصيبه ، وقد كان الناس يلقونه طلق الوجه ، هادئ النفس ، صافي الروح ، طيب الخاطر ، ساكن الشعور ناعم البال ..
ويح لك لعمري كأنما كنت في عباءة قشيبة حسنة فخلعتها عنك الليلة ، واستبدلت بها هذه النفس الكئيبة وهذا الوجه المظلم وذلك البال المحزون ؟!
فإما هذا أو أنك لست الذي أعرف ، ولئن لم تنبئني بأمرك أيها الرجل لأخرجنك من داري هذه ، وليكونن هذا آخر اللقاء بك ..
فنظرت إليه شيئا ، ونظر هو إلي ، وقضينا على هذه النظرة قليلا من الوقت كأنما كنت أبثه فيها خلجات نفسي وما عي عنه فمي أن ينطق به ..
قال لي وقد بدأ يرثي لحالي : أولا تفض من هذا الفم العابس وتفتح لي من هاتين الشفتين فتحة يتردد الهواء فيها لعلك تعود إلى نفسك أو لعل نفسك تعود إليك فتفصح عن بليتك لخليلك ، أولست خليلك ؟ أولست صديقي ؟ّ!
فنظرت إليه فجأة ، ثم أغرقت في بكاء متصل ، ونحيب قوي ، واطرحت على الأرض أبكي وأنشج في البكاء كمن انقطع لديه الأمل أو ذهب عنه الرجاء ..
فتناولني صاحبي بيديه وأجلسني إلى الحائط وأسندني بما بلغه من الوسائد والأثاث القليل .. وأسقاني شربة ماء ، وسمى الله عاليا وتعوذ به من الشيطان من الرجيم .. حتى إذا ما سكت عن البكاء ، أو سكت عني البكاء .. وأخذت في الهدوء قليلا قليلا ..
سكت هو ولم يأخذ في كلام كما هي عادته ، ولكنه أخذ يربت على كتفي ويتمتم بكلمات لم أسمعها ..
وكأنما علم أن الأمر العظيم ، وأن الخطب جليل ، وأنه لم يعهد صاحبه بالباكي ولا الحزين ، وأنه كان يدخل عليه الرجل تملؤه النازلة بضيقها ونكدها ، فيبسم له ويقول مستبشرا :
(( لكل امرئ منا في هذه الدنيا مصيبة واحدة كبيره ، فلعلها أن تكون هي هذه .. ))
فجعل يهدؤني ويهون علي ، ويقول لي وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة حزينة : (( لكل امرئ في هذه الدنيا مصيبة واحده ، فلعلها أن تكون هذه )) ..
وتقدم الليل بنا على هذه الحال ، نضحك قليلا ونبكي كثيرا .. حتى انتهى بنا المقام قبيل الفجر من تلك الليلة الغريبة ونحن نتذاكر مواقف لا تحصى ، ولكنها تعد لدى أهلها .. وغاية ما بلغنا إليه من الكلام قول أبي الطيب :
نصيبك في حياتك من حبيب
نصيبك في منامك من خيال









.. فإن كان لي حظ من الذوق الرفيع كما تقول
، فهي شهادتك التي أشرف بها .. أثابك الله .. ووفقك .. مرورك محسوب فشكرا لك شكرا جزيلا ..




تعليق