أعزائي...
تحمل الأماكن سمات أصحابها كما تطغى روائح المكان على سكانه، ومنطقة النوبة تحمل سمات خاصة جغرافيا وحضاريا تفوح رائحتها من أنفاس الأدباء النوبيين الذين يرتبطون أشد الارتباط بها ويحملونها أينما حلوا...
وقد شهد الأدب العربي المعاصر نماذج أدبية جميلة قدمت من منظور أبناء النوبة حيث الاهتمام بالأصالة والتراث النوبيين والحفاظ على الهوية والجذور خوفا من الاندثار.. والنوبة يمتد موقعها الجغرافي من أسوان (الشلال الأول) حتى الخرطوم (الشلال السادس) وقد جاء سكان هذه المنطقة نتيجة امتزاج العنصر المصري وبعض قبائل ليبيا وقبائل الكوش الافريقية وبامتزاج هذه العناصر تكونت نواة هذا العنصر بعيدا عن الانصهار في جسم الدولة «مصر» فقد كان الغازي يكتفي باحتلال العاصمة دون التوغل في الاقليم حتى جاء صلاح الدين الأيوبي الذي أرسل أخاه الأكبر فقاتل أهلها
وحاصر «ابريم» وعاد الى مصر بما غنم.. وبالرغم من دخولهم الاسلام وانخراطهم في حياة العرب فقد ظلوا «جيتو» يقاوم الاختراق حتى جاءت مراحل التهجير الأولى مع بناء خزان أسوان 1902، والثانية مع التعلية الأولى للخزان 1912، والثالثة بعد التعلية الثانية للخزان 1933، ثم الأخيرة مشروع السد العالي 1963 والتي تنبه فيها الزعيم الراحل عبدالناصر الى خطورة الوضع فحاول دمج النوبيين في نسيج الدولة ونجح بالفعل في احتوائهم داخل مشروع حضاري قومي،.
ولكن مع مرور الأيام انفرط العقد وظهرت دعوات كثيرة تطالب بالتمايز وتركز على خصوصية المكان والتاريخ واللغة والجنس ورغم وجود كتابات أدبية رائعة خدمت حياة أهل النوبة والحنين العميق اليها مثل كتابات محمد خليل قاسم وحجاج أدول ويحيي مختار والراحل ابراهيم فهمي وادريس علي وغيرهم إلا أن البعض قام باستغلال هذه الكتابات والمغالاة في إبرازها مؤكدا على وجود أدب نوبي منفصل عن الأدب العربي مكرسا نزعة الطائفية أو العرقية أو الأقلية.
وأهم ما يميز الأدب النوبي، هو الشجن، والتلاحم الغريب بين البيئة خاصة النيل وبين الناس، والأسطورة المتداخلة من واقع الحياة في سلاسة والحسرة على غرق القرى والتهجير القاسي عام 1964 بعد بناء السد العالي وحال قرى التهجير الضيقة الكئيبة والتي أنشأت بالأسمنت المسلح فخنقت النوبيين، وعلى النيل الذي افتقد في الصحراء التي هاجروا اليها،.
وقد يلاحظ القارئ للأدب النوبي تضاريس نوبية توضح الشتات النفسي لدى النوبيين والغضب والأمل في العودة الى موطنهم الأصلي، أما النقاد الجادون والقراء الواعون.. فقد ابتهجوا وفرحوا بالأدب النوبي رغم أن من سمات هذا الأدب الاغراق في الشجن والأسى، وسبب فرحتهم هو عثورهم على أدب صاف طازج يسعد له كل أصيل.
والشعر النوبي كان وما زال متواجدا بقوة في الأغنية النوبية التي تحوي بدورها العديد من التكشفات. وبعد أن اكتشفت الحروف النوبية بعقلية شامبليون اللغة النوبية - على حد وصف الأكاديميين الألمان - د. مختار كبارة، رحمه الله، بدأت الأشعار النوبية تكتب باللغة النوبية ورائدها هو الشاعر محمد سليمان جدكاب. وهو بالمناسبة مترجم أيضا من العربية للنوبية ومن النوبية الى العربية، وقد قام بترجمة قصائد لإبن الرومي وأبي نواس وغيرهما. وكذلك الشاعرة نبرة صالح رحمها الله التي كانت تكتب شعرها بالعربية والنوبية معا.
صحيح أن كل ما نشر من الأدب النوبي، مصدره النوبة المصرية، لكن النوبة السودانية مليئة بالشعراء، ولكنهم يعتمدون على شرائط الكاسيت لتوصيل فنهم.
وربما هذا موروث قديم فالشمال الافريقي خاصة مصر الفرعونية، تعشق التسجيل كتابة ورسما ونحتا، وكلما صعدنا جنوبا عكس جريان النيل، نجد تلك الحضارات في الغالب حضارات شفهية.
هل لذلك تهتم النوبة الشمالية بالطبع والنشر حاليا بعكس النوبة الجنوبية التي هي في السودان؟
ليس هناك علم واضح، فمثلا في النوبة السودانية يوجد الشاعر صلاح دهب فضل، يفصح الشعر بالنوبية والعربية، وله على الأقل ست دواوين بالعربية، لكنه لم يطبع منها ديوانا واحدا.
كانت مجرد وقفة لكي نتعرف على حدود العالم الذي نعيشه.........لكم سلامي ومحبتي...
°°°°°°°°°°°
عذاب نون....
تحمل الأماكن سمات أصحابها كما تطغى روائح المكان على سكانه، ومنطقة النوبة تحمل سمات خاصة جغرافيا وحضاريا تفوح رائحتها من أنفاس الأدباء النوبيين الذين يرتبطون أشد الارتباط بها ويحملونها أينما حلوا...
وقد شهد الأدب العربي المعاصر نماذج أدبية جميلة قدمت من منظور أبناء النوبة حيث الاهتمام بالأصالة والتراث النوبيين والحفاظ على الهوية والجذور خوفا من الاندثار.. والنوبة يمتد موقعها الجغرافي من أسوان (الشلال الأول) حتى الخرطوم (الشلال السادس) وقد جاء سكان هذه المنطقة نتيجة امتزاج العنصر المصري وبعض قبائل ليبيا وقبائل الكوش الافريقية وبامتزاج هذه العناصر تكونت نواة هذا العنصر بعيدا عن الانصهار في جسم الدولة «مصر» فقد كان الغازي يكتفي باحتلال العاصمة دون التوغل في الاقليم حتى جاء صلاح الدين الأيوبي الذي أرسل أخاه الأكبر فقاتل أهلها
وحاصر «ابريم» وعاد الى مصر بما غنم.. وبالرغم من دخولهم الاسلام وانخراطهم في حياة العرب فقد ظلوا «جيتو» يقاوم الاختراق حتى جاءت مراحل التهجير الأولى مع بناء خزان أسوان 1902، والثانية مع التعلية الأولى للخزان 1912، والثالثة بعد التعلية الثانية للخزان 1933، ثم الأخيرة مشروع السد العالي 1963 والتي تنبه فيها الزعيم الراحل عبدالناصر الى خطورة الوضع فحاول دمج النوبيين في نسيج الدولة ونجح بالفعل في احتوائهم داخل مشروع حضاري قومي،.
ولكن مع مرور الأيام انفرط العقد وظهرت دعوات كثيرة تطالب بالتمايز وتركز على خصوصية المكان والتاريخ واللغة والجنس ورغم وجود كتابات أدبية رائعة خدمت حياة أهل النوبة والحنين العميق اليها مثل كتابات محمد خليل قاسم وحجاج أدول ويحيي مختار والراحل ابراهيم فهمي وادريس علي وغيرهم إلا أن البعض قام باستغلال هذه الكتابات والمغالاة في إبرازها مؤكدا على وجود أدب نوبي منفصل عن الأدب العربي مكرسا نزعة الطائفية أو العرقية أو الأقلية.
وأهم ما يميز الأدب النوبي، هو الشجن، والتلاحم الغريب بين البيئة خاصة النيل وبين الناس، والأسطورة المتداخلة من واقع الحياة في سلاسة والحسرة على غرق القرى والتهجير القاسي عام 1964 بعد بناء السد العالي وحال قرى التهجير الضيقة الكئيبة والتي أنشأت بالأسمنت المسلح فخنقت النوبيين، وعلى النيل الذي افتقد في الصحراء التي هاجروا اليها،.
وقد يلاحظ القارئ للأدب النوبي تضاريس نوبية توضح الشتات النفسي لدى النوبيين والغضب والأمل في العودة الى موطنهم الأصلي، أما النقاد الجادون والقراء الواعون.. فقد ابتهجوا وفرحوا بالأدب النوبي رغم أن من سمات هذا الأدب الاغراق في الشجن والأسى، وسبب فرحتهم هو عثورهم على أدب صاف طازج يسعد له كل أصيل.
والشعر النوبي كان وما زال متواجدا بقوة في الأغنية النوبية التي تحوي بدورها العديد من التكشفات. وبعد أن اكتشفت الحروف النوبية بعقلية شامبليون اللغة النوبية - على حد وصف الأكاديميين الألمان - د. مختار كبارة، رحمه الله، بدأت الأشعار النوبية تكتب باللغة النوبية ورائدها هو الشاعر محمد سليمان جدكاب. وهو بالمناسبة مترجم أيضا من العربية للنوبية ومن النوبية الى العربية، وقد قام بترجمة قصائد لإبن الرومي وأبي نواس وغيرهما. وكذلك الشاعرة نبرة صالح رحمها الله التي كانت تكتب شعرها بالعربية والنوبية معا.
صحيح أن كل ما نشر من الأدب النوبي، مصدره النوبة المصرية، لكن النوبة السودانية مليئة بالشعراء، ولكنهم يعتمدون على شرائط الكاسيت لتوصيل فنهم.
وربما هذا موروث قديم فالشمال الافريقي خاصة مصر الفرعونية، تعشق التسجيل كتابة ورسما ونحتا، وكلما صعدنا جنوبا عكس جريان النيل، نجد تلك الحضارات في الغالب حضارات شفهية.
هل لذلك تهتم النوبة الشمالية بالطبع والنشر حاليا بعكس النوبة الجنوبية التي هي في السودان؟
ليس هناك علم واضح، فمثلا في النوبة السودانية يوجد الشاعر صلاح دهب فضل، يفصح الشعر بالنوبية والعربية، وله على الأقل ست دواوين بالعربية، لكنه لم يطبع منها ديوانا واحدا.
كانت مجرد وقفة لكي نتعرف على حدود العالم الذي نعيشه.........لكم سلامي ومحبتي...
°°°°°°°°°°°
عذاب نون....





تعليق