رومانسى !!

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • أمير الأساطير
    عضو
    • Jan 2003
    • 13

    #1

    رومانسى !!

    ـ ما هذا يا أستاذ (أحمد) ؟!
    قالها الأستاذ (أمجد رمزى) صاحب ومدير دار (الأدباء) للنشر والتوزيع ، موجها سؤاله إلى الأستاذ (أحمد سرحان) الكاتب الرومانسى الشاب .. وهو يقدم إليه ملفا متوسط الحجم .. كتبت على غلافه الخارجى بحروف كبيرة عبارة :

    الســـــفاح الأخـــــير
    (قصة بوليسية)

    قرأ (أحمد) العبارة بحيرة .. قبل أن يجيب :
    ـ إنها أولى رواياتى البوليسية ، التى كتبتها بناءً على رغبة سيادتكم !
    هتف (أمجد) فى ثورة مفاجئة :
    ـ بوليسية ! .. أين البوليسية هنا يا رجل ؟! .. إنها تصلح لأن تكون إحدى رواياتك الرومانسية الحالمة !
    قال (أحمد) فى ارتباك :
    ـ كيف ؟! .. إنها رواية تتحدث عن سفاح شرير ، يقتل كل من يعترض طريقه بلا رحمة ، ويطارده طوال الوقت ضابط شرطة فذ ، حتى يوقع به فى النهاية !
    واصل الأستاذ (أمجد) هتافه الغاضب :
    ـ نعم .. ولكنها تخلو من العبارات التقليدية التى تزخر بها عادة هذه النوعية من الروايات .. مثل عبارة :
    " اذهب إلى الجحيم " .. " تبا لك أيها الوغد " .. " عليك اللعنة " .. إلى آخره ! .. كما أنها تمتلئ بالأخطاء ، من العنوان .. وحتى كلمة (النهاية) .. ما معنى عنوان (السفاح الأخير) فى رأيك ؟!
    أجابه (أحمد) بحرج :
    ـ لقد أردت بهذا العنوان التعبير عن أمنيتى فى الحياة .. بأن يسود الخير ، وينتهى الشر من الدنيا .. فلا يعود بها أى سفاح على الإطلاق .
    تمتم الأستاذ (أمجد) من بين أسنانه :
    ـ الرحمة ! .. يا أستاذ (أحمد) .. أنت تدرك جيدا .. أن ذلك قمة المستحيل .. فالشر باق ما بقت الدنيا .. أليس كذلك ؟!
    تنحنح (أحمد) متمتما بحرج أشد :
    ـ إنها .. إحم .. مجرد أمنية .
    بذل الأستاذ (أمجد) مجهودا خرافيا للسيطرة على أعصابه ، وهو يقول :
    ـ أمنية ! .. هممم .. حسنا ، هذه وكانت أمنية .. والذى كتبته فى الفصل الرابع .. ماذا تسميه ؟!
    (أحمد) بتساؤل :
    ـ عفوا يا (أمجد) بك .. ولكن أى شئ تقصد ؟!
    عاد (أمجد) يتناول منه الملف .. و أخذ يقلب صفحاته ، حتى توقف عند صفحة ما ، و شرع يقرأ :
    ـ " تسلل السفاح إلى غرفة السيدة (هدى) بحذر ، ثم انحنى أمامها قائلا بحزن ، وبلهجة مهذبة :
    ـ سيدتى الجميلة .. تقبلى أسفى الشديد ، فأنا مضطر لقتلك الآن .. " .. !!
    ثم مال نحوه مردفا :
    ـ هل تريد أن تفلس الدار يا أستاذ (أحمد) ؟!
    أسرع (أحمد) يقول بدهشة :
    ـ كلا بالطبع .. ولكن ، لم هذا السؤال ؟!
    عاد (أمجد) لثورته من جديد :
    ـ أتسألنى لم ؟! .. أتسعى لإصابتى بالجنون يا رجل ؟! .. هل يوجد سفاح فى العالم يحزن لقتله إحدى ضحاياه .. والأدهى أنك لم تذكر كيف قتلها ؟!
    مضت لحظات من الصمت ، إلى أن قال (أحمد) :
    ـ فى الواقع يا سيدى ، أنا لست متخيلا وجود مثل ذلك الرجل الذى يقدم على قتل سيدة رقيقة ، مثل السيدة (هدى) بطلة روايتى ، دون حتى أن يحزن لارتكابه تلك الجريمة الشنعاء ! .. ولسبب نفسه أغفلت ذكر وسيلة القتل !
    تطلع إليه (أمجد) ، كأنما يتطلع إلى معتوه ، ثم قال :
    ـ وماذا عن الفصل الخامس ؟!
    سأله (أحمد) بتوتر ، وقد غمره العرق :
    ـ ماذا عنه ؟!
    ـ فى وصفك للسفاح .. إنك تقول ـ على لسان المقدم (محسن) : " إنه رجل غير آدمى " .. أهذا أقصى ما استطاع أن يقوله البطل ، عن الرجل الذى قتل زوجته ـ زوجة المقدم ـ التى يحبها أكثر من نفسه ؟!
    سأله (أحمد) ببلاهة :
    ـ وماذا يستطيع أن يقول ؟!
    صرخ (أمجد) فى وجه :
    ـ إن أقل ما يقال عن سفاح كهذا ، أنه ذئب بشرى .. وحش حقير .. وغد دموى .. قاتل شيـ ... !!
    ثم توقف عن إتمام عبارته ، واستطرد بحنق :
    ـ لا فائدة ! .. ثم ما هذا العبث الذى كتبته فى الفصل الأخير ؟!
    (أحمد) بقلق :
    ـ أى عبث ؟!
    عاد (أمجد) يتصفح الملف ، ثم أخذ يقرأ ثانية :
    ـ " واستمرت المطاردة بين الاثنين حتى بلغ (شادى) حافة الجبل ، فالتفت يواجه المقدم (محسن) ، محاولا طعنه بمديته الحادة ، إلا أن (محسن) تفادى الطعنة بسرعة ، ووجه إلى وجه (شادى) قبلة حانية ، أودعها كل رقته ، ألقت به من فوق الجبل " !
    فغر (أحمد) فاه بذهول .. ومضت لحظات ، قبل أن يهتف بخجل :
    ـ معذرة يا (أمجد) بك .. يبدو أن ذهنى قد شرد وأنا أكتب هذه العبارة .. لقد قصدت أن أقول :
    " ووجه إلى وجه (شادى) لكمة ساحقة ، أودعها كل قوته ، ألقت به من فوق الجبل .. "
    سيادتك تعلم أننى كاتب رومانسى .. وليس لى خبرة بالكتابة البوليسية .
    تنهد الأستاذ (أمجد) ، بعد أن هدأت ثورته أخيرا ، ثم قال بلهجة الواعظ :
    ـ استمع إلىّ جيدا يا(أحمد) .. إننا لم نعد نحيا فى عصر الرومانسية .. لقد انقرضت رومانسيتنا ، وذهبت للأبد .. حياتنا الآن هى مزيج رهيب من العنف والصخب .. من شجار بالأيدى بين اثنين من المتشردين ، إلى الحروب التكنولوجية التى تفنى دولا بأكملها .. من صراخ الرُضع الذين يولدون سنويا بالملايين ، إلى ضوضاء المصانع والسيارات التى فاقت البشر عددا ..
    لم يعد فى قلب ذلك الجنون ، مكانا لكلمة رقيقة ، أو همسة حانية .. هل تفهمنى ؟!
    أومأ (أحمد) برأسه إيجابا ـ كأنما يقرأ خبر نعيه فى الصحف ـ دون أن ينبس ببنت شفة ..
    فتابع الأستاذ (أمجد) حديثه ، قائلا :
    ـ حسنا .. خذ ، واذهب لتصلح ما بها من أخطاء .. فهى ـ على الرغم من ذلك ـ تصلح كبداية .
    و أعطاه الرواية ، فتناولها (أحمد) بيد مرتجفة ..
    وغادر المكتب بخطوات زاحفة ..
    كأنما يسير إلى القبر ..
    على حين ابتسم الأستاذ (أمجد) ، قائلا بسخرية :
    ـ يا له من رومانسى .. سفاح ! .. ويدعى (شادى) !!

    أمير الأساطير
    http://www.safeerelkhayal.netfirms.com/
    [email protected]

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...