موعد مع الكرامة.. الطريق إلى الأقصى

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • Mohamed Fakhry
    عضو جديد
    • Jul 2010
    • 6

    #1

    موعد مع الكرامة.. الطريق إلى الأقصى

    الفصـــــل الأول
    ***
    جلس المقدم (عمر عبد اللطيف) وبجواره زميله الرائد (كمال مختار) أمام شاشة الكمبيوتر، والتزما بالصمت تماما وهما يتابعان مقطع فيديو عبر شبكة الإنترنت، تبدو فيه فرقة عسكرية إسرائيلية وهي تحاصر مجموعة من الفلسطينيين يقاتلون في بسالة، وسط معركة غير متكافئة على الإطلاق، خاصة حينما بدأ الإسرائيليون يستخدمون القنابل الحارقة، ويطلقون النار في غزارة، فزفر (كمال) وغمغم في مرارة:
    - متى سينتهي هذا الكابوس؟
    تجمدت نظرات (عمر) على الشاشة وأجاب:
    - لكل شيء نهاية.
    وصمت لحظات ثم تابع في قوة:
    - الأمر يحتاج إلى مزيد من القوة والإصرار.. يحتاج إلى الوحدة.
    قال (كمال) متهكما:
    - الوحدة!.. حقا؟؟ أتظن هذا ممكنا؟!
    قبل أن يجيبه (عمر) اقتحم رجل ثالث المكان وهتف في انزعاج شديد:
    - إسرائيل تهدم المسجد الأقصى!!
    وارتجف قلبا الرجلين في فزع..

    ***

    تثاءب جندي إسرائيلي في مشهد مقزز وهو يلوح بذراعه قائلا لزميله الذي يقف بجواره:
    - تبا لكل هذا الحذر! إنني أقف معك هنا لحراسة هذه المنطقة منذ ما يقرب من ساعتين دون أن تجرؤ نملة على الاقتراب! أتظن أن هناك مجنونا واحدا يمكنه مهاجمة منطقة عسكرية إسرائيلية، في قلب القدس؟!
    تلفت زميله حوله في حذر وهو يغمغم:
    - كل شيء جائز يا (إيزاك).
    صاح (إيزاك) في حنق:
    - إلا هذا يا (حاييم)! هؤلاء الفلسطينيون مجرد مجموعة من الكلاب الضالة الحقيرة التي لا تجد مأوى! ألا تتذكر هذا الشاب الذي حاول مقاومتنا منذ أسبوع، فنزعت أظافره وسلخت جلده بالبارود؟.. حتى حينما حاولت أخته حمايته والتظاهر بالبطولة، سقط منها المسدس وانخرطت في البكاء!
    التفت إليه (حاييم) وهتف:
    - وماذا عن الشاب الذي قتل اثنين من جنودنا البارحة بالحجارة واستولى على أسلحتهما ليباغت المخيم ويسبب لنا أضرارا فادحة؟؟ لقد اضطررنا إلى سحق جسده تحت دبابة حتى نتخلص منه!! كلا يا (إيزاك).. إنهم يتميزون بالشجاعة والجرأة..
    انهمك الاثنان في مناقشة حادة دون أن ينتبها إلى فتاة فلسطينية شابة تمر من بعيد وهي تترنح في إعياء، وقد تمزقت ثيابها وامتلأ جسدها بالجروح والكدمات، لكنها تحاملت على نفسها كي تتحرك وتتجه إلى منزل صغير فارغ، ودلفت إليه ثم أغلقت الباب خلفها وهي تبكي من فرط الألم، ثم ألقت جسدها على الأرض وهي تلهث في شدة..
    تذكرت ما حدث منذ قليل حينما اقتحم الإسرائيليون منزلها الذي تقيم فيه مع زوجها، فنجح الأخير في تهريبها عبر مخرج خلفي حتى لا تواجه هذا المصير المظلم الذي يعلمه كل فلسطيني، خاصة أنها حامل وعلى وشك الوضع..
    توقفت ذكرياتها بسبب هذا الألم الرهيب الذي تشعر به، وانقبضت عضلات رحمها في شدة حتى تطرد الجنين القابع داخله والذي يصر على المجيء إلى الدنيا في توقيت حرج، وحاولت أن تكتم صرختها حتى لا تكشف موقعها ولكنها لم تنجح فانطلقت عالية مدوية وتعلقت يداها بأي شيء حتى تخفف عن نفسها آلام الولادة..
    ومع الصرخة الثانية، أصبح جنينها رضيعا، واندفع جسده خارج جسدها وهو يشهق ويبكي في شدة، وانفجر شلال من الدم والسوائل عقب خروج الجنين، وسط بيئة غير معقمة تسمح لمئات الأمراض أن تصيب الفتاة، إلا أنها كتمت كل الآلام في أعماقها وهي تنظر إلى ابنها في عطف وحب وحنان، ثم انفجرت دموعها وهي تردد:
    - الحمد لله.. الحمد لله.
    ولكن فجأة سمع جندي إسرائيلي صراخها فاقتحم المكان ورمقها بنظرة صارمة ثم صوب مدفعه إلى رضيعها، فصرخت بكل قوتها وهي تلقي جسدها أمامه حتى تتلقى عنه الرصاصات:
    - كلا.. كلا.. ليس ابني.
    ولكن الإسرائيلي - الذي أوقف كل مشاعر الإنسانية والرحمة داخله وتحول إلى حيوان مفترس حقير - تقدم إلى الأمام وركل جسد الفتاة بقدمه ليزيحها من أمام الطفل، فألقت الفتاة نفسها تحت قدمي الجندي وصرخت بكل ما تشعر به من ذل وانكسار وهلع وخوف وحب لابنها:
    - أرجوك.. أتوسل إليك.. لا تقتله.
    خيل إليها أن طفلها يبتسم في هدوء، وتخيلت كأنه فتح عينيه ونظر إليها مباشرة، وسمعت صوتا يتردد داخل رأسها فقط قائلا:
    - لا تقلقي يا أماه.. سألقاكِ في الجنة إن شاء الله.
    وهنا، ضرب الإسرائيلي وجهها بقدمه في قسوة ثم صوب مدفعه إلى الطفل..
    وانطلقت الرصاصات..

    ***

    (ما ترونه الآن هو نقل حي مباشر لما يحدث داخل المسجد الأقصى)..
    قالها مدير المخابرات العامة المصرية في حزم وهو يدير عينيه بين وجوه رجاله، الذين جمعهم بشكل طارئ لبحث هذه الكارثة الجديدة، وقد حاول المقدم (عمر) أن ينتبه مع رئيسه لكن عينيه كانتا تقفزان رغما عنه إلى الشاشة الكبيرة المعلقة خلف المدير، والتي تنقل ما يدور عند المسجد الأقصى..
    وتابع المدير:
    - كما ترون.. لقد انتقلت إسرائيل من مرحلة التهديد إلى التنفيذ، ونقلوا حجر أساس المعبد اليهودي لكي يقوموا بإنشائه بعد هدم الأقصى، ولقد بدأوا بالفعل في إخلاء المكان ومهاجمة الساحة الرئيسية للمسجد..
    تعلقت عينا وقلب (عمر) بالشاشة وطار عقله إلى هناك، حيث لا زال الفلسطينيون يقاومون في بسالة ولكن الرؤية كانت مهتزة والدخان منتشر في كل مكان..
    وفي أعماقه، تردد تساؤل غاضب..
    كيف يمكن أن يحدث هذا؟!
    كيف يهاجم الإسرائيليون رمزا من رموز الإسلام أمام أكثر من مليار وربع مليار مسلم، دون أن يترددوا أو يشعروا بالقلق، كأننا أصبحنا تماثيل لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم؟؟
    بل ماذا أصبحت المساجد عموما بالنسبة للمسلمين؟ هل هان أمرها إلى هذا الحد؟؟
    ألا يستحق أمر كهذا أن تتمزق له القلوب وتتأجج من أجله المشاعر؟!
    توقفت أفكاره فجأة حينما دوى انفجار عنيف فالتفت الجميع إلى الشاشة في حدة، ووجدوا الرؤية تهتز في شدة ثم تنقطع بغتة، فضغط المدير زرا أمامه وهتف:
    - ماذا حدث هناك؟
    أجابه مساعده من حجرة أخرى في انزعاج:
    - إسرائيل تستخدم قنابل شديدة التفجير لتفريق الفلسطينيين، وقد حدثت شروخ بالفعل في جدار المسجد الغربي.
    نهض المدير قائلا في حسم:
    - لم يعد هناك مجال للانتظار إذن.

    ****

    جلس رجلان فلسطينيان على أرض كوخ بدائي وأشعلا النار في بعض الحطب كي يتغلبا على برودة الجو، وقال أحدهما للآخر بصوت منخفض:
    - آه يا (هيثم)! آه لو نحصل على أسلحة كتلك التي يمتلكونها !
    همس زميله:
    - مستحيل يا (فارس).. أنت تعلم أن المساعدات التي نتلقاها من مصر وسوريا وحتى إيران قد توقفت منذ فترة بسبب هذا الحصار اللعين.. وها نحن نحرس مخزن أسلحة قديم يضم معظم ما حصلنا عليه من أسلحة خلال عدة شهور، ونرجو الله ألا ينتبه إلينا الإسرائيليون، وإلا..
    بتر عبارته فجأة وأرهف سمعه ثم هتف في انفعال:
    - يا إلهي!!.. هل تسمع هذا؟؟
    قفز (فارس) واقفا واتجه إلى النافذة لينظر إلى الخارج في حذر، لكنه لم ير شيئا فغمغم في قلق:
    - ما الذي أثار انتباهك إلى هذا الحد؟
    فوجئ بـ (هيثم) يقول له من خلف ظهره في سخرية:
    - استدر في بطء أيها الغبي وإلا أمطرتك برصاصاتي.
    اتسعت عينا (فارس) واستدار في بطء ووجد (هيثم) يصوب إليه فوهة مدفعه فهتف:
    - مستحيل!!.. هل تخون وطنك يا (هيثم)؟!
    ابتسم (هيثم) في سخرية ثم فتح باب الكوخ فتدفق عشرات الجنود الإسرائيليين إلى الداخل، وحاول (فارس) أن يحذر رفاقه لكن جندي إسرائيلي ضرب رأسه بفوهة مدفعه فألقاه فاقد الوعي..
    وكشف (هيثم) عن غطاء كبير يقود إلى ممر تحت الأرض يمتلئ برجال المقاومة والمخابرات الفلسطينية، وفتحه، فاندفع الإسرائيليون عبره بغتة وهاجموا مخزن الأسلحة فجأة فقتلوا المئات وهرب الباقون، واستولى اليهود على كل الأسلحة..
    واتجه قائد الكتيبة نحو (هيثم) وقال له في حماس:
    - عمل رائع يا رجل.. لقد أديت كل شيء على ما يُرام.
    ابتسم (هيثم) في سعادة وهتف:
    - هذا يعني أنني سأحصل على مكافأتي يا سيدي، أليس كذلك؟
    ضحك القائد وأشار إلى أحد رجاله قائلا:
    - بالطبع بالطبع.. (حونين).. امنح الرجل مكافأته.
    ورفع (حونين) مدفعه فجأة نحو رأس (هيثم) فاتسعت عينا هذا الأخير وتراجع في ذعر..
    وانطلقت الرصاصة..
    وفي ازدراء، مط القائد شفتيه ورمق جثة (هيثم) بعين واحدة، قائلا:
    - إلى الجحيم ايها الحقير.. هل كنت تظن أننا سنعتمد على فلسطيني خائن قذر مثلك؟!
    وتألقت عيناه في ظفر..

    ***
  • Mohamed Fakhry
    عضو جديد
    • Jul 2010
    • 6

    #2
    الفصل الثاني

    الفصـــــل الثاني
    ***

    (إس جى 22)..
    بدت هذه الحروف والأرقام غريبة للغاية بالنسبة للمقدم (عمر) وزملاؤه، خاصة حينما نطقها مدير المخابرات المصرية بمنتهى الحزم والثقة، لكن الجميع التزموا بالصمت وهم يحاولون استنتاج المعنى الذي يقصده المدير، حتى نهض الأخير من مكانه واتجه إلى الشاشة المعلقة خلفه والتي تبدو عليها خريطة واضحة للمسجد الأقصى والمنطقة المحيطة به، وأشار إليها قائلا:
    - إسرائيل تنوي نسف المسجد الأقصى تماما ومحوه من هذه الخريطة، ويريدون أن يفعلوا ذلك بشكل مفاجئ دون إثارة العالم الإسلامي ضدهم لفترة طويلة، لذا فقد اختاروا القنابل شديدة التدمير لزرعها تحت المسجد وحوله.
    ولوح بذراعيه وهو يتابع:
    - هذه القنابل يجب أن يتم زرعها كشبكة متصلة، وليست منفصلة، بحيث تنفجر كلها في لحظة واحدة، ويختفي الأقصى من الوجود.
    نطق الجملة الأخيرة في ضيق وغضب، ثم استعاد حزمه وتابع:
    - شبكة القنابل هذه أطلقت عليها إسرائيل الرمز (إس جى 22).. وتحيطها بقدر هائل من السرية، فلا أحد يعلم عنها شيئا ولم نكن نحن لنعلم بأمرها لولا فطنة المخابرات الفلسطينية.
    تنحنح (عمر) وتساءل:
    - عذرا يا سيدي، ولكن ما الذي يؤكد لنا أن هذه المعلومات حقيقية؟؟
    أجابه المدير في صرامة:
    - إنها تندرج تحت الفئة (أ) أيها المقدم.
    أطبق (عمر) شفتيه تماما دون أن يعلق، فقد كان يعلم أن الفئة (أ) تعني السرية المطلقة، وتعني أن هذه المعلومات قد تم التأكد منها بكافة السبل والوسائل..
    عاد المدير إلى مقعده وزفر في حرارة وهو يتابع:
    - مهمتنا عسيرة للغاية هذه المرة يا سادة، فلا أحد يعلم أين توجد خريطة توزيع (إس جى 22)، وحتى لو علمنا مكانها يجب أن نحصل عليها أو على نسخة منها دون إثارة أي قدر من الشكوك، وإلا ألغت إسرائيل خطتها أو استبدلتها بخطة أخرى، ثم يتعين علينا أن نجد وسيلة لإيقاف الشبكة أو إتلافها، وتلقين اليهود درسا قاسيا يجعلهم يفكرون ألف مرة قبل المساس بعقيدتنا وبوطننا العربي.
    ألهبت كلماته مشاعر الجميع، مع شعورهم بمزيد من القلق بسبب صعوبة المهمة وخطورتها، في حين نهض المدير مرة أخرى وضغط زرا أمامه، فتبدلت صورة خريطة الأقصى وحلت مكانها صورة رجل طويل غليظ الملامح، تبدو عليه القسوة والشراسة، أسود الشعر والعينين واللحية، ولكنه يبتسم في مكر على نحو يجعلك تشعر بديانته اليهودية وجنسيته الإسرائيلية من النظرة الأولى..
    وشرح المدير:
    - ترجح المخابرات الفلسطينية أن خريطة (إس جى 22) تحتفظ بها إسرائيل في منزل هذا الرجل.. (إفرام إليعاذر).. الجنرال السابق في الجيش الإسرائيلي الذي شارك في عدة مذابح منها مذبحة (دير ياسين) الشهيرة، وهو واحد من أقذر مجرمي الحرب في العالم، وأكثرهم دموية وقسوة.
    وصمت لحظات، ثم عقد حاجبيه متابعا:
    - هذه المعلومة غير مؤكدة إطلاقا، ولكنها قد تكون طرف خيط يمكن أن يقودنا إلى شيء ما.
    تساءل (عمر):
    - وهل توصل الفلسطينيون إلى موعد تنفيذ (إسرائيل) لهذه الخطة؟
    صمت المدير تماما هذه المرة وهو يدير عينيه بين الوجوه، فحبس الجميع أنفاسهم وهم ينتظرون الجواب في قلق، حتى جاء من المدير بطيئا وجافا:
    - أسبوع على الأكثر..
    وهوى جوابه كالصاعقة..
    بل كالقنبلة..

    ****

    توقفت الطائرة القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية في مطار (تل أبيب)، وهبط منها رجل طويل القامة عريض المنكبين، مفتول العضلات، يرتدي تي شيرت مزركش ونظارة شمس صغيرة، ويبدو شديد الوسامة والبساطة وهو يتحدث مع رواد الطائرة الذين يهبطون منها بدورهم..
    وتقدم الرجل في خفة إلى منطقة الجوازات وناول جوازه إلى الموظف المسئول وهو يمنحه ابتسامة واسعة، فبادله الموظف ابتسامته بمثلها، وفحص جواز سفره بعينيه، ثم ناوله إياه وهو يقول:
    - مستر (جون إدوارد).. هذه ليست المرة الأولى التي تزور فيها (تل أبيب).
    هز (جون) كتفيه في بساطة والتقط الجواز مجيبا:
    - إنها الثالثة في الواقع.. لا تمر فترة إجازتي دون أن أزورها فقد أثارت إعجابي، وأنا كأمريكي أشعر بالراحة هنا.
    اتسعت ابتسامة الموظف وقال:
    - نرجو أن تروق لك مدينتنا دوما.
    أجابه (جون) بالعبرية:
    - أتمنى ذلك.
    أطلق الرجل صفيرا طويلا، وقال في دهشة:
    - إنك تتحدث العبرية بطلاقة.
    رفع (جون) أحد حاجبيه وغمغم في خبث:
    - عجبا ! يقولون أنكم حذرون للغاية في تعاملكم مع الأجانب، في حين تسألني عن تحدثي بالعبرية، وقد أنهيت فحص جواز سفري للتو! قل لي يا رجل، ألم تلاحظ أن أبي إسرائيلي وأمي أمريكية؟!
    ارتبك موظف الجوازات، وابتسم في افتعال وهو يجيب:
    - بالطبع.. بالطبع.. لاحظت ذلك..
    هز (جون) كتفيه بنفس الأسلوب اللا مبالي، ثم مضى إلى سبيله، فمط الموظف شفتيه وهو يهمس في حنق:
    - يا للأمريكان عندما يصيبهم البرود!
    لم يسمع (جون) عبارته وهو يشير إلى أول تاكسي قابله ويدلف إليه وهو يقول للسائق:
    - قدني إلى (برج شالوم) من فضلك.
    وانطلق التاكسي إلى المكان المنشود في سرعة، في حين ظل (جون) صامتا طوال الوقت وهو يتطلع إلى ما حوله في انبهار، ويلتقط صورا للمعالم التي يمر بها عبر كاميرا المحمول الخاص به، ثم قال للسائق بالعبرية في ذهول:
    - رائع! لقد تغيرت المدينة كثيرا عن آخر مرة كنت فيها هنا.
    ابتسم السائق وأجاب في بساطة:
    - (تل أبيب) هي أرض الميعاد يا مستر.. لن تجد مكانا على الأرض أكثر جمالا منها.
    هز (جون) رأسه دون أن يعلق، ثم استمر في التقاط الصور حتى توقف التاكسي أمام (برج شالوم) - واحد من أكبر المراكز التجارية في تل أبيب - فخرج منه وأعطى السائق أجرته، ثم اتجه إلى البرج واستغرق بعض الوقت في التسوق، ثم أوقف تاكسي آخر وانطلق مباشرة إلى فندق (هيلتون تل أبيب) حيث استقبله الموظف المسئول بابتسامة كبيرة فبادله (جون) الابتسام وقال في هدوء:
    - لديكم حجز عبر الانترنت باسم (جون إدوارد).
    راجع الموظف أوراقه، ثم ابتسم في دبلوماسية وقال:
    - بالتأكيد.. الحجرة رقم 46.. الطابق الثالث.. (ميشيل).. اصعد بالرجل إلى حجرته فلا بد أنه شديد الإرهاق.
    صعد (جون) مع العامل إلى حجرته ومنحه بقشيشا مناسبا، ثم أغلق الباب خلفه وتنهد في عمق..

    *****

    (سيدي)..
    قالها (دافيد) مساعد مدير الموساد الإسرائيلي في احترام وهو يقف أمام مكتب سيده، فرفع هذا الأخير رأسه إليه وسأل:
    - ماذا وراءك يا (دافيد)؟
    وضع (دافيد) أمامه ورقة طويلة تبدو فيها صور أربعة رجال، وتحتهم بيانات طويلة، وقال في آلية:
    - منذ ساعة واحدة وصل إلى مطار (تل أبيب) مستر (جون إدوارد) الأمريكي الثري المعروف، صاحب مجموعة شركات الاستيراد والتصدير المعروفة باسم (بلاك تايجر)، وهي ليست المرة الأولى التي يزور فيها مدينتنا، ولكن الغريب أن موظف الجوازات شعر بأنه مختلف عن كل مرة، وقال إن طريقته لا تروق إليه أبدا.
    جذب هذا الحديث اهتمام المدير في شدة، فالتقط الورقة وتساءل:
    - هل أجريتم تحرياتكم؟
    أومأ (دافيد) برأسه إيجابا، وقال:
    - بالتأكيد، الرجل ليس هناك في أمريكا، والجميع هناك يعلم أنه سافر إلى (تل أبيب) للاستجمام في مدينة والده الراحل، كما أنه اتبع نفس نظامه كل عام، فبدأ بزيارة (برج شالوم) ثم (فندق هيلتون) الذي حجز غرفته فيه عن طريق الإنترنت من الولايات المتحدة، وكل خبراؤنا أجمعوا على ذلك من خلال التأكد من رقم الآي بي.
    صمت المدير لحظات، ثم قال بنوع من عدم الاقتناع:
    - ما الداعي للشك إذن؟
    لم يعلق (دافيد) في حين عقد المدير حاجبيه وتابع:
    - فليكن، مر رجالنا بمراقبته والتأكد من تحركاته.
    ومط شفتيه وهو يكمل:
    - فالأمر كله سينتهي بعد عدة أيام..
    وارتجف قلبه بين ضلوعه وهو يتخيل اللحظة التي سيتحقق فيها حلمه..
    اللحظة التي يتحول فيها الأقصى إلى أنقاض..
    ويا له من حلم!

    ***

    هبط (جون إدوارد) على سلالم فندق (هيلتون تل أبيب) في سرعة ورشاقة وهو يطلق من بين شفتيه لحنا أمريكيا شهيرا، ثم توقف أمام موظف الاستقبال وقال له مع ابتسامة كبيرة:
    - صباح الخير.. سأخرج للتنزه قليلا.. إذا سأل عني أي شخص فقط أخبره أنني لست هنا، وإن كان يحمل رسالة فليتركها معك.
    ثم مد يده في جيبه وأخرج شيكل إسرائيلي ووضعه أمامه وهو يقول في خبث:
    - ولك مائة مثله عندما أعود.
    تألقت عينا الموظف فتابع (جون) وهو يلوح بذراعيه مودعا:
    - الآن إلى اللقاء.. لا تنسى أن تخبر الجميع أنني في نزهة.
    وقفز داخل سيارته ثم انطلق بها في سرعة وهو يطلق ذلك اللحن الأمريكي، ولم يكد يبتعد حتى ظهرت سيارة كبيرة خلفه يقودها خمسة من الموساد الإسرائيلي، قال قائدهم في صرامة:
    - انطلق خلفه يا (خزرو).. لا تدعه يغيب عن بصرك قط.
    لاحظ (جون) السيارة التي تتبعه من بعيد، لكنه تظاهر بالهدوء وهو يتخذ طريقا طويلا يقود إلى أطراف المدينة، فغمغم أحد رجال الموساد:
    - أين يذهب هذا الرجل بالظبط؟
    قال القائد:
    - ربما يتجه إلى الساحل، فالمفترض أن مجرد سائح.
    رفع (جون) فجأة من سرعة سيارته وانطلق بها كالصاروخ عبر طرق فرعية فصاح قائد رجال الموساد:
    - الحقوا به.. زد من سرعتك يا (خزرو).
    انحرف الإسرائيليون في حدة خلف (جون) لكنهم وجدوا سيارته متوقفة على جانب الطريق، فأسرعوا يوقفون سيارتهم خلفها من بعيد وقال قائدهم في خفوت كأنما يتحدث مع نفسه:
    - هنا؟ هذا الشارع حدثت به عدة عمليات انتحارية من قبل.. ترى هل يكون هذا الرجل على علاقة بالفلسطينيين؟؟
    أثارته الفكرة في شدة فاستل مسدسه وأشار لرجاله فقفز الجميع خارج السيارة واتجهوا نحو سيارة (جون) في حذر وبطء إلا أن المكان كان صامتا تماما، فاتجه القائد نحو مقدمة السيارة ثم اتسعت عيناه في دهشة وهو يهتف:
    - هذا الخدش لم ألاحظه من قبل!
    انحنى أحد رجاله يفحص الإطارات والمحرك ثم ارتد فجأة كالمصعوق وهو يصرخ:
    - بحق إسرائيل!! المحرك بارد تماما.. هذه ليست سيارة (جون).
    اتسعت عينا القائد في هلع وفهم الأمر فجأة..
    لقد خدعهم (جون) ولم يعد من الممكن العثور عليه مرة أخرى..
    أبدا..

    ****

    ساد الهدوء في منزل ريفي صغير يقع على مشارف تل أبيب قرب الساحل المطل على البحر المتوسط، وانهمك أربعة رجال وفتاتان داخله في مناقشة طويلة وهم يفحصون خريطة أمامهم لدولة إسرائيل..
    وارتفعت طرقات هادئة على الباب فنهض أحد الرجال واستل مسدسا من حزامه وهو يسأل بالعبرية في حذر:
    - من؟
    أجاب (جون) من خلف الباب بالعربية:
    - العصافير لا تغرد في المساء.
    ابتسم الرجل عندما سمع كلمة السر، ثم أخفى مسدسه وفتح الباب وهو يقول:
    - والعصفور الحبيس لا يغرد أبدا.. ادخل بسرعة.
    قفز (جون) إلى الداخل فأغلق الرجل الباب خلفه، واستدار إليه واحتضنه في قوة وهو يهتف من أعماق قلبه:
    - مرحبا بك يا سيادة المقدم.. إننا ننتظرك منذ أربعة دقائق.
    صافح (جون) - الذي لم يكن سوى المقدم (عمر) - باقي الرجال الثلاثة وأومأ برأسه للفتاتين دون أن يصافحهما بيده، ثم جلس على رأس المائدة المفرود عليها الخريطة، وقال في سرعة:
    - كنت أفر من مطاردة سخيفة.. المهم، ما هي آخر المعلومات؟
    جلس الرجل أمامه مباشرة وأشار إلى نقطة واضحة في قلب تل أبيب وأجاب:
    - هناك حراسة مشددة على منزل (إفرام).. من الواضح أن (إس جى 22) توجد هناك بالفعل.. المنزل نفسه صغير، تواجهه حديقة واسعة، وعن شرقه ساحة صغيرة يوقف فيها سيارته عندما يعود إليه، يحيط بالمنزل سور سميك يتجاوز ارتفاعه الأمتار الثلاثة ويسري خلاله تيار كهربي قوي.. توجد عشر كاميرات مراقبة في كل ركن، ويتناوب على حراسة المكان دستتان من الرجال..
    عقد (عمر) حاجبيه في شدة، ثم درس موقع المنزل على الخريطة في حرص دون أن يعلق، وتساءل في عمق:
    - ترى لو كنتم مكان إسرائيل، هل ستختاروا موقعا كهذا؟
    لم يرد أحد، فنهض (عمر) وسار في الحجرة وهو يتابع:
    - لم لا؟ طالما أنه محاط بكل هذه الحراسة.. إذن، يتبقى السؤال الأهم: هل يعلم أحد - باستثناء (إفرام) - بوجود (إس جى 22) في المنزل؟ دعوني أجيب هذا السؤال.. كلا بالطبع فلا يجب أن يعلم أحد بأمرها أصلا إلا عدد محدود من رجال الدولة.
    ثم التفت فجأة إلى الرجال وسألهم في اهتمام:
    - هل هناك مواعيد ثابتة لخروج الجنرال وعودته إلى منزله؟
    أومأ أحدهم برأسه وأجابه:
    - نعم.. يخرج في العاشرة صباحا تماما من منزله، ويزاول بعض تمارين الجري حول حديقة منزله، ثم يتناول إفطاره ويخرج، ولا يعود إلا في السادسة مساء.
    صمت (عمر) تماما وهو يقلب الأمر من جميع جوانبه، وطال صمته هذه المرة لكن أحدا لم يتحدث، حتى تألقت عيناه في شدة وضرب سطح المائدة بقبضته وهو يقول في حماس:
    - وجدتها.
    وكان يعني ما يقول..

    ****

    طرق (دافيد) باب حجرة مدير الموساد في حماس، ثم قفز إلى الداخل، فرفع المدير رأسه إليه وهو يقول:
    - هات ما عندك.
    ابتسم (دافيد) وأجاب في ثقة:
    - هذا الرجل مثير للريبة يا سيدي.. لقد راقبناه كما أمرتنا عبر الأقمار الصناعية التي كشفت حركة سيارته لحظة بلحظة، وأمرنا بعض رجالنا بمطاردته لضمان بقائه تحت أعيننا.. ورغم أنه ناورهم في مهارة، لكن القمر الصناعي رصد حركته في دقة، فقد اتجه إلى منزل قرب الساحل وبقى داخله قرابة الساعة، ثم خرج منه وعاد مباشرة إلى الفندق.
    شبك المدير أصابعه دون أن يعلق، فتابع (دافيد):
    - هذا المنزل يخص ستة أشقاء، منهم امرأتين، وجميعهم من اليهود، ويقيمون في تل أبيب منذ عام واحد، لكنهم لا يستقرون طويلا.
    رد المدير في سرعة وصرامة:
    - أريدهم هنا.. حالا.
    وتألقت عينا (دافيد) في شراسة..

    ****

    انطلقت سيارة الجنرال (إفرام) تشق شوارع تل أبيب في سرعة، وقد أحاط بهذا الأخير داخلها خمسة حراس، بالإضافة إلى السائق، وعلى الرغم من ذلك تلفت (إفرام) حوله في حذر وحرص طوال الوقت..
    وفجأة، ظهر رجل عجوز متغضن الوجه، ينحني ظهره على نحو بشع ويرتكز بكلتا يديه على عصا قصيرة، وهو يعبر الطريق أمام السيارة مباشرة..
    وفي سخط، ضغط السائق فرامل سيارته ليمنع نفسه من الارتطام بالرجل ثم صاح في غضب:
    - أيها العجوز الحقير! كدت أن أقتلك.. ابتعد عن هنا.
    امتقع وجه العجوز واتجه إلى نافذة السيارة وهو يصيح في ضعف:
    - أهكذا تعامل عجوزا مثلي؟ أهكذا تعامل عضوا في الكنيست ومجلس الشيوخ؟!
    ضاقت حدقتا (إفرام) في شدة وأصابه التوتر بسبب هذه الكلمة الأخيرة، وقال للعجوز مع ابتسامة مرتبكة:
    - عذرا يا.. أيا كان اسمك.. لكننا لم نقصد إغضابك.
    اتسعت عينا العجوز وهو يتطلع إليه مباشرة ويهتف:
    - (إفرام إليعاذر)؟! يا إلهي.. لقد تغيرت ملامحك كثيرا يا رجل.. دعني أصافحك، فقد افتقدتك في شدة.
    مد العجوز يده عبر النافذة إلى (إفرام) لكنه شهق فجأة وسعل في شدة عدة مرات واحتقن وجهه، فقفز هذا الأخير من سيارته وحاول أن يساعده على التماسك وهو يهتف برجاله:
    - الرجل يختنق.. إنه يحتاج إلى الإسعاف.
    شعر رجاله بالدهشة وهم يرون قائدهم الذي كان يذبح الأطفال والنساء والشيوخ بلا رحمة وهو يتحدث بكل هذه اللهفة والعطف في حق الرجل، فقط عندما علم أنه عضو في الكنيست، لكن العجوز استند على (إفرام) بكلتا يديه وغمغم في تهالك:
    - لا عليك يا ولدي.. إنني بخير.
    ثم عاد يلتقط عصاه وهو يلوح بيده ويقول للسائق:
    - في المرة القادمة عليك بالأدب في معاملة الشيوخ.
    كتم الجميع ضحكاتهم، في حين احمر وجه السائق، وعاد (إفرام) إلى سيارته وهو يهتف:
    - هيا.. فلننطلق.
    وبمجرد أن ابتعدت السيارة، اعتدلت قامة العجوز وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو ينظر إلى البطاقة المغناطيسية الخاصة بـ (إفرام)، والتي سرقها منه حينما استند عليه، ثم دسها في جيبه بسرعة واختفى عن الأنظار..

    ****

    (كانت لعبة متقنة منذ البداية)..
    قال مدير المخابرات العامة المصرية هذه العبارة في حزم وهو يواجه رجاله في ذلك الاجتماع المغلق الذي عقده بشكل طارئ لبحث عملية (تل أبيب)، ثم تابع في قوة:
    - (جون إدوارد) أصيب بنزلة برد قبل يوم واحد من سفره إلى إسرائيل، وهذه الحقيقة خدمتنا في الواقع، لأن (عمر) لا يجيد تقليد الأصوات، وفي نفس الوقت كان هو أنسب رجل لقيادة هذه العملية، لذا فبمجرد أن انطلق (جون) من أمريكا إلى إسرائيل حتى كنا بانتظاره في مطار (باريس) الذي ستهبط فيه طائرته مؤقتا أثناء الرحلة، وهناك اختفى (جون) وحل محله (عمر) الذي أجاد تقمص شخصيته في الواقع.
    ثم نهض وأشار إلى خريطة كبيرة لمدينة (تل أبيب) معروضة على شاشة ضخمة أمام الجميع، وتابع وهو يشير إليها:
    - المعلومات التي أرسلها (عمر) شديدة الخطورة، فمنزل الجنرال محاط بحراسة مشددة، ولا أظن أن المساعدات التي يتلقاها هناك من (فارس) و(جهاد) ستكون كافية.
    غمغم أحد رجاله:
    - خاصة أن ابن (فارس) مات رضيعا بعد دقائق من ولادته، بعد أن قتله جندي إسرائيلي بالرصاص، وبعده ماتت أمه حزنا عليه، وربما ماتت بسبب الدم الذي فقدته أثناء الولادة التي تمت بشكل بشع للغاية.
    أكمل المدير:
    - ولكل هذه الأسباب، أظن أن مهمة (عمر) عسيرة للغاية.
    وساد الصمت بعد هذه العبارة..
    تماما..

    ****

    اتجه (إفرام) نحو البوابة الخارجية لمنزله التي يقف على حراستها أربعة رجال، وأبرز بطاقته المغناطيسية الخاصة وهو يسعل في قوة ويقول بصوت مبحوح:
    - أسرع يا رجل.. إنني مريض.
    لم يلق أي من الرجال الأربعة نظرة واحدة على البطاقة بل اكتفوا بإفساح الطرق أمام (عمر) المتنكر في هيئة (إفرام) فأسرع الأخير نحو باب المنزل، ودلف إليه وهو يتنهد في عمق و..
    وفجأة، أضاءت كل أنوار المنزل في لحظة واحدة، وتجمدت عينا (عمر) على (إفرام إليعاذر) الحقيقي وهو يقف في نهاية المنزل وحوله دستة من رجاله، وجميعهم يصوبون مدافعهم الرشاشة إلى صدر (عمر)، في حين قال (إفرام) في شماتة وزهو:
    - ألن تعترف لي بالتفوق والمهارة يا (جون)؟
    ثم ابتسم في خبث وهو يتابع:
    - أم تحب أن أناديك باسمك الحقيقي أيها المقدم؟
    وهنا، انعقد حاجبا (عمر) وانفجر في أعماقه بركان من الغضب..
    فهذا لا يعني فقط أن حياته قد انتهت..
    ولكن يعني أن مهمته قد فشلت..
    وأن (إس جى 22) لا تزال في قبضة الإسرائيليين..
    بل والأدهى، أن الأقصى سيظل مهددا بالخطر !!
    وأطلق (إفرام) ضحكة ساخرة عالية وهو يتابع في تلذذ:
    - كانت خطتكم رائعة بالفعل يا رجال المخابرات المصرية.. أعترف لكم بذلك.. ولكن ماذا تساوي خطتكم أمام عبقرية الموساد؟؟
    لم يعلق (عمر) في حين تابع (إفرام):
    - آه! يؤسفني إبلاغك أننا اضطررنا إلى قتل الرجال الأربعة وتعذيب الفتاتين.. لا أعلم لماذا أصر الرجال على عدم التفوه بحرف واحد؟ حتى بعد أن شويناهم أحياء ظلوا على عنادهم! ولكن لحظك السيء، نحن لا نجيد أساليب التعذيب فقط مع النساء.. هناك أساليب أكثر فاعلية معهن.
    وقهقه ضاحكا في شدة، وانفجر غضب (عمر) حينما أدرك معنى هذه الجملة الأخيرة، وصرخ:
    - أيها القذر الحقير.. سأقتلك يا (إفرام).. أقسم أنني سأقتلك.
    عبس وجه (إفرام) فجأة وأشار إلى رجاله وهو يقول في شراسة:
    - اخرس.
    وفي لحظات أحاط رجال (إفرام) بـ (عمر) وحملوه إلى سيارة كبيرة، انطلقت مباشرة إلى مبنى الموساد الإسرائيلي

    ****

    (المهمة فشلت)..
    كانت هذه العبارة تحمل كل ألم ومرارة الدنيا وهي تخرج من بين شفتي مساعد مدير المخابرات المصرية وهو يخبر بها المدير، فامتقع وجه هذا الأخير وردد:
    - فشلت؟!
    أومأ المساعد برأسه وغمغم في أسى:
    - نعم.. لقد قُتِل (فارس) ورجاله وتعرضت (فاتن) إلى أساليب إسرائيل القذرة من اغتصاب وتعذيب بعد أن ألقوا القبض عليهم، وقادهم هذا إلى (عمر) الذي سقط في أيديهم بدوره، وتم ترحيله إلى الموساد حيث يتم استجوابه.
    تمتم المدير في ألم:
    - يا إلهي! يا إلهي!
    ثم ساد الصمت..
    صمت يحمل طعم الهزيمة..
    وكل مرارة الدنيا..

    تعليق

    • صقرالنوايف
      عضو متميز

      • Jun 2005
      • 25677

      #3
      الرد: الفصل الثاني

      شكرا اخي الفاضل
      كل خيانة يمكن ان تقبل إلا خيانة الأهل والوطن
      دمت بخير

      تعليق

      • Mohamed Fakhry
        عضو جديد
        • Jul 2010
        • 6

        #4
        الرد: الفصل الثاني

        اضيف في الأساس بواسطة صقرالنوايف
        شكرا اخي الفاضل
        كل خيانة يمكن ان تقبل إلا خيانة الأهل والوطن
        دمت بخير
        وشكرا لك أخي مرورك الكريم وتعليقك الغالي ،،

        تعليق

        • Mohamed Fakhry
          عضو جديد
          • Jul 2010
          • 6

          #5
          الفصل الثالث

          الفصـــــل الثالث

          (إنها خطة عبقرية بحق)..
          قالها مدير المخابرات المصرية في إعجاب وهو يراجع الخطة التي أرسلها (عمر) من تل أبيب، فعقب مساعده قائلا:
          - بالتأكيد.. تنكر (عمر) في هيئة (دافيد) وتنكر (كمال) في هيئة (عمر) أمور لن تخطر على بال الإسرائيليين.
          أشار المدير بيده وهو يؤكد:
          - بالإضافة إلى المعلومة الهامة التي حصلنا عليها من المقاومة الفلسطينية والتي تؤكد أن (أنجيل آدمز) أخطر نساء المخابرات المركزية الأمريكية - السي آي إيه - وأكثرهم قسوة، ستصل إلى إسرائيل خلال عدة ساعات.
          هز مساعده كتفيه وأكمل مبتسما:
          - ولم يكن من الصعب استنتاج أنها هنا من أجل (إس جى 22)، وأنها ستخاطب الموساد الذي يعلم كل تفاصيل هذا الأمر منذ البداية.
          هز المدير رأسه موافقا، ثم قال في قوة:
          - أخبره أن يبدأ في تنفيذ خطته على الفور.
          وبدأت ساعة الخطر..

          ****

          طرق (عمر) المتنكر في هيئة (دافيد) باب حجرة مدير الموساد، ثم دلف إلى الداخل، فرفع المدير رأسه إليه وهو يهتف:
          - ما الذي حدث بالضبط بحق الشيطان؟ لماذا تأخرت؟
          لاحظ المدير أن وجه (عمر) مغطى بالضمادات، وقال هذا الأخير بصوت متحشرج مبحوح:
          - تبا لرجل المخابرات المصرية! لقد باغتني وجردني من سلاحي، ثم تعاركت معه بالأيدي العارية، وهو شديد المهارة والقوة، وأصابني بالعديد من الجروح والكدمات، وهشم أنفي وأسناني، ثم فر قبل أن أنتقم منه.
          تجهم وجه المدير وغمغم في توتر:
          - هذا الرجل شديد الخطورة بالفعل يا (دافيد).
          صاح (عمر) في حنق:
          - لن يفر مني إلى الأبد!
          ثم تابع بصوته المبحوح:
          - والأدهى أنني وجدت (إفرام إليعاذر) جثة هامدة بالفعل، بعد أن اعترضت سيارة كبيرة طريقه، فانقلبت سيارته، ولقى حتفه داخلها على الفور.
          لوح المدير بيده وهو يهتف:
          - فليذهب (إفرام) إلى الجحيم.. المهم أن (إس جى 22) لا تزال معنا.
          وصلت رسالة فورية عبر الانترنت في هذه اللحظة إلى مدير الموساد، فقرأها هذا الأخير في سرعة، ثم ضغط زرا أمامه وقال آمرا:
          - دعوها تدخل على الفور.
          ارتسم التساؤل على وجه (عمر) فقال المدير في حزم:
          - (أنجيل) وصلت.. كنت أنتظرها بالفعل.. لا بد أن هناك أمورا هامة تستدعي مجيء فاتنة مثلها لزيارة إسرائيل.
          ضحك (عمر) وعقب في بساطة:
          - ليتها مجرد فاتنة يا سيدي.. إنها - حسبما أتذكر - أكثر نساء الأرض جمالا.
          ارتسم شبح ابتسامة على شفتي المدير ثم اختفى في سرعة حينما دلفت (أنجيل) إلى المكتب دون أن تطرق الباب..
          ولك يكن (عمر) مخطئا على الإطلاق..
          كانت فتاة طويلة، ممشوقة القوام، شقراء الشعر، خضراء العينين، شديدة النشاط، تبتسم طوال الوقت ابتسامة ساحرة جذابة، وتستخدم عطرا قويا ينتشر حولها لثلاثة أمتار على الأقل..
          وكان الجميع يعلم جيدا أن هذه الفتنة تخفي خلفها قلبا ميتا قاسيا، لا يحب أحدا إلا نفسه فقط، ولا يعرف المشاعر، بل يقتل لأتفه الأسباب، ويستمتع بذلك إلى أقصى درجة، لذا فقد سألها المدير في حذر:
          - ما هدف هذه الزيارة يا (أنجيل)؟
          اتسعت ابتسامتها وهي تجيب في وضوح:
          - تعجبني صراحتك يا عزيزي.. أنا هنا من أجل (إس جى 22).
          سألها بنفس الحذر:
          - ماذا عنها؟
          أجابته في صرامة:
          - ألم تسمع عما يحدث في تل أبيب منذ البارحة يا رجل؟ انفجارات وحوادث، ورجالكم يسقطون واحدا بعد الآخر، إنكم لا تصلحون للاحتفاظ بالخريطة.
          هتف المدير معترضا:
          - ولكننا..
          قاطعته (أنجيل) في شراسة:
          - لا تناقش يا هذا.. إنه أمر مباشر من السي آي إيه.. وأنا هنا لتنفيذه.
          امتقع وجه المدير، فقد كان يعلم ماذا تعني أوامر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، في حين تابعت (أنجيل):
          - كان هذا ما يجب أن يحدث منذ البداية.. الأمر كله سيصبح مهددا بالفشل لو بقيت الخريطة معكم.. ستظل الخريطة في أمريكا تحت سمعنا وبصرنا حتى تأتي اللحظة الحاسمة.
          ثم صاحت في شراسة:
          - هيا يا رجل.. أنا لا أتصف بالصبر.
          نهض المدير في ضيق وضغط تتابعا معينا في لوحة صغيرة تزين الجدار الخلفي لمكتبه، التقطته عينا (عمر) المدربة الخبيرة، فانزاح غطاء متوسط الحجم يكشف تجويفا واسعا داخل الجدار، والتقط منه الخريطة ثم ناولها إلى (أنجيل) وهو يسألها:
          - هل تحتاجين إلى حراسة؟
          انفجرت ضحكتها عالية مجلجلة وهي تلتقط (إس جى 22) وتجيب في سخرية:
          - (أنجيل) لم ولن تحتاج إلى أحد.
          أشار المدير إلى (عمر) وقال آمرا:
          - رافقها يا (دافيد) وتأكد من مغادرتها تل أبيب بنفسك.
          ولك يكد الاثنان يغادران مكتبه حتى عاد المدير إلى مقعده وغمغم في حنق:
          - أشعر أنني ارتكبت أكبر خطأ في حياتي..
          ولم يكن يدري أنه ارتكب بالفعل غلطة حياته..

          ***

          انطلق (عمر) بسيارة (دافيد) نحو مطار تل أبيب مباشرة، في حين جلست (أنجيل) بجواره صامتة، ثم نظرت إليه وسألته فجأة في سخرية:
          - من فعل بك هذا يا (دافيد)؟
          صاح في حنق:
          - لا تذكرينني به.. هذا القذر شوه وجهي إلى الأبد.
          ضحكت في مرح وهي تقول مداعبة:
          - لكنك أصبحت أكثر وسامة يا (دافيد).
          ابتسم وهو يقول:
          - هذه شهادة تقدير، عندما أنالها من فاتنة مثلِك.
          ولكنها أكملت بكل سخرية الدنيا:
          - لأن ملامحك السابقة كانت لا تُطاق.
          عقد (عمر) حاجبيه متظاهرا بالغضب، في حين استغرقت هي في بحر من الضحك..
          وعند الناصية التالية خفف (عمر) من سرعة السيارة وهو يقول في حنق:
          - ولكنني أقسم بحائط المبكى أنني سأجعله يدفع الثمن، و..
          وفجأة، انطلقت رصاصة صائبة من مكان ما، اخترقت إطار السيارة الأمامي، فانحرف (عمر) بالسيارة وأوقفها في صعوبة وهو يصيح:
          - يا للشيطان !
          ظهر (كمال) المتنكر في هيئة (عمر) فجأة أمامهما وهو يصوب إليهما مسدسه قائلا بلهجة آمرة:
          - اخرجا من السيارة.. فورا.
          خرج الاثنان في بطء، وصوب (كمال) مسدسه إلى (أنجيل) متابعا في صرامة:
          - مرحبا بأفعى السي آي إيه الشهيرة.. دعيني أخمن.. (إس جى 22) توجد معك؛ لأنك لن تتركي (دافيد) يحملها وأنتِ برفقته.
          وبكل صرامة الدنيا، هتف:
          - امنحيني اياها وبسرعة قبل أن أزين رأسك برصاصة صغيرة.
          ترددت (أنجيل) لحظة ثم أخرجت الخريطة وقالت في خبث:
          - لِمَ لا تقترب وتأخذها بنفسك؟
          هتف (كمال) في صرامة:
          - ضعيها تحت قدميكِ ثم ابتعدي عنها تماما مع هذا الخرتيت.
          اختطف (عمر) الخريطة فجأة من يد (أنجيل) وهتف في حدة وهو يواجه (كمال):
          - حتى لو كنت (عمر المختار) وليس (عمر عبد اللطيف)!! لن تحصل عليها أبدا إلا فوق جثتي.
          صوب (كمال) مسدسه إلى رأسه وصاح:
          - امنحني الخريطة يا (دافيد) حتى لا تضطرني لقتلك.
          صرخ (عمر):
          - مستحيل.
          وقفز جانبا فجأة وتدحرج على الأرض، ثم هب واقفا وانطلق يعدو مبتعدا، فأطلق (كمال) عدة رصاصات خلفه، وفكرت (أنجيل) في المقاومة، لكن (كمال) عاد يصوب مسدسه إليها وهو يصرخ:
          - إياكِ أن تتحركي.
          صاحت (أنجيل) محاولة إثارة توتره:
          - سيفر (دافيد) بالخريطة ولن تحصل عليها يا (عمر).
          تظاهر (كمال) بالتوتر وهو يغمغم:
          - محال! سيعود إلى هنا حتما من أجل إنقاذِك.
          أطلقت (أنجيل) ضحكة عالية مستفزة، ثم صاحت:
          - أيها الغبي! يبدو أنك لا تعلم شيئا عن اليهود! إن المرء منهم لديه استعداد تام لقتل أبيه وأمه لو كان هذا مقابل حياته! لقد فقدت (إس جى 22) إلى الأبد.
          صرخ (كمال):
          - اخرسي.
          لاحظت (أنجيل) بطرف عينها (عمر) وهو يعود إلى المكان ويتسلل من خلف السيارة فاتسعت ابتسامتها الساحرة وهي تقول لـ (كمال) في رقة:
          - هل يمكنك أن تقتلني؟
          صاح (كمال):
          - لو لم يَعد هذا الوغد فورا، سأقتلك.
          غمغمت في خبث وهي تحاول إخفاء (عمر) الذي يتسلل من خلف ظهرها:
          - ستفقد الكثير إذا فعلت ذلك.
          وفجأة ظهر (عمر) من خلفها، وقفز في رشاقة وهو يدفعها جانبا ويصوب مسدسه إلى (كمال) صارخا:
          - احترسي.
          وانطلقت رصاصتان صائبتان، أصابت إحداهما صدر (عمر) والأخرى بطن (كمال) لتنفجر الدماء من الرجلين، ويسقطان على الأرض في عنف..
          ودون إضاعة لحظة واحدة، قفزت (أنجيل) نحو (عمر) الذي غمرته الدماء - التي لم تكن تعلم أنها مجرد سائل أحمر ناتج عن رصاصات مزيفة - وصاحت:
          - لأول مرة أراك شهما يا (دافيد)! هيا.. أين الخريطة؟ أين هي؟؟
          تظاهر (عمر) بالضعف والإعياء وهو يمد يده إلى جيبه ويخرج الخريطة، فاختطفتها منه (أنجيل) وصاحت في سعادة:
          - كم أحبك يا (دافيد)!
          وفي مهارة، قفزت داخل سيارتها وانطلقت مبتعدة وهي تكمل:
          - لذا، فلتذهب إلى الجحيم..
          ولم تكد السيارة تختفي عن الأنظار حتى اعتدل (عمر) وسجد على الأرض في خشوع وهو يردد:
          - أشكرك يا إلهي.. أشكرك.
          نهض (كمال) بدوره واتجه إليه وهو يسأله في لهفة:
          - هل نجحت؟
          أسرع (عمر) ينهض وجذبه بعيدا وهو يجيب في سعادة لم يستطع إخفاءها:
          - الحمد لله.. هيا.. فلنبتعد من هنا.
          وكان هذا يعني نهاية الجولة الأولى من المعركة..
          وبنجاح تام..

          ***

          ساد الصمت والسكون في منزل صغير منعزل على أطراف تل أبيب، حيث جلس الملازم (جلال عدنان) يراجع بعض الأوراق وعيناه تتألقان في ظفر وسعادة، في حين جلس (دافيد) أمامه على مقعد صغير وقد قيد (جلال) معصميه ووضعهما خلف ظهره، وكمم فمه..
          وأنهى (جلال) مراجعة الأوراق للمرة الثالثة على الأقل ثم لوح بها وهو يقول لـ (دافيد) في شماتة:
          - هل تعلم ما هذه الأوراق يا (دافيد)؟
          ارتسم التساؤل على وجه هذا الأخير، فتابع (جلال):
          - الورقة الأولى عبارة عن تقرير من الموساد الإسرائيلي، قام المدير بنفسه بتوزيعه على رجاله، ويؤكد فيه أنك قد أصبت بإصابات بالغة في صراعك مع المخابرات المصرية التي حاولت الحصول على الخريطة، وأنك أصبحت في عداد المفقودين، وستعتبرك الإدارة قد فارقت الحياة إلى أن يثبت عكس ذلك، وتؤكد أن محاولة المخابرات المصرية قد باءت بالفشل أيضا بناء على تقرير السي آي إيه.. بل والأجمل أنه قد تم تعيين رجل آخر في منصبك يا (دافيد) ولم يعد لك وجود في هذه الحياة إطلاقا.
          اتسعت عينا (دافيد) في هلع في حين التقط (جلال) الورقة الثانية وهو يقول بنفس الشماتة:
          - وهذا هو تقرير السي آي إيه كما كتبته (أنجيل آدمز) تماما.. والذي تؤكد فيه أن نسبة بقائك على قيد الحياة بعد إصابتك برصاصة مباشرة في صدرك لا تتجاوز خمسة في المائة، وأن المقدم (عمر) قد أصيب في شدة ولا يمكنه العودة إلى عمله قبل عدة شهور على أقل تقدير.. والجزء الأهم من وجهة نظري هو تأكيدها أن الخريطة لم يحصل عليها رجال المخابرات المصرية ولو لحظة واحدة وأنها لا تزال غير معروفة إلا للموساد والسي آي إيه فقط.
          ثم طوى الأوراق ونظر إلى عيني (دافيد) مباشرة وهو يتابع:
          - هل تعلم أن هذا يعني نجاحنا التام يا رجل الموساد المفقود؟ وهل تعلم أيضا أن هناك نقطة ضعف واحدة في خطتنا قد تكشف أمرنا كله وتقلب المائدة فوق رؤوسنا؟!
          تصبب العرق من وجه (دافيد) حينما أدرك ما يقصده (جلال) وصدرت عنه همهمة مكتومة، فهمها (جلال) على الفور فابتسم وأجاب:
          - ليس هناك حل آخر للأسف يا (دافيد).. فإما أن نقتلك وإما أن ينتهي أمرنا كله.. وأنت تعلم جيدا أننا لن نسمح بهذا.
          أطل الرجاء والتوسل من عيني (دافيد) الذي كاد يبكي بسبب هذه الجملة الأخيرة، فابتسم (جلال) في مكر وهو يتابع في بطء:
          - ربما كان هناك حل ثالث.
          تحول الرجاء والتوسل إلى لهفة، فأسرع (جلال) ينتزع الكمامة من فوق فم (دافيد)، ولم يكد يفعل حتى صرخ هذا الأخير:
          - أنا مستعد لكل ما تطلبونه.. كل ما تطلبونه.
          ربت (جلال) على كتفيه وقال في بساطة:
          - أنت رجل عاقل يا (دافيد).. سأعود على الفور.
          وأسرع (جلال) يغادر الحجرة تاركا (دافيد) يكاد يبكي من هول ما سمعه..
          هل نجح العرب في خداع إسرائيل بهذه البساطة؟
          هل حصلت مصر على (إس جى 22) من قلب الموساد؟؟
          هل فشلت ألسي آي إيه في كشف الأمر؟؟؟
          ولكن لا..
          لم ينتهي الأمر بعد بعد..
          أنت وحدك يا (دافيد) يمكنك قلب الأمور كلها وكشف هذه اللعبة..
          أنت وحدك يا (دافيد) يمكنك استعادة منصبك والحصول على مكافأة كبيرة وربما ترقية استثنائية أيضا..
          فقط إذا نجحت في الفرار وتحذير رؤساءك..
          وفي حنق غمغم (دافيد):
          - تبا لهذا الرجل! لقد جردني من كل ما أحمل، حتى هاتفي المحمول.
          وفي مهارة حقيقية، بدأت أصابعه تعمل لفك قيود معصميه، وهو يقول لنفسه في خفوت:
          - هيا يا (دافيد).. استرجع كل مهاراتك.. لا تجعل العرب يفعلونها مرة أخرى بعد أن أذلوا كبرياءنا في أكتوبر!
          وطوال عشر دقائق كاملة لم يتوقف (دافيد) عن المحاولة..
          ونجح..
          وفي شراسة، تألقت عيناه وهو يحل القيود عن معصميه ثم التقط خنجرا صغيرا من مخبأ خفي في حذائه، وعاد يضع معصميه خلف ظهره متظاهرا بأن شيئا لم يحدث، وانتظر عودة (جلال) إليه في تحفز..
          وبعد دقيقة واحدة، عاد هذا الأخير إلى المكان واتجه نحو (دافيد) مباشرة وهو يقول في صرامة:
          - هيا يا (دافيد).. سأمنحك فرصة أخيرة.
          ولكن (دافيد) قفز واقفا فجأة وطعن بطن (جلال) بخنجره وهو يقول في شراسة:
          - سأمنحها أنا لك يا رجل.. سأمنحك الفرصة في مغادرة هذه الحياة.
          وغاص الخنجر حتى مقبضه..
          واتسعت عينا (جلال) في ذهول وألم رهيب..
          والعجيب أنه لم يفكر وقتها في أي شيء إلا فكرة واحدة..
          (دافيد) فعلها..
          سيفر إذن، وسيحذر الموساد، وستفشل العملية كلها..
          ولو حدث ذلك، لن يستطيع أحد أن يوقف الإسرائيليين عن هدم الأقصى!
          الأقصى!!
          ولم تكد هذه الكلمة الأخيرة تتردد في ذهنه حتى نسى كل آلامه وأوجاعه..
          كان (دافيد) يتصور أن (جلال) سيسقط جثة هامدة على الفور، لذا فقد تملكه الفزع والرعب حينما نظر إليه هذا الأخير في غضب رهيب، وشعر أن نظرات (جلال) تخترق جسده كالرصاصات، فترك خنجره في بطن هذا الأخير وانطلق يعدو إلى خارج المكان..
          وفي إرادة فولاذية جبارة، لم يحاول (جلال) أن ينتزع الخنجر من أحشائه، وإنما دار على عقبيه وانطلق يعدو خلف (دافيد)..
          وارتجف قلب (دافيد) في رعب رهيب وكأنما يطارده الشيطان نفسه..
          كيف يمكن لأي إنسان أن يفعل هذا؟؟!!
          إن الدماء تنزف منه بلا توقف، والخنجر مزق أعضاءه بكل تأكيد والمفترض أن يسقط جثة هامدة دون أن يستطيع أن ينطق حرفا واحدا !!
          فكيف يتحرك ويعدو إذن؟؟
          وبكل قوته، قفز (دافيد) داخل سيارته بمجرد أن غادر المكان وهو يصرخ:
          - لن تلحق بي أبدا.
          فوجئ بـ (جلال) خلفه مباشرة، فضغط دواسة الوقود في سرعة، لكن هذا الأخير قفز بدوره داخل السيارة في نفس اللحظة التي انطلق فيها (دافيد)..
          وفي رعب حقيقي، حاول (دافيد) أن يدفع (جلال) خارج السيارة وهو يصرخ:
          - ابتعد عني.
          لكن (جلال) قبض على عنق (دافيد) بكلتا يديه وكأنما لم يعد له أمل في الحياة إلا القضاء على خصمه، فحاول (دافيد) التركيز في القيادة وهو يصيح:
          - أيها الغبي! ماذا تفعل؟
          ولكن (جلال) لم يفكر في أي شيء إلا شيئا واحدا..
          لن يصل هذا الوغد إلى الموساد..
          لن يفعل، طالما بقي داخل صدره نفسا يتردد أو قلبا ينبض..
          وبكل قوته، ضغط على عنق (دافيد) ليمنعه من التنفس، فغمغم هذا الأخير بصوت متحشرج:
          - لن تهزمني أبدا.
          وفجأة، انتزع الخنجر من بطن (جلال) في قسوة، وغرزه في صدره مباشرة..
          وفي هذه المرة كانت الآلام لا تُطاق..
          وتراخت يدا (جلال) عن عنق خصمه، وخبا نور الحياة في عينيه، ثم سقط على أرضية السيارة..
          وأطلق (دافيد) ضحكة ساخرة وهو يعود للسيطرة على القيادة، ويقول في شماتة:
          - بلغ تحياتي لكل العرب الأغبياء في الجحيم أيها السوري.
          لم يكن يفصل (دافيد) عن مبنى الموساد إلا جسر صغير، وتحته مباشرة منطقة جبلية وعرة، وبدأ (دافيد) يقول لنفسه في ظفر:
          - هيا يا (دافيد).. هذا هو جسرك إلى النصر.. جسرك إلى المال.. جسرك إلى الحياة.
          وانطلقت السيارة عبر الجسر حتى وصلت إلى منتصفه تقريبا..
          ولكن فجأة، نهض (جلال)..
          لا توجد قاعدة علمية يمكنها تفسير هذا الموقف، ولا تتحكم فيه إلا الإرادة الفولاذية الجبارة التي يمتلكها هذا الأخير، وتوفيق الله سبحانه وتعالى..
          ولكن (دافيد) لم يكن يفهم إلا منطق المال، لذا فقد اتسعت عيناه في ذهول ورعب رهيب حينما رأى (جلال) ينهض مرة أخرى وصرخ:
          - لا.. لا.. أنت لست بشريا.. لست بشريا.
          وهنا، قفز (جلال) بآخر ما يمتلكه من طاقة وأدار عجلة القيادة في عنف وهو يصرخ:
          - لبيك يا أقصى..
          وانحرفت السيارة بمنتهى العنف لتحطم حاجز الجسر وتهوي في الهواء من ارتفاع عشرة أمتار نحو الجبال مباشرة..
          ودوى الانفجار..

          ****

          تعليق

          • العامري
            عضو فعال
            • May 2001
            • 272

            #6
            الرد: الفصل الثالث

            الى الامام يامحمد ولابد ان يأتي يوم ونصلي في القدس
            البارحة يوم كلن نام يانايف&&&أبوك لاهو بلانائم ولاواعي

            تعليق

            • Mohamed Fakhry
              عضو جديد
              • Jul 2010
              • 6

              #7
              الرد: الفصل الثالث

              اضيف في الأساس بواسطة العامري
              الى الامام يامحمد ولابد ان يأتي يوم ونصلي في القدس
              جزاك الله خيرا ،،

              نعم، لا بد أن يأتي هذا اليوم إن شاء الله..

              تعليق

              • Mohamed Fakhry
                عضو جديد
                • Jul 2010
                • 6

                #8
                الفصل الرابع

                تحول مبنى المخابرات العامة المصرية إلى خلية نحل، حينما تكدس رجاله بشكل غير مسبوق في كل الطوابق، خصوصا في ذلك الطابق الذي يضم حجرة المدير الذي دعا كل رجل إلى ترك ما يقوم به والتفرغ بالكامل لعملية المسجد الأقصى..
                والواقع أنه لم يكن بحاجة إلى هذه الدعوة، فالجميع تفرغوا بالفعل لها وأصبح لا يشغل عقولهم أو قلوبهم إلا ما يحدث هناك..
                وداخل حجرة المدير كان هذا الأخير يشير إلى خريطة كبيرة ويقول لرجاله في سرعة:
                - الحمد لله.. انتهت المرحلة الأولى للعملية بنجاح تام.. لقد تمكن (عمر) و (كمال) من تصوير الخريطة بالكامل أكثر من مرة من جميع الزوايا وبوضوح، والأجمل من ذلك هو تيقن المخابرات الأمريكية والموساد تماما من أننا لا نزال لا نعلم أي شيء عنها.
                ثم تابع في حزم:
                - المعلومات التي تم تدوينها على الخريطة تؤكد أن شبكة (إس جى 22) يتم التحكم فيها عن طريق حاسب عملاق.. هذا الحاسب مخصص فقط لهذا الدور وتمت برمجته بحيث يبدأ عدا تنازليا منذ عدة أيام ويستمر هكذا دون توقف حتى يرسل إشارة تلقائية إلى الشبكة، التي ستنسف المسجد الأقصى.
                ثم أشار إلى خريطة واضحة للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد عند ولاية (فرجينيا) وتابع في صرامة:
                - الأمر في منتهى الخطورة يا سادة.. هذا الحاسب العملاق أطلقت عليه أمريكا اسم (سبايدر) ووضعته داخل أكثر الأماكن حصانة ومناعة على وجه الأرض.
                وصمت لحظة ثم تابع في قوة:
                - مقاطعة (لانجلي).
                تجهمت الوجوه واحتقنت في شدة، فقد كان الرجال يعلمون أن (لانجلي) هي مركز (السي آي إيه)، ويعلمون أن هذا المقر محاط بكاميرات مراقبة وأسوار وأسلاك شائكة وأحدث الوسائل التكنولوجية التي تجعل من المستحيل دخول ذبابة صغيرة دون أن تتحول إلى أشلاء، وقرأ المدير هذا التعبير على وجوههم فتابع:
                - لقد قلت أن الأمر في منتهى الصعوبة والخطورة، ولكن هذا لا يعني إطلاقا أن نستسلم.
                وفي اعتداد، فرد قامته وتألقت عيناه ورفع يده وهو يقول في شدة:
                - أقسم بالله العظيم أنني لن أستسلم ولن يهدأ لي بال، ولن أستحق منصبي هذا، لو لم ننجح في حماية الأقصى، وأنني مستعد للموت ألف مرة وأن يمزقونني إربا مليون مرة، لو كان هذا هو ثمن حمايته.
                ارتجفت قلوب الجميع، في حين أدار هو عينيه بينهم وسأل:
                - هل أنتم مستعدون للقسم؟
                ارتعشت أجسادهم ولكنهم قالوا في صوت واحد:
                - نقسم بالله على ذلك.
                وفي حزم، قال المدير:
                - ستتوقف كل عمليات الإدارة لنتفرغ تماما لهذه العملية، فالمهلة المتاحة لكسر دفاعات السي آي إيه والوصول إلى (سبايدر) وإيقاف البرنامج أو تدميره هي 48 ساعة فقط.
                وارتجف قلبه هو هذه المرة وهو يكمل:
                - ولندعو الله أن ننجح في تحقيق هذه المعجزة.

                ****

                امتلأ ذلك الملهى الليلي المسمى (إيموراليتي) الواقع في ولاية (فرجينيا) الأمريكية بالضحكات والدخان والخمور، واكتظ بالرواد بشكل غير مسبوق، حتى أن رجلا طويلا أشقر الشعر، أزرق العينين هادئ الملامح، مفتول العضلات، أنيق، شديد الوسامة وجد صعوبة كبيرة في التقدم داخله وهو يهتف بالإنجليزية في حنق:
                - تبا ! ماذا دهاكم اليوم؟
                ثم اختار مائدة صغيرة واتخذ مقعدا أمامها وهو يشير إلى النادل هاتفا:
                - أيها الرجل.. هل عدمت الفتيات عندكم؟! ألا توجد فتاة جميلة لرجل ثري؟
                وأخرج رزمة كبيرة من النقود وهو يهتف بهذه الكلمة الأخيرة، ثم أخذ يضحك في تلذذ..
                وعلى بعد عدة أمتار جلست (أنجيل آدمز) على مائدة أخرى بين عدة رجال مفتولي العضلات، ونظرت إلى الرجل الأشقر وهي تسأل رجالها:
                - هل تعرفون هذا الرجل؟ لا أظن أنني رأيته هنا من قبل.
                أجابها أحدهم في سخرية:
                - لم أره من قبل أيضا.. ولكن هذه المدينة تمتلئ عن آخرها بأمثاله.. لعله يبحث عن المتعة مقابل المال كغيره.
                صمتت لحظات ثم نهضت فجأة واتجهت إلى الأشقر ثم جلست بجواره مباشرة، فابتسم هو في سخرية وهو يهتف:
                - بحق السماء! لقد طلبت فتاة جميلة ولم أطلب إحدى الملائكة! لا أظن أنني أمتلك المال الذي يساوي جمالك يا آنستي.
                هتفت في شراسة:
                - اخرس أيها القذر.. لست واحدة من هؤلاء.. ومن الأفضل لك ألا تحاول أن تعلم من أنا حتى لا يضع الناس الورود غدا على شاهد قبرك.. أنت من عليك أن تخبرني.. من أنت بالظبط؟
                ارتفع حاجباه في دهشة وهتف بنفس السخرية:
                - عجبا ! كيف لفتاة رقيقة مثلك أن تتحدث بهذه..
                قفزت فجأة من مقعدها وجذبته بقوة رهيبة خارج مقعده لتجبره على الوقوف على قدميه فاستسلم لها وهو ينظر إليها وقد تحولت سخريته إلى توتر، في حين صاحت هي بنفس الشراسة:
                - اسمع ايها الحقير.. من الواضح أنك لا تعلم من أنا وأن سوء حظك قد ألقاك في هذا المكان.. ستخبرني من أنت أو سأرسلك إلى الجحيم.
                سكتت كل الأصوات داخل الملهى فجأة، ونظر الجميع في توتر إلى ما يحدث، في حين انعقد حاجبا الأشقر وهو يقول في صرامة:
                - لن أتعارك مع فتاة.. وليس هذا هو الأسلوب المناسب للحصول على معلومة من (بيتر ثومبسون).
                صرخت (أنجيل) وهي تركله بين قدميه:
                - ربما كان هذا هو الأسلوب المناسب أيها الـ (بيتر).
                ولكن (بيتر) تحرك بسرعة فتفادى الضربة ثم دفع وجهها بكفه في بساطة، فاختل توازنها وكادت تسقط أرضا فصرخ رجالها الخمسة في غضب وانقضوا جميعا على (بيتر)..
                وهنا، نهض رجل آخر من أمام مائدة أخرى، يمتلك شعرا أشقر أيضا ويبدو شديد القوة والصرامة، وانضم إلى (بيتر)..
                وفي مهارة، ضم (بيتر) قبضتيه واستقبل بهما وجه أحد الرجال، ثم قفز يركل الثاني في معدته، وهو يميل جانبا في الوقت ذاته متفاديا لكمة من رجل ثالث..
                أما الرجل الأشقر الذي انضم إلى (بيتر) فقد قفز إلى الأمام وحطم أنف رجل رابع بركلة كالقنبلة، ثم دار حول نفسه وغاص بقبضته في معدة الخامس، ولم يكد ينحني حتى استقبلته ركبة الأشقر في أنفه مباشرة لتلقيه أرضا في عنف..
                وفي لحظات، كان الرجال الخمسة يتوسدون الأرض بلا حراك، وعدل (بيتر) من هندامه وقال لـ (أنجيل) في سخرية:
                - ربما تعلمتِ الآن كيف تتعاملين معنا يا فتاة.
                ثم أشار إلى الأشقر وهو يتابع:
                - آه! نسيت أن أقدم لكِ أخي.. (جاك ثومبسون).. وإذا أحسنتِ معاملتنا في المرة القادمة، ربما نخبرك مزيدا من التفاصيل عنا.
                وفي سرعة، غادر الاثنان المكان فراقبتهما (أنجيل) في حنق، وهي تغمغم:
                - لن تفلتا مني المرة القادمة.. هذا وعد..

                ****

                اتجه (بيتر) و (جاك) مباشرة نحو منزل صغير يقع بالقرب من (إيموراليتي) وقال الأول للثاني في سخرية:
                - لقد أثرت أعصابها بالفعل.
                أجابه (جاك):
                - وأثرت اهتمامها أيضا.
                وأسرع الاثنان نحو حجرة كبيرة ودلفا إليها في رشاقة، ثم جلس (بيتر) على الفراش في حين جلس (جاك) على مقعد صغير أمامه مباشرة، وزفر في حرارة وهو يهتف بالعربية المصرية:
                - فلندعو الله أن يقوم الرفاق بدورهم في الخطة كما يجب.
                لم يكن (بيتر) سوى المقدم (عمر) ولم يكن (جاك) سوى الملازم (كمال)، ولقد أجاب (عمر) في بساطة:
                - إنني أثق في عبقرية الإدارة وحسن تنسيقها للأمور، كما أثق في (حازم) تماما، وسيقوم بدوره على أكمل وجه إن شاء الله.
                وفجأة، ارتفعت طرقات قوية على باب المنزل فنهض الرجلان وفتحا الباب في حذر، ليجدا (أنجيل) تقف أمامها وتنظر إليهما مباشرة، فابتسم (عمر) في سخرية وهتف:
                - يا لها من ليلة! لا بد أنني أول رجل على وجه الأرض تطارده الملائكة أينما ذهب!
                أطلقت (أنجيل) ضحكة عالية ثم قالت مع ابتسامة كبيرة:
                - يا لك من رجل! تروق لي دعاباتك حقا.
                وفي جرأة، أزاحت (عمر) جانبا ودخلت إلى المنزل، فأغلق الباب خلفها، وقال (كمال) في بساطة:
                - مرحبا يا سيدتي.. لقد ازداد منزلنا المتواضع شرفا بـ ..
                قاطعته (أنجيل) في صرامة وهي تتخذ أحد المقاعد وتضع ساقها اليمنى فوق اليسرى:
                - دع عنك المجاملات والسخافات يا رجل.. أنا هنا لأسألكما بمنتهى الوضوح والصراحة.. من أنتما بالضبط؟؟
                أجابها (عمر) في سرعة:
                - صديقان.
                ضاقت حدقتاها في شك، فتابع:
                - نحن نبحث عن المال وبأي طريقة.. ومستعدون لأي شيء مقابل الحصول عليه.
                ارتفع حاجباها وهي تقول:
                - هذا يروق لي.
                تابع (عمر):
                - نحن لا نعلم اي شيء عنكِ حتى الآن.. كل ما في الأمر أنني لا أعلم مكانا في (فرجينيا) أكثر شهرة من هذه المنطقة، وعندما سألت رواد (إيموراليتي) عن أغنى اغنياء هذا المكان، أخبروني أنني لن أجد أفضل من (أنجيل آدمز).
                صمتت (أنجيل) فاستطرد هو:
                - خصوصا أنكِ تدفعين لرجالك بسخاء.. وأنني لا أتردد في فعل أي شيء مقابل هذا السخاء.
                نهضت من مقعدها ونظرت إليه مباشرة وهي تسأل في صرامة:
                - وماذا تظن أنه بإمكانك أن تقدم لي؟!
                أجاب:
                - الكثير.. يمكنني أن أعمل حارسا خاصا لكِ.
                ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتي (أنجيل) ثم تحولت فجأة إلى ضحكة عالية مجلجلة، وهذه الأخيرة تقول في مرح:
                - حارس خاص؟ يا إلهي! هل أنت أحمق يا رجل؟؟ إنني لم أحتج في يوم من الأيام إلى حارس أبدا.
                شد (عمر) قامته وقال:
                - لا يا سيدتي.. إنني لست بأحمق.. فكري في الأمر، وأنا رهن إشارتك دوما.
                وكان هذا يعني ان الجولة الثانية قد بدأت..
                وبمنتهى العنف..

                ****

                في الليلة التالية، اتجه (عمر) المتنكر في هيئة (بيتر) إلى الملهى الليلي (إيموراليتي) وبحث بنظره عن (أنجيل) ثم اتجه إلى مائدتها مباشرة وجذب لنفسه مقعدا بجوارها، فتحفز رجالها لمواجهته، لكنها أشارت إليهم وقالت لـ (عمر) مع ابتسامة كبيرة:
                - مرحبا بمستر (ثومبسون).. أين (جاك)؟
                مط شفتيه وأجاب:
                - لم يستطع الخروج الليلة.
                اشارت (أنجيل) إلى النادل وطلبت منه كأسين من الخمر، فقال لها (عمر) في هدوء:
                - هل فكرتِ في عرضي يا سيدتي؟
                هزت رأسها نفيا دون أن تجيب، فصمت هو تماما حتى قالت في ضيق:
                - أشعر بنوع من الضيق اليوم يا (بيتر) ولا أدري لماذا.. لكنني أحتاج إلى التعرف عليك أكثر.
                وأشارت إلى الجميع وهي تقول بلهجة آمرة:
                - هيا.. سننصرف فورا.
                نهض الجميع فورا، واتجهت (أنجيل) إلى سيارتها مباشرة و (عمر) يسير بجوارها وخلفهما رجالها الخمسة..
                وفجأة، قفز (عمر) جانبا وانتزع مسدسه وهو يصوبه إلى أحد الرجال الخمسة، فشهر الأربعة الآخرون مسدساتهم بدورهم نحو (عمر)..
                وتوتر الموقف كله..

                ***

                لم تكن (أنجيل) تتوقع هذا التصرف المباغت من (بيتر)، لذا فقد اتسعت عيناها وصاحت في استنكار وهي تشير إلى رجالها بعدم إطلاق النار:
                - هل أصابك الجنون يا (بيتر)؟ هل تصوب سلاحك إلى رجالي؟
                هز (عمر) رأسه نفيا وأجاب في صرامة:
                - كلا يا سيدتي.. أنا أصوب سلاحي إلى هذا الوغد بالتحديد.. إنه خائن.
                تفجر الذهول في أعماق الجميع ودارت الأبصار كلها إلى رجل (أنجيل) الذي يصوب (عمر) إليه سلاحه، لكن هذا الأخير تابع بنفس الصرامة:
                - منذ أن رأيتك داخل الملهى وأنا ألاحظ أنه يحاول إخفاء وجهه وعدم التحدث مع أحد.. وعندما خرجنا واتجهنا إلى السيارة لاحظت أنه خرج قبلنا بقليل، وراقبته ببصري لأجده يزرع شيئا ما فوق إطار سيارتك يا سيدتي ثم يعود ليسير معنا وكأنه لم يفعل شيئا.
                ومرة أخرى رمقت الأبصار كلها هذا الرجل بكل شك الدنيا، ورفع الرجال أسلحتهم نحوه في تحفز..
                وفجأة، قفز هذا الرجل نحو (عمر) ووجه إليه لكمة كالقنبلة في أنفه، لكن هذا الأخير انحنى في مهارة وسرعة، والتقط ذراع الرجل في الهواء ثم أدارها في عنف، وجذب الرجل تجاهه ثم لكمه في معدته بمنتهى القسوة..
                وشهق الرجل في ألم، في حين أشارت (أنجيل) إلى رجالها بالتوقف تماما وهي تقول في ثقة:
                - لا تطلقوا النار.. (بيتر) لا يحتاج إلى مساعدة في القضاء على رجل واحد.
                وبالفعل، كان هذا الأخير قد تفوق على خصمه، وأمسك قميصه بقبضتيه وهو يضرب ظهره بالجدار، فصرخ الرجل في ألم وصرخ:
                - الرحمة! الرحمة!
                وبمنتهى القوة والصلابة، رفع (عمر) جسد الرجل عن الأرض بقبضتيه لأكثر من عشرة سنتيمترات، وهو يجيبه في قسوة:
                - لا تناشدني الرحمة أيها الرجل لأنني لا أتصف بها.. من أنت بالضبط؟؟
                هتف الرجل في انهيار:
                - أرجوك.. لا يمكنني أن أتحدث.. سـ ..
                انتزع (عمر) فجأة خنجرا من حزامه وألصقه بعنق الرجل مباشرة وهو يقول:
                - بل ستتحدث.. أو سأقطع عنقك وأرسله إلى من أرسلك.
                ارتفع أحد حاجبي (أنجيل) وهي تشعر بإعجاب شديد نحو (بيتر)، فهو رجل يعبد المال، شديد القسوة والدموية، قوي الملاحظة ويجيد مهارات القتال واستخدام الأسلحة..
                باختصار، كان رجلا مثاليا بالنسبة لفتاة مثلها..
                وفي انهيار، بكى الرجل وهو يصرخ:
                - سأخبرك.. لا تقتلني.. سأخبرك.
                خفض (عمر) خنجره، فتابع الرجل:
                - أنا مصري.
                انعقد حاجبا (أنجيل) في شدة حينما سمعت هذا الاعتراف، وقالت لنفسها في قلق:
                - ترى هل علم المصريون بأمر (سبايدر)؟؟ ولكن كيف؟! إنهم حتى لا يعلمون بتفاصيل (إس جى 22) فكيف لهم بالتوصل إلى وجود (سبايدر)؟؟
                ولذا فقد سألت هي الرجل في صرامة:
                - ولِمَ أرسلوك إلى هنا؟
                أجابها الرجل:
                - لا أعلم شيئا.. كل ما قالوه لي أن أبحث عن (أنجيل آدمز) وأنتحل شخصية أحد رجالها لأحصل منه على أي معلومات عن خريطة تسمى (إس جى 22).. إنني حتى لا أعلم ماذا يعني هذا الرمز ولم أفهم ماذا يقصدون به.. لكنني جئت إلى هنا من أجل أداء واجبي نحو وطني.. ويا ليتني لم آتِ.
                انهار الرجل باكيا عند هذه النقطة، في حين ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتي (أنجيل) وتحول قلقها إلى ظفر وسعادة..
                هذا هو الأمر إذن..
                لقد فشل المصريون في معرفة تفاصيل (إس جى 22) من إسرائيل، فاتجهوا مباشرة إلى السي آي إيه لأنها الخط الثاني لأسرار الموساد كما هو متعارف عليه في عالم المخابرات، ولكنهم فشلوا أيضا في التوصل إلى أي شيء، وها هو ذا رجلهم يسقط بين أيديها..
                وضحكت (أنجيل) في مرح هذه المرة وهي تقول في تلذذ:
                - سيظل النصر دوما لنا يا (بيتر).
                وتحولت ملامحها فجأة إلى القسوة والشراسة وهي تشير إلى (عمر) إشارة ذات معنى، فأسرع هذا الأخير ينتزع مسدسه من حزامه وألصقه بجبهة الرجل، فصرخ هذا الأخير في رعب رهيب:
                - كلا.. الرحمة.. الرحمة..
                ولكن (عمر) أطلق رصاصته وانفجرت الدماء لتغطي جبهة الرجل ووجهه وتلقيه أرضا جثة هامدة..
                وفي ثقة، ربتت (أنجيل) على كتف (عمر) وهي تقول:
                - ستحصل على مليون دولار كاملة مقابل هذا الموقف يا رجل.
                تألقت عينا (عمر) في جذل وجشع واضح، فضحكت (أنجيل) وأشارت إلى رجالها بالانصراف وهي تقول:
                - تخلص من جثة هذا الحيوان يا (بيتر)، ثم قابلني بعد ساعة واحدة أمام (إيموراليتي).. أنت من هذه اللحظة أحد رجالي.
                أومأ (عمر) برأسه في طاعة، ثم هتف:
                - معذرة يا سيدتي، هناك شيء ما دسه هذا الرجل فوق إطار سيارتك.
                وفي خفة، قفز (عمر) يفحص الإطار، ثم أخرج شيئا معدنيا في حجم دبوس صغير وهو يقول:
                - كما توقعت تماما.. إنه جهاز تصنت.
                وألقى الجهاز بعيدا، فاتجهت (أنجيل) نحوه وهي تقول في إعجاب:
                - كلا يا (بيتر).. لن تكون أحد رجالي.
                اتسعت عيناه في دهشة، فضحكت هي وتابعت:
                - ستكون أهم رجالي.
                وفي رشاقة، قفزت مع رجالها داخل السيارة وانطلقت بها مبتعدة فراقبها (عمر) بعينيه حتى اختفت بعيدا، فاتجه بسرعة نحو جثة الرجل وهتف:
                - يمكنك أن تنهض يا (حازم).. لقد انصرفوا.
                نهض الرجل فجأة ومسح الدم المزيف الذي يلوث جبهته ووجهه، ثم احتضن (عمر) في قوة وهتف من أعماق قلبه:
                - وفقك الله أيها المقدم.. ستعمل وحدك منذ هذه اللحظة.
                تنهد (عمر) وقال:
                - الله المستعان يا صديقي.. هيا ارحل من هنا بسرعة قبل أن ينتبه إلينا أحد.
                أسرع (حازم) يبتعد فراقبه (عمر) وهو يقول لنفسه:
                - ستنجح بإذن الله.. مسئولية حماية الأقصى أصبحت في عنقك الآن يا (عمر).. لا تتخاذل ولا تتهاون لحظة واحدة.
                وارتجف قلبه في حماس..

                ***

                (يا إلهي!)..
                هتف (عمر) بهذه الكلمة في ذهول وهو يقف مع (أنجيل) أمام مقر السي آي إيه المحاط بأسوار عالية وأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة تتحرك في كل الاتجاهات، فقالت هي في صرامة:
                - سيطر على أعصابك يا (بيتر) حتى لا أفقد ثقتي بك.
                ابتلع (عمر) ريقه وهو يقول في ارتباك:
                - معذرة يا سيدتي.. ولكنني لم أرَ في حياتي مكانا كهذا.
                تجاوز الاثنان البوابة الخارجية للمقر، والتقطت عينا (عمر) كل ما يمر به من تفاصيل..
                عبرا معا ممرا طويلا على جانبيه غرف عديدة، ويمتلئ عن آخره بكاميرات المراقبة ورجال السي آي إيه..
                وفي اعتداد، قالت (أنجيل) لـ (عمر):
                - نحن الآن في مركز المقر تماما.. ولا تحاول أن تسألني عن طبيعة هذا المقر لأنني لن أخبرك.. لديك مهمة محددة يا (بيتر) وستعرف المعلومات المطلوبة فقط وليس أكثر.
                أومأ برأسه في طاعة، فأشارت إليه وقالت:
                - اتبعني.
                انتقل الاثنان من ممر إلى ممر، ومن طابق إلى طابق، حتى وصلا إلى الجزء الغربي من المقر، فأشارت إلى بوابة كبيرة يحرسها خمسة رجال ويجاورها جهاز كمبيوتر وعدة كاميرات، وقالت لـ (عمر):
                - هذا هو المدخل الغربي.
                تحول عقل (عمر) إلى كمبيوتر وحاول تخزين كل ما يمر به من تفاصيل، خصوصا حينما انتقل إلى المدخل الشرقي، وفهم وسائل الأمن في المقر كله..
                وفي أعماقه، تصاعد القلق والتوتر..
                كل شيء يبدو محكما وحصينا..
                كيف يمكن اختراق نظام كهذا؟؟
                وفي النهاية، قادته (أنجيل) إلى ممر قصير ينتهى بباب مفتوح، يحرسه حاجز من أشعة الليزر التي تمتد بشكل عرضي، وقالت في فخر:
                - هذا هو أهم مكان في المقر يا (بيتر).. خلف هذا الباب يوجد السر الذي جئت بك هنا لحمايته.. لو حاول أي إنسان عبور هذا الحاجز فسيتحول في لحظة واحدة إلى أشلاء.. ستنهمر عليه أشعة الليزر من كل جانب وستنطلق صافرات الإنذار في كل مكان.
                وانعقد حاجبا (عمر) في شدة..
                فهكذا، سيكون الوصول إلى (سبايدر) مستحيلا..
                ولن يستطيع وحده أن يفعل شيئا..
                أي شيء..

                ****

                احمرت عيون رجال المخابرات المصرية وابيضت وجوههم وشعروا بإرهاق رهيب حينما امتد اجتماعهم المغلق مع مديرهم إلى ثلاثين ساعة متواصلة، لم يذق خلالها أحدهم طعم النوم ولو لحظة واحدة، وتعلقت قلوبهم بأخبار (فرجينيا) وما يحدث فيها..
                كانت المناقشات قد دارت بشكل متواصل لأكثر من ستة ساعات، لذا فقد أصابهم جميعا خمول شديد وأصبحوا عاجزين عن التحدث أكثر من ذلك، فساد سكون تام في الاجتماع..
                وفجأة، اقتحم مساعد المدير المكان في حماس، وهو يهتف:
                - نجحت الخطة حتى الآن يا سيدي.
                تألقت عينا المدير وعادت الحيوية إلى أجساد الجميع، والأول يهتف في لهفة:
                - ما آخر الأخبار؟
                أجابه المساعد في سرعة:
                - (عمر) أصبح الآن في مقر السي آي إيه نفسه، ولكنني أظن أن الوضع شديد التعقيد تماما، وأنه لن ينجح في الوصول إلى (سبايدر) وحده.
                وتابع في قلق:
                - إنه يحتاج إلى مساندة.
                انعقد حاجبا المدير وقال في عمق:
                - هناك أكثر من جهة تعرض علينا المشاركة في هذه العملية بالفعل، فالأمر لن يقتصر على مصر بأي حال إن شاء الله.
                وكانت هذه العبارة الأخيرة تحمل الكثير من المعاني..

                تعليق

                مواضيع مرتبطة

                Collapse

                جاري العمل...