أعزائي رواد هذا المكان،
تفتحت أعين الرسامين الغربيين بقوة واندهاش على عوالم جديدة لما اهتموا بالمغرب العربي منذ بداية القرن التاسع عشر، فشدوا الرحال من مختلف البلدان الغربية إلى تونس والجزائر والمغرب بحثا عن موضوعات ومناظر جديدة وآفاق غير مكتشفة يستلهمونها في لوحات جميلة لقيت نجاحا كبيرا في أشهر المعارض الدولية.
وكان الرسامون الفرنسيون سباقين إلى استلهام الموضوعات المتنوعة والأصيلة من بيئة المغرب العربي ولا غرابة في ذلك لأن جل بلدان هذه المنطقة كانت مستعمرات فرنسية، بيد أن النجاح المذهل الذي حققته لوحات هؤلاء في اشهر المعارض بباريس ولندن جعل رسامين من أميركا وإنجلترا وسويسرا والنمسا وألمانيا وغيرها يرحلون صوب البلدان العربية بشمال إفريقيا،
وصارت مدن الجزائر وتونس والمغرب الوجهات المفضلة لهؤلاء يمكثون فيها فترات قد تطول أو تقصر يستجدون وحي الفن ويعودون بحصاد كبير لا تزال أشهر المتاحف العالمية تحتفظ ببعض غلاله إلى اليوم.
وتنوعت الموضوعات التي تطرق إليها الرسامون المستشرقون فاهتموا بالطبيعة حينا واعتنوا بالعمارة الإسلامية والدور الفاخرة أحيانا أخرى، كما تتبعوا الحياة اليومية في الأزقة الضيقة برؤية فنية ورصدوا العادات الاجتماعية كحفلات الزفاف والختان وليالي السمر وجلسات المقاهي، إلا أن المرأة أخذت حصة الأسد في لوحات الرسامين المستشرقين الذين وجدوا فيها جمالا متميزا وسحرا غير مألوف. فقد اهتم الرسام المستشرق الأميركي فريدريك أرتير بريد غمان 1847-1928 بالحياة الشرقية وصورها في لوحاته المشهورة، إذ لما أنهى دراسته للفن بأكاديمية نيويورك قام بزيارة إلى باريس، عاصمة الفنون آنذاك، وهناك تأثر بالرسامين المستشرقين الذين سبقوه فقرر اقتفاء أثرهم فزار مصر والجزائر وسحر بجنوبها حيث المناظر الصحراوية التي فتن جمالها العديد من الفنانين، وهو ما يؤكده بريد غمان في مؤلفه «شتاء الجزائر» الصادر بنيويورك عام 1890 وضمنه لوحات رسمها من وحي الطبيعة الجزائرية.
كما تأثر الفنان الفرنسي تيودور شاسيرو 1819-1856 بمواطنيه الفنانين المستشرقين المشهورين دولاكروا وإتيان دينيه فتفنن في رسم النساء العربيات وهن على شرفات البيوت أو خلال جلسات الفرح والرقص كما أبدع بصفة خاصة في رسم البدويات بأزيائهن التقليدية وأبدع شاسيرو في تقديم صور للحكام العرب المحليين في تلك الفترة مثل لوحة «بورتريه حاكم قسنطينة علي بن أحمد» التي عرضت بصالون باريس عام 1845 كما رسم لوحة مشهورة لحاكم مغربي سماها «لوحة مولاي عبد الرحمن».
لمسات الفن الأندلسي الإسلامي:
وكان للفن الأندلسي الإسلامي تأثير كبير على الفنانين المستشرقين حيث طغت الهندسة الإسلامية على لوحاتهم أثناء القرن التاسع عشر ولا سيما عند الفنان الفرنسي جورج كلارين 1843-1919 الذي درس أصول فن الرسم بباريس وبرع في ذلك وزار إسبانيا وفتن بالمعمار الإسلامي فأكثر التردد على الآثار العربية بالأندلس واستلهم من قصر الحمراء لوحات عدة عرضها في اكبر المعارض والصالونات الفنية، وزار المغرب عام 1869 وتحدث عن تلك الرحلة التي أعجب فيها بألوان الشرق وسحره، فرسم نساء مغربيات جميلات في أثواب شرقية يغمر نظرتهن دلال وفي عيونهن أسرار وكان يسمي لوحاته تلك بـ «لوحات الحريم». وتنقل كلارين بين المدن المغربية كطنجة وأغادير وفاس والتقى بالفنانين المستشرقين وتحدث إليهم عن مدرسة الاستشراق في الرسم وروى كل ذلك في مذكراته.
أما الفنان الفرنسي ألفريد دو هودنيك 1822-1882 فبدأ رومانسيا وتفنن في رسم الطبيعة قبل أن يلتقي بالرسامين المستشرقين فغير الوجهة ودخل مدرسة الاستشراق عن قناعة حيث اهتم برسم الشخصيات العربية والمعمار الشرقي. وكانت بداية رحلته من إسبانيا ثم اكتشف المغرب الأقصى فأقام بتيطوان وطنجة والرباط وسالا بينما بقيت زوجته الإسبانية ببلدها فكان يزورها كل مرة ثم يعود إلى المغرب حيث مكث قرابة تسع سنوات رصد خلالها مظاهر الحياة اليومية في لوحات جميلة كما رسم الأزقة المغربية الضيقة ورسم حتى الجلسات العائلية الحميمة ومن أشهر لوحاته «عدالة الباشا».
بينما اهتم رسام المدرسة الإسبانية ماريانو فوزيني إمرسال 1838-1874 بمظاهر الفروسية العربية في بلدان شمال إفريقيا وجسد لوحات عن مظهر الفرسان وصولة الخيول الأصيلة.وكان إمرسال قد زار المغرب عام 1860 واهتم برسم الحملات العسكرية الفرنسية والمعارك المسلحة، كما زار مع مجموعة من الرسامين المستشرقين طنجة وتيطوان عام 1871ومن ثمة بدأ اهتمامه برسم لوحات مستلهمة من الطبيعة المغربية.
وكانت آخر رحلاته إلى المغرب قبل رحيله الأبدي بثلاث سنوات ورسم خلالها أشهر لوحاته وأبرزها لوحة «الفارس العربي». وهو اهتمام يماثل الاهتمام بمظاهر الفروسية عند الرسام الإيطالي جيليو روزاتي 1858-1917 الذي رسم الفرسان ولباسهم وخيولهم بمهارة واقتدار، كما اهتم بيوميات وجهاء البلدان العربية، ورصد جلسات اللهو واللعب التي لا يتردد عليها سوى أشراف القوم.
سحر المرأة الشرقية:
اهتم الرسام الفرنسي إميل فرنيت لوكومب 1821-1900 بالنساء الريفيات في بلدان المغرب العربي ولا سيما المرأة البربرية في منطقة القبائل الجزائرية كما يتجلى في لوحته الرائعة «المرأة البربرية» المنجزة عام 1870.
وأبرز الرسامون المستشرقون صورا لواقع المرأة العربية وعاداتها وقد يساعد ذلك اليوم على إلقاء الضوء على وضع المرأة العربية في نهاية القرن التاسع عشر.
وتعددت لوحات المرأة الشرقية عند الرسام الفرنسي هيبوليت لازارجيس 1817-1887وقد رصد نماذج كثيرة للمرأة وهو يتنقل في سهول المتيجة غرب الجزائر العاصمة ومنطقة القبائل، ومن أشهر لوحات هذا الفنان الذي برع أيضا في الموسيقى وتأليف الأغاني لوحة «فاطمة» ولوحة «الحالمة» ولا تزال بعض لوحاته الأصلية بمتاحف الجزائر إلى اليوم.
كما تفنن الرسام الفرنسي هنري رينولت 1843-1871 في رسم المرأة المغربية وكانت أشهر لوحاته في ذلك لوحة «عايشة» وهو بورتريه لفتاة مغربية في ريعان الشباب وقد عرضت بباريس في صالون خاص عام 1867 بيد أن هذا الرسام الذي طبعت لوحاته الاستشراقية مسحات رومانسية مميزة اتجه في المرحلة الأخيرة من إنتاجه الفني إلى رسم لوحات يميزها العنف والقتل ومناظر الدماء كما في لوحته الشهيرة «مصرع ملك غرناطة».
ومن جهته رصد الفنان ألبيرت أوبلي 1851-1938 العادات الشرقية لما زار تونس و أقام بها عام 1900وكان قد عرف تأثير الشرق على الرسامين المستشرقين من معلمه الفنان الشهير جيروم، بيد أن هذا الفنان اهتم فيما بعد بالهندسة المعمارية وبالأزقة والأماكن العامة كما فتن بالأزياء التونسية.وأقام أوبلي أول معرض فني له عام 1873وحقق نجاحا كبيرا.وفي عام 1882 أقام معرضا آخر للوحات مستمدة من واقع الحياة في بلدان المغرب العربي ركز فيها على مظاهر دينية كالأعياد ورسم لوحات كثيرة لرجال الدين والمتصوفة والمريدين.
مع تحياتي لكم...
______
عذاب نون ...
تفتحت أعين الرسامين الغربيين بقوة واندهاش على عوالم جديدة لما اهتموا بالمغرب العربي منذ بداية القرن التاسع عشر، فشدوا الرحال من مختلف البلدان الغربية إلى تونس والجزائر والمغرب بحثا عن موضوعات ومناظر جديدة وآفاق غير مكتشفة يستلهمونها في لوحات جميلة لقيت نجاحا كبيرا في أشهر المعارض الدولية.
وكان الرسامون الفرنسيون سباقين إلى استلهام الموضوعات المتنوعة والأصيلة من بيئة المغرب العربي ولا غرابة في ذلك لأن جل بلدان هذه المنطقة كانت مستعمرات فرنسية، بيد أن النجاح المذهل الذي حققته لوحات هؤلاء في اشهر المعارض بباريس ولندن جعل رسامين من أميركا وإنجلترا وسويسرا والنمسا وألمانيا وغيرها يرحلون صوب البلدان العربية بشمال إفريقيا،
وصارت مدن الجزائر وتونس والمغرب الوجهات المفضلة لهؤلاء يمكثون فيها فترات قد تطول أو تقصر يستجدون وحي الفن ويعودون بحصاد كبير لا تزال أشهر المتاحف العالمية تحتفظ ببعض غلاله إلى اليوم.
وتنوعت الموضوعات التي تطرق إليها الرسامون المستشرقون فاهتموا بالطبيعة حينا واعتنوا بالعمارة الإسلامية والدور الفاخرة أحيانا أخرى، كما تتبعوا الحياة اليومية في الأزقة الضيقة برؤية فنية ورصدوا العادات الاجتماعية كحفلات الزفاف والختان وليالي السمر وجلسات المقاهي، إلا أن المرأة أخذت حصة الأسد في لوحات الرسامين المستشرقين الذين وجدوا فيها جمالا متميزا وسحرا غير مألوف. فقد اهتم الرسام المستشرق الأميركي فريدريك أرتير بريد غمان 1847-1928 بالحياة الشرقية وصورها في لوحاته المشهورة، إذ لما أنهى دراسته للفن بأكاديمية نيويورك قام بزيارة إلى باريس، عاصمة الفنون آنذاك، وهناك تأثر بالرسامين المستشرقين الذين سبقوه فقرر اقتفاء أثرهم فزار مصر والجزائر وسحر بجنوبها حيث المناظر الصحراوية التي فتن جمالها العديد من الفنانين، وهو ما يؤكده بريد غمان في مؤلفه «شتاء الجزائر» الصادر بنيويورك عام 1890 وضمنه لوحات رسمها من وحي الطبيعة الجزائرية.
كما تأثر الفنان الفرنسي تيودور شاسيرو 1819-1856 بمواطنيه الفنانين المستشرقين المشهورين دولاكروا وإتيان دينيه فتفنن في رسم النساء العربيات وهن على شرفات البيوت أو خلال جلسات الفرح والرقص كما أبدع بصفة خاصة في رسم البدويات بأزيائهن التقليدية وأبدع شاسيرو في تقديم صور للحكام العرب المحليين في تلك الفترة مثل لوحة «بورتريه حاكم قسنطينة علي بن أحمد» التي عرضت بصالون باريس عام 1845 كما رسم لوحة مشهورة لحاكم مغربي سماها «لوحة مولاي عبد الرحمن».
لمسات الفن الأندلسي الإسلامي:
وكان للفن الأندلسي الإسلامي تأثير كبير على الفنانين المستشرقين حيث طغت الهندسة الإسلامية على لوحاتهم أثناء القرن التاسع عشر ولا سيما عند الفنان الفرنسي جورج كلارين 1843-1919 الذي درس أصول فن الرسم بباريس وبرع في ذلك وزار إسبانيا وفتن بالمعمار الإسلامي فأكثر التردد على الآثار العربية بالأندلس واستلهم من قصر الحمراء لوحات عدة عرضها في اكبر المعارض والصالونات الفنية، وزار المغرب عام 1869 وتحدث عن تلك الرحلة التي أعجب فيها بألوان الشرق وسحره، فرسم نساء مغربيات جميلات في أثواب شرقية يغمر نظرتهن دلال وفي عيونهن أسرار وكان يسمي لوحاته تلك بـ «لوحات الحريم». وتنقل كلارين بين المدن المغربية كطنجة وأغادير وفاس والتقى بالفنانين المستشرقين وتحدث إليهم عن مدرسة الاستشراق في الرسم وروى كل ذلك في مذكراته.
أما الفنان الفرنسي ألفريد دو هودنيك 1822-1882 فبدأ رومانسيا وتفنن في رسم الطبيعة قبل أن يلتقي بالرسامين المستشرقين فغير الوجهة ودخل مدرسة الاستشراق عن قناعة حيث اهتم برسم الشخصيات العربية والمعمار الشرقي. وكانت بداية رحلته من إسبانيا ثم اكتشف المغرب الأقصى فأقام بتيطوان وطنجة والرباط وسالا بينما بقيت زوجته الإسبانية ببلدها فكان يزورها كل مرة ثم يعود إلى المغرب حيث مكث قرابة تسع سنوات رصد خلالها مظاهر الحياة اليومية في لوحات جميلة كما رسم الأزقة المغربية الضيقة ورسم حتى الجلسات العائلية الحميمة ومن أشهر لوحاته «عدالة الباشا».
بينما اهتم رسام المدرسة الإسبانية ماريانو فوزيني إمرسال 1838-1874 بمظاهر الفروسية العربية في بلدان شمال إفريقيا وجسد لوحات عن مظهر الفرسان وصولة الخيول الأصيلة.وكان إمرسال قد زار المغرب عام 1860 واهتم برسم الحملات العسكرية الفرنسية والمعارك المسلحة، كما زار مع مجموعة من الرسامين المستشرقين طنجة وتيطوان عام 1871ومن ثمة بدأ اهتمامه برسم لوحات مستلهمة من الطبيعة المغربية.
وكانت آخر رحلاته إلى المغرب قبل رحيله الأبدي بثلاث سنوات ورسم خلالها أشهر لوحاته وأبرزها لوحة «الفارس العربي». وهو اهتمام يماثل الاهتمام بمظاهر الفروسية عند الرسام الإيطالي جيليو روزاتي 1858-1917 الذي رسم الفرسان ولباسهم وخيولهم بمهارة واقتدار، كما اهتم بيوميات وجهاء البلدان العربية، ورصد جلسات اللهو واللعب التي لا يتردد عليها سوى أشراف القوم.
سحر المرأة الشرقية:
اهتم الرسام الفرنسي إميل فرنيت لوكومب 1821-1900 بالنساء الريفيات في بلدان المغرب العربي ولا سيما المرأة البربرية في منطقة القبائل الجزائرية كما يتجلى في لوحته الرائعة «المرأة البربرية» المنجزة عام 1870.
وأبرز الرسامون المستشرقون صورا لواقع المرأة العربية وعاداتها وقد يساعد ذلك اليوم على إلقاء الضوء على وضع المرأة العربية في نهاية القرن التاسع عشر.
وتعددت لوحات المرأة الشرقية عند الرسام الفرنسي هيبوليت لازارجيس 1817-1887وقد رصد نماذج كثيرة للمرأة وهو يتنقل في سهول المتيجة غرب الجزائر العاصمة ومنطقة القبائل، ومن أشهر لوحات هذا الفنان الذي برع أيضا في الموسيقى وتأليف الأغاني لوحة «فاطمة» ولوحة «الحالمة» ولا تزال بعض لوحاته الأصلية بمتاحف الجزائر إلى اليوم.
كما تفنن الرسام الفرنسي هنري رينولت 1843-1871 في رسم المرأة المغربية وكانت أشهر لوحاته في ذلك لوحة «عايشة» وهو بورتريه لفتاة مغربية في ريعان الشباب وقد عرضت بباريس في صالون خاص عام 1867 بيد أن هذا الرسام الذي طبعت لوحاته الاستشراقية مسحات رومانسية مميزة اتجه في المرحلة الأخيرة من إنتاجه الفني إلى رسم لوحات يميزها العنف والقتل ومناظر الدماء كما في لوحته الشهيرة «مصرع ملك غرناطة».
ومن جهته رصد الفنان ألبيرت أوبلي 1851-1938 العادات الشرقية لما زار تونس و أقام بها عام 1900وكان قد عرف تأثير الشرق على الرسامين المستشرقين من معلمه الفنان الشهير جيروم، بيد أن هذا الفنان اهتم فيما بعد بالهندسة المعمارية وبالأزقة والأماكن العامة كما فتن بالأزياء التونسية.وأقام أوبلي أول معرض فني له عام 1873وحقق نجاحا كبيرا.وفي عام 1882 أقام معرضا آخر للوحات مستمدة من واقع الحياة في بلدان المغرب العربي ركز فيها على مظاهر دينية كالأعياد ورسم لوحات كثيرة لرجال الدين والمتصوفة والمريدين.
مع تحياتي لكم...
______
عذاب نون ...



تعليق