الحلقة الثانية والعشرون، الجزء الأول
لأحطّمنّك ! ~
الحلقة الثانية و العشرون
* * * * * * * *
لم تمر ليلتي بسلام ...
و رغم أنني نمت متأخرة على غير العادة ألا أنني نهضت باكرا ...
لم يكن أحدهم قد نهض آنذاك ، و بعد قليل نهضت دانة و ذهبنا للمطبخ لإعداد كعكة العيد !
دانة كانت مفعمة بالحيوية و النشاط أما أنا فكنت في غاية الكسل و الملل و الكآبة أيضا ...
بعد مدة اجتمعنا نحن الأربعة حول مائدة الفطور ... و تناولنا حصصنا من الكعكة ...
سامر كان متحمسا جدا و منفعلا ، و يتحدث عن النزهات التي ينوي القيام بها هذا اليوم ...
قالت دانة :
" أنا لن أشارككم فأنا سأخرج مع خطيبي ! "
قال وليد :
" و أنا سأخرج الآن "
و نهض مباشرة ...
سامر قال :
" إلى أين ؟؟ "
" سأتجول في المنطقة "
و سرعان ما غادر
قال سامر :
" ما به ؟ لا يبدو طبيعيا ! "
قلت :
" إنه يريد الرحيل "
قال :
" لن يغادر قبل زفافنا على أية حال ! "
ثم ابتسم ابتسامته التي تزعجني و هو يقول :
" بعد أيام فقط ... "
أهداني سامر زوجا من الأقراط الذهبية ، أما أنا فأهديته إحدى لوحاتي !
لم تكن لدي فكرة عن شيء جديد أهديه إليه !
قضينا نهار العيد ، أنا و سامر نتجول من مكان لآخر ...
و عند العصر ، و نحن في الطريق إلى البيت قال سامر :
" حصلت على هذا اليوم بصعوبة ، لا زال أمامي مشوار العودة الطويل "
قلت :
" أنت تكلف نفسك مشقة ! ما كان يجدر بك الحضور ! "
سامر التفت إلي باستغراب و قال :
" لا أحضر ؟؟ في يوم مميز كهذا ؟؟ "
قلت :
" أقصد .. مشقة السفر ... حضورا و ذهابا ... "
قال :
" لأجلك أنت ِ "
صمت ، و أخذت أراقب الأشياء المتحركة من حولي من خلال النافذة ...
بعد قليل ، قال سامر :
" لم كنت ساهرة لذلك الوقت المتأخر ... البارحة ؟؟ "
التفت نحوه بتعجب !
قلت :
" لم أشعر بالنعاس قبلها ... "
و أضفت :
" كما و أن ... وليد كان قد عاد قبل ذلك بقليل من الخارج ، و لم أشعر بارتياح للنوم و هو خارج المنزل "
قال :
" هل ... يسهر بعيدا كل ليلة ؟؟ "
" لا ! أبدا ... فقط البارحة ، ربما حضر أحد احتفالات العيد ! "
عندما عندنا للمنزل كنا أول الواصلين
تجازوت الساعة السادسة و لم يعد لا وليد و لا دانة ... سامر بدأ يلقي بنظرة بين حين و آخر عليها في اضطراب ...
" تأخرا ! يجب أن أغادر الآن فأمامي مشوار طويل "
و المشوار بين المدينتين يستغرق ساعات يقضيها سامر في قيادة السيارة
لأبد أنه متعب الآن ! فقد قضينا ساعات أيضا في السيارة ...
قام سامر و اتصل بوليد ، و يبدو أن هذا الأخير أخبره بأنه لن يعود قريبا
لذا أتى سامر و قال :
" أ آخذك إلى بيت خالتك ؟؟ "
لم أحبذ الفكرة و مع ذلك اتصلت بهم ، و لم أجد أحدا ... لأبد أنهم ذهبوا أيضا للتمتع بيوم العيد ...
قلت :
" أين هو وليد ؟؟ "
" يقول أنه في مكان بعيد ، و قد يتأخر في الحضور ... "
و تنهد سامر باستياء !
إنها المرة الأولى التي يكون فيها معي و يرغب في الذهاب !
قبيل الثامنة ، خرجنا مجددا و اشترينا عشاء خفيفا من مطعم قريب و عندنا للمنزل
و أيضا لم نجد أحدا هناك ...
عاود سامر الاتصال بوليد بعد العشاء ...
" إن علي ّ الذهاب الآن ... فمتى ستعود ؟؟ "
و من خلال تعابير سامر المستاءة استنتجت رد وليد !
قال سامر :
" و الآن هللا حضرت ؟؟ "
بعد أقل من ساعة من المكالمة وصل وليد ...
بادره سامر بالعتاب :
" تأخرت يا وليد كثيرا .. متى سأصل إلى شقتي ؟؟ "
قال :
" شاركت الآخرين مهرجانات العيد ... لا أحد يبقى في المنزل في يوم كهذا "
فهمت أنه يقصد أن وجودي يعيقه عن الترفيه عن نفسه في يوم مميز ...
التزمت الصمت ... قال سامر :
" سأذهب الآن ... "
و صافحني ، ثم صافح وليد و قال :
" تصبحان على خير "
بقيت مع وليد ... وحيدين في المنزل ...
حينما رأيت الضجر باد عليه قلت :
" إن كنت تود الذهاب لمتابعة سهرتك في مكان ما ... فخذني إلى بيت إحدى صديقاتي ثم اذهب "
و ببساطة تجاهلني !
قلت بغضب :
" وليد أنا أتحدث معك ! "
الفت إلي و قال :
" أسمعك ، لكنني لست مجنونا لأفعل ذلك "
صمت قليلا ، ثم قلت :
" أنا آسفة ... للتسبب بإزعاجك طوال هذه المدة ... بقيت بضع أيام "
لم يرد ...
قلت :
" أنا أستطيع المكوث في بيت خالتي ، لكن المشكلة مع دانة ... و إلا لكنا وفرنا عليك عناء البقاء معنا "
رماني وليد بنظرة مخيفة أخرست لساني !
لم أشأ أن أتركه وحيدا و أنعزل في غرفتي ... أحضرت كراستي و عدّة الرسم إلى غرفة المعيشة ، حيث يجلس هو ، و بدأت أرسم !
وليد كان يتصفح قنوات التلفاز و لا يجد فيها من يجذبه للمتابعة
لكنه مهروس على ما يبدو بالأخبار ...
بعد قليل ، أوقف وليد التلفاز و أخذ الهاتف ، و طلب أحد الأرقام ...
أنا لم أكن أرسم بقدر ما كنت أراقب تحركاته ...
و ها هو يتحدّث إلى الطرف الآخر :
" مرحبا ، أنا وليد شاكر "
( ........................ )
( أهلا بك آنسة أروى ، كل عام و أنتم بخير ، كيف هي أموركم ؟؟ )
تركت القلم من يدي و أصغيت باهتمام ...
( ماذا ؟؟ متى حدث ذلك ؟؟ )
( ...................... )
" أوه ... أنا آسف ... و كيف حالتها الآن ؟؟ أهي أفضل ؟؟ "
( .................... )
" لا تقلقي ، بلغيها و العم سلامي ... و أخبريهما بأنني سأعود في أقرب فرصة إن شاء الله "
( .................. )
" شكرا لك ، وافوني بأخباركم أولا بأول ، تصبحين على خير "
و أنهى المكالمة ...
و عاد و شغّل التلفاز ، ألا أنه كان شاردا ...
من تكون أروى هذه ؟؟
تركت اللوحة جانبا ، و قلت بعد تردد قصير ضعيف غلبه الفضول الشديد :
" وليد "
" نعم ؟؟ "
" من كنت تحدّث ؟؟ "
بدا عليه الاستغراب ، ثم قال :
" لم السؤال ؟؟ "
" لاحظت ... استيائك من خبر وصلك من الطرف الآخر ... خيرا ؟؟ "
قال :
" زوجة صديقي رحمه الله تعرضت لنوبة قلبية و ترقد في المستشفى "
صمت ّ قليلا ثم سألته :
" و هي من كنت تتحدّث معها ؟؟ "
" كلا . هذه ابنتها "
ابنة صديقه ؟ إذن لأبد أنها مجرد طفلة !
بعد قليل أوقف وليد التلفاز و نهض هاما بالمغادرة
قلت :
" إلى أين ؟؟ "
التفت إلي بانزعاج و قال :
" سأذهب للنوم ، إلا إذا كنت ِ تريدين من حارسك البقاء ساهرا لحين نومك ؟ "
لم أجب ، فأنا لم أجد الكلمات المناسبة ... و هو لا يدرك كم هي جارحة كلماته و قاسية معاملته ...
ليته يعرف !
استدار ليخرج فعدت أناديه :
" وليد "
تنهد و هو يلتفت نحوي قائلا :
" ماذا الآن ؟؟ "
تقدمت نحوه قليلا ، و فتشت في وجهه عن أي ملامح تشجعني على سؤالي ، لكنني لم أجد ... فبقيت صامتة ...
" نعم ؟؟ ماذا لديك ؟؟ "
توترت ، لكني بعدها جمعت غبار شجاعتي و قلت :
" هل أعجبَتـْـك ؟؟ "
" ما هي ؟؟ "
" الهدية ! "
وليد بعثر نظره هنا و هناك ، ثم قال :
" لا أذكر أين تركتها ... آسف ! "
هنا عند هذه اللحظة تمزّقت أوهامي ...
فإن كان قد أضاع هدية أعطيتها له مساء الأمس ...قبل أن يفتحها ... فكيف بماض ولى منذ تسع سنين ؟؟
و إدراكي لحقيقة أن وليد لم يعد وليد ... قتل كل رغبة في الحياة و السعادة لدي ...
الأيام التالية قضيتها حبيسة الغرفة في أنهار من الدموع ... حتى أن دانة و التي عادة ما تتهمني بأنني أتدلل بدموعي هذه بدأت تقلق بشأني و صارت تحضر لي الطعام إلى غرفتي ...
زارتني نهلة ، و خالتي ... الجميع يحاول التحدث ليعرف سبب حزني ألا أنني لم أكن أدع الفرصة لهم ...
و عندما تتصل أمي أكتفي بكلمات بسيطة معها أو مع أبي ، و أعود إلى غرفتي ...
أما سامر ، فقد كنت أتحاشى الحديث معه قدر الإمكان ...
في إحدى الليالي ، جاءتني دانة و قالت بمرح ـ محاولة بث البهجة في قلبي ـ
" رغد ! أنت مدعوّة على العشاء معي و مع وليد في أرقى مطاعم المدينة ! هيا بسرعة وليد ينتظرنا "
هي نظرة عابرة ألقيتها على دانة ثم أشحت بوجهي عنها و قلت :
" لن أذهب "
" ماذا رغد ! هيا لا تدعي الفرصة تفوتنا ! "
" لا أريد دانة رجاء ً دعيني وحدي "
دانة اقتربت مني ... و قد غطت وجهها تعبيرات القلق و قالت :
" هيا رغد ! "
هززت رأسي اعتراضا ، فقالت :
" إذن سنذهب و نتركك وحدك ! "
كانت تعرف أن نقطة ضعفي هي الوحدة ... و أتت تستخدمها كسلاح لجبري على الذهاب معهما ...
حدقت بها لبرهة ثم قلت :
" افعلا ما تشاءان "
رفعت حاجبيها دهشة و قالت :
" رغد ! معقول ! هل تخلّصت من الخوف ! "
قلت بعصبية :
" اذهبا و اتركاني وحدي ... دعيني وحدي يا دانة ... دعيني وحدي ... "
و انخرطت في بكاء مرير ...
دانة خرجت ... و بعد قليل عادت مع وليد ...
~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~
أحوال صغيرتي كانت غريبة ، و أصبحت مقلقة آخر الأيام ...
في الواقع هي كانت مستاءة جدا منذ أن قدمت ، ألا أن استياءها ازداد مؤخرا ...
كانت تحبس نفسها في الغرفة ، و لا تشاركنا لا الطعام و لا الكلام .
قررت أن نخرج معها لتناول العشاء في أحد المطاعم و من ثم التنزه فعلّ ذلك ينعشها ... ألا أن دانة أخبرتني بأنها رفضت القدوم معنا و قالت لها
( اذهبا و دعوني وحدي )
في السابق كانت دانة تترجم تصرفات رغد على أنها تدلل ، فهي متدللة جدا ... ألا أنها الآن قالت :
" أنا قلقة يا وليد ... هناك شيء تخفيه عنا ... لا أعرف ما الذي يحزنها هكذا "
كنت خلال الفترة الأخيرة أتحاشى اللقاء بها ، فلا قلبي و لا معدتي بقادرين على تحمل المزيد ... ألا أنني هذه اللحظة لم أتمالك نفسي و ذهبت مع دانة إلى رغد ...
الأخيرة كانت في غرفتها تبكي بغزارة تفطر قلب الحجر ... فكيف بقلبي أنا ؟؟
حاولت التحدث معها ألا أنها لم تستجب لي ، و قالت بعصبية :
" اخرجا و دعاني و شأني "
بقيت أيام على موعد عودة والدي ّ من رحلة الحج ... ربما يعود كل شيء على ما كان بعد عودتهما ...
و لكن إلى ذلك الحين يجب أن أفعل شيئا !
صبرت ساعة أو ما شابه ، ثم عدت إليها بمفردي ... و للأسى وجدتها لا تزال تبكي ...
" رغد ... انهضي ... دعينا نذهب لأي مكان تحبين ! "
ما وصلني منها أي جواب ...
كانت تجلس على السرير و تضع الوسادة في حضنها ...
" رغد ... ما بك ؟؟ أخبريني ؟؟ "
" لا شيء "
" إذن لم تبكين ؟ "
" لا لسبب "
" أرجوك ... أبلغيني بما يزعجك ؟؟ "
" قلت لا شيء "
" ربما أنا ؟؟ "
حين قلت ذلك نظرت إلي رغد نظرة غريبة مليئة بالمعاني ...
" إن ... كنتِ منزعجة بسببي ... فأنا آسف ... ما هي إلا أيام معدودة و يعود والداي و سامر ... "
عندها أغمضت رغد عينيها و ارتفع صوت بكائها المرير ...
كيف لي أن أحتمل رؤيتها هكذا ؟؟
بصعوبة بالغة منعت يدي من التربيت على كتفيها ... و لكنني لم أستطع منع نفسي من قول :
" صغيرتي الغالية كفى أرجوك ... لا أحتمل دموعك "
رغد قالت :
" أخرج "
و كررت الكلمة مرتين ، فغادرت الغرفة و أنا في قعر التعاسة و الكآبة ...
عند الفجر كنت في طريقي للخروج من المنزل قاصدا المسجد ...
فيما أنا أمر من غرفة المعيشة سمعت صوتا يصدر من هناك ...
سرت بحذر حتى دخلت الغرفة ، و أذهلتني رؤية رغد تبكي و تنحب هناك
" رغد ! "
التفتت إلي رغد بذعر إذ يبدو أنها لم تنتبه لقدومي ... ثم نهضت واقفة بارتباك ...
تقدمت منها ، و قلت :
" بالله عليك أخبريني ... ما بك ؟؟ "
رغد أرادت الخروج لكنني وقفت سادا فتحة الباب مانعا إياها من الخروج
" أخبريني ما بك أولا "
" دعني و شأني "
" لن أدعك حتى تخبريني "
" و لم تود أن تعرف ؟؟ ماذا يهمك أنت ؟؟ "
" يهمني كل شيء يتعلق بك ... كل شيء "
" كذّاب "
انقبضت عضلاتي استياء ً ... و استدرت للمغادرة ...
خطوت خطوتين ، و توقعت أن تخرج رغد من بعدي ، ألا أنها لم تخرج ...
لأحطّمنّك ! ~
الحلقة الثانية و العشرون
* * * * * * * *
لم تمر ليلتي بسلام ...
و رغم أنني نمت متأخرة على غير العادة ألا أنني نهضت باكرا ...
لم يكن أحدهم قد نهض آنذاك ، و بعد قليل نهضت دانة و ذهبنا للمطبخ لإعداد كعكة العيد !
دانة كانت مفعمة بالحيوية و النشاط أما أنا فكنت في غاية الكسل و الملل و الكآبة أيضا ...
بعد مدة اجتمعنا نحن الأربعة حول مائدة الفطور ... و تناولنا حصصنا من الكعكة ...
سامر كان متحمسا جدا و منفعلا ، و يتحدث عن النزهات التي ينوي القيام بها هذا اليوم ...
قالت دانة :
" أنا لن أشارككم فأنا سأخرج مع خطيبي ! "
قال وليد :
" و أنا سأخرج الآن "
و نهض مباشرة ...
سامر قال :
" إلى أين ؟؟ "
" سأتجول في المنطقة "
و سرعان ما غادر
قال سامر :
" ما به ؟ لا يبدو طبيعيا ! "
قلت :
" إنه يريد الرحيل "
قال :
" لن يغادر قبل زفافنا على أية حال ! "
ثم ابتسم ابتسامته التي تزعجني و هو يقول :
" بعد أيام فقط ... "
أهداني سامر زوجا من الأقراط الذهبية ، أما أنا فأهديته إحدى لوحاتي !
لم تكن لدي فكرة عن شيء جديد أهديه إليه !
قضينا نهار العيد ، أنا و سامر نتجول من مكان لآخر ...
و عند العصر ، و نحن في الطريق إلى البيت قال سامر :
" حصلت على هذا اليوم بصعوبة ، لا زال أمامي مشوار العودة الطويل "
قلت :
" أنت تكلف نفسك مشقة ! ما كان يجدر بك الحضور ! "
سامر التفت إلي باستغراب و قال :
" لا أحضر ؟؟ في يوم مميز كهذا ؟؟ "
قلت :
" أقصد .. مشقة السفر ... حضورا و ذهابا ... "
قال :
" لأجلك أنت ِ "
صمت ، و أخذت أراقب الأشياء المتحركة من حولي من خلال النافذة ...
بعد قليل ، قال سامر :
" لم كنت ساهرة لذلك الوقت المتأخر ... البارحة ؟؟ "
التفت نحوه بتعجب !
قلت :
" لم أشعر بالنعاس قبلها ... "
و أضفت :
" كما و أن ... وليد كان قد عاد قبل ذلك بقليل من الخارج ، و لم أشعر بارتياح للنوم و هو خارج المنزل "
قال :
" هل ... يسهر بعيدا كل ليلة ؟؟ "
" لا ! أبدا ... فقط البارحة ، ربما حضر أحد احتفالات العيد ! "
عندما عندنا للمنزل كنا أول الواصلين
تجازوت الساعة السادسة و لم يعد لا وليد و لا دانة ... سامر بدأ يلقي بنظرة بين حين و آخر عليها في اضطراب ...
" تأخرا ! يجب أن أغادر الآن فأمامي مشوار طويل "
و المشوار بين المدينتين يستغرق ساعات يقضيها سامر في قيادة السيارة
لأبد أنه متعب الآن ! فقد قضينا ساعات أيضا في السيارة ...
قام سامر و اتصل بوليد ، و يبدو أن هذا الأخير أخبره بأنه لن يعود قريبا
لذا أتى سامر و قال :
" أ آخذك إلى بيت خالتك ؟؟ "
لم أحبذ الفكرة و مع ذلك اتصلت بهم ، و لم أجد أحدا ... لأبد أنهم ذهبوا أيضا للتمتع بيوم العيد ...
قلت :
" أين هو وليد ؟؟ "
" يقول أنه في مكان بعيد ، و قد يتأخر في الحضور ... "
و تنهد سامر باستياء !
إنها المرة الأولى التي يكون فيها معي و يرغب في الذهاب !
قبيل الثامنة ، خرجنا مجددا و اشترينا عشاء خفيفا من مطعم قريب و عندنا للمنزل
و أيضا لم نجد أحدا هناك ...
عاود سامر الاتصال بوليد بعد العشاء ...
" إن علي ّ الذهاب الآن ... فمتى ستعود ؟؟ "
و من خلال تعابير سامر المستاءة استنتجت رد وليد !
قال سامر :
" و الآن هللا حضرت ؟؟ "
بعد أقل من ساعة من المكالمة وصل وليد ...
بادره سامر بالعتاب :
" تأخرت يا وليد كثيرا .. متى سأصل إلى شقتي ؟؟ "
قال :
" شاركت الآخرين مهرجانات العيد ... لا أحد يبقى في المنزل في يوم كهذا "
فهمت أنه يقصد أن وجودي يعيقه عن الترفيه عن نفسه في يوم مميز ...
التزمت الصمت ... قال سامر :
" سأذهب الآن ... "
و صافحني ، ثم صافح وليد و قال :
" تصبحان على خير "
بقيت مع وليد ... وحيدين في المنزل ...
حينما رأيت الضجر باد عليه قلت :
" إن كنت تود الذهاب لمتابعة سهرتك في مكان ما ... فخذني إلى بيت إحدى صديقاتي ثم اذهب "
و ببساطة تجاهلني !
قلت بغضب :
" وليد أنا أتحدث معك ! "
الفت إلي و قال :
" أسمعك ، لكنني لست مجنونا لأفعل ذلك "
صمت قليلا ، ثم قلت :
" أنا آسفة ... للتسبب بإزعاجك طوال هذه المدة ... بقيت بضع أيام "
لم يرد ...
قلت :
" أنا أستطيع المكوث في بيت خالتي ، لكن المشكلة مع دانة ... و إلا لكنا وفرنا عليك عناء البقاء معنا "
رماني وليد بنظرة مخيفة أخرست لساني !
لم أشأ أن أتركه وحيدا و أنعزل في غرفتي ... أحضرت كراستي و عدّة الرسم إلى غرفة المعيشة ، حيث يجلس هو ، و بدأت أرسم !
وليد كان يتصفح قنوات التلفاز و لا يجد فيها من يجذبه للمتابعة
لكنه مهروس على ما يبدو بالأخبار ...
بعد قليل ، أوقف وليد التلفاز و أخذ الهاتف ، و طلب أحد الأرقام ...
أنا لم أكن أرسم بقدر ما كنت أراقب تحركاته ...
و ها هو يتحدّث إلى الطرف الآخر :
" مرحبا ، أنا وليد شاكر "
( ........................ )
( أهلا بك آنسة أروى ، كل عام و أنتم بخير ، كيف هي أموركم ؟؟ )
تركت القلم من يدي و أصغيت باهتمام ...
( ماذا ؟؟ متى حدث ذلك ؟؟ )
( ...................... )
" أوه ... أنا آسف ... و كيف حالتها الآن ؟؟ أهي أفضل ؟؟ "
( .................... )
" لا تقلقي ، بلغيها و العم سلامي ... و أخبريهما بأنني سأعود في أقرب فرصة إن شاء الله "
( .................. )
" شكرا لك ، وافوني بأخباركم أولا بأول ، تصبحين على خير "
و أنهى المكالمة ...
و عاد و شغّل التلفاز ، ألا أنه كان شاردا ...
من تكون أروى هذه ؟؟
تركت اللوحة جانبا ، و قلت بعد تردد قصير ضعيف غلبه الفضول الشديد :
" وليد "
" نعم ؟؟ "
" من كنت تحدّث ؟؟ "
بدا عليه الاستغراب ، ثم قال :
" لم السؤال ؟؟ "
" لاحظت ... استيائك من خبر وصلك من الطرف الآخر ... خيرا ؟؟ "
قال :
" زوجة صديقي رحمه الله تعرضت لنوبة قلبية و ترقد في المستشفى "
صمت ّ قليلا ثم سألته :
" و هي من كنت تتحدّث معها ؟؟ "
" كلا . هذه ابنتها "
ابنة صديقه ؟ إذن لأبد أنها مجرد طفلة !
بعد قليل أوقف وليد التلفاز و نهض هاما بالمغادرة
قلت :
" إلى أين ؟؟ "
التفت إلي بانزعاج و قال :
" سأذهب للنوم ، إلا إذا كنت ِ تريدين من حارسك البقاء ساهرا لحين نومك ؟ "
لم أجب ، فأنا لم أجد الكلمات المناسبة ... و هو لا يدرك كم هي جارحة كلماته و قاسية معاملته ...
ليته يعرف !
استدار ليخرج فعدت أناديه :
" وليد "
تنهد و هو يلتفت نحوي قائلا :
" ماذا الآن ؟؟ "
تقدمت نحوه قليلا ، و فتشت في وجهه عن أي ملامح تشجعني على سؤالي ، لكنني لم أجد ... فبقيت صامتة ...
" نعم ؟؟ ماذا لديك ؟؟ "
توترت ، لكني بعدها جمعت غبار شجاعتي و قلت :
" هل أعجبَتـْـك ؟؟ "
" ما هي ؟؟ "
" الهدية ! "
وليد بعثر نظره هنا و هناك ، ثم قال :
" لا أذكر أين تركتها ... آسف ! "
هنا عند هذه اللحظة تمزّقت أوهامي ...
فإن كان قد أضاع هدية أعطيتها له مساء الأمس ...قبل أن يفتحها ... فكيف بماض ولى منذ تسع سنين ؟؟
و إدراكي لحقيقة أن وليد لم يعد وليد ... قتل كل رغبة في الحياة و السعادة لدي ...
الأيام التالية قضيتها حبيسة الغرفة في أنهار من الدموع ... حتى أن دانة و التي عادة ما تتهمني بأنني أتدلل بدموعي هذه بدأت تقلق بشأني و صارت تحضر لي الطعام إلى غرفتي ...
زارتني نهلة ، و خالتي ... الجميع يحاول التحدث ليعرف سبب حزني ألا أنني لم أكن أدع الفرصة لهم ...
و عندما تتصل أمي أكتفي بكلمات بسيطة معها أو مع أبي ، و أعود إلى غرفتي ...
أما سامر ، فقد كنت أتحاشى الحديث معه قدر الإمكان ...
في إحدى الليالي ، جاءتني دانة و قالت بمرح ـ محاولة بث البهجة في قلبي ـ
" رغد ! أنت مدعوّة على العشاء معي و مع وليد في أرقى مطاعم المدينة ! هيا بسرعة وليد ينتظرنا "
هي نظرة عابرة ألقيتها على دانة ثم أشحت بوجهي عنها و قلت :
" لن أذهب "
" ماذا رغد ! هيا لا تدعي الفرصة تفوتنا ! "
" لا أريد دانة رجاء ً دعيني وحدي "
دانة اقتربت مني ... و قد غطت وجهها تعبيرات القلق و قالت :
" هيا رغد ! "
هززت رأسي اعتراضا ، فقالت :
" إذن سنذهب و نتركك وحدك ! "
كانت تعرف أن نقطة ضعفي هي الوحدة ... و أتت تستخدمها كسلاح لجبري على الذهاب معهما ...
حدقت بها لبرهة ثم قلت :
" افعلا ما تشاءان "
رفعت حاجبيها دهشة و قالت :
" رغد ! معقول ! هل تخلّصت من الخوف ! "
قلت بعصبية :
" اذهبا و اتركاني وحدي ... دعيني وحدي يا دانة ... دعيني وحدي ... "
و انخرطت في بكاء مرير ...
دانة خرجت ... و بعد قليل عادت مع وليد ...
~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~
أحوال صغيرتي كانت غريبة ، و أصبحت مقلقة آخر الأيام ...
في الواقع هي كانت مستاءة جدا منذ أن قدمت ، ألا أن استياءها ازداد مؤخرا ...
كانت تحبس نفسها في الغرفة ، و لا تشاركنا لا الطعام و لا الكلام .
قررت أن نخرج معها لتناول العشاء في أحد المطاعم و من ثم التنزه فعلّ ذلك ينعشها ... ألا أن دانة أخبرتني بأنها رفضت القدوم معنا و قالت لها
( اذهبا و دعوني وحدي )
في السابق كانت دانة تترجم تصرفات رغد على أنها تدلل ، فهي متدللة جدا ... ألا أنها الآن قالت :
" أنا قلقة يا وليد ... هناك شيء تخفيه عنا ... لا أعرف ما الذي يحزنها هكذا "
كنت خلال الفترة الأخيرة أتحاشى اللقاء بها ، فلا قلبي و لا معدتي بقادرين على تحمل المزيد ... ألا أنني هذه اللحظة لم أتمالك نفسي و ذهبت مع دانة إلى رغد ...
الأخيرة كانت في غرفتها تبكي بغزارة تفطر قلب الحجر ... فكيف بقلبي أنا ؟؟
حاولت التحدث معها ألا أنها لم تستجب لي ، و قالت بعصبية :
" اخرجا و دعاني و شأني "
بقيت أيام على موعد عودة والدي ّ من رحلة الحج ... ربما يعود كل شيء على ما كان بعد عودتهما ...
و لكن إلى ذلك الحين يجب أن أفعل شيئا !
صبرت ساعة أو ما شابه ، ثم عدت إليها بمفردي ... و للأسى وجدتها لا تزال تبكي ...
" رغد ... انهضي ... دعينا نذهب لأي مكان تحبين ! "
ما وصلني منها أي جواب ...
كانت تجلس على السرير و تضع الوسادة في حضنها ...
" رغد ... ما بك ؟؟ أخبريني ؟؟ "
" لا شيء "
" إذن لم تبكين ؟ "
" لا لسبب "
" أرجوك ... أبلغيني بما يزعجك ؟؟ "
" قلت لا شيء "
" ربما أنا ؟؟ "
حين قلت ذلك نظرت إلي رغد نظرة غريبة مليئة بالمعاني ...
" إن ... كنتِ منزعجة بسببي ... فأنا آسف ... ما هي إلا أيام معدودة و يعود والداي و سامر ... "
عندها أغمضت رغد عينيها و ارتفع صوت بكائها المرير ...
كيف لي أن أحتمل رؤيتها هكذا ؟؟
بصعوبة بالغة منعت يدي من التربيت على كتفيها ... و لكنني لم أستطع منع نفسي من قول :
" صغيرتي الغالية كفى أرجوك ... لا أحتمل دموعك "
رغد قالت :
" أخرج "
و كررت الكلمة مرتين ، فغادرت الغرفة و أنا في قعر التعاسة و الكآبة ...
عند الفجر كنت في طريقي للخروج من المنزل قاصدا المسجد ...
فيما أنا أمر من غرفة المعيشة سمعت صوتا يصدر من هناك ...
سرت بحذر حتى دخلت الغرفة ، و أذهلتني رؤية رغد تبكي و تنحب هناك
" رغد ! "
التفتت إلي رغد بذعر إذ يبدو أنها لم تنتبه لقدومي ... ثم نهضت واقفة بارتباك ...
تقدمت منها ، و قلت :
" بالله عليك أخبريني ... ما بك ؟؟ "
رغد أرادت الخروج لكنني وقفت سادا فتحة الباب مانعا إياها من الخروج
" أخبريني ما بك أولا "
" دعني و شأني "
" لن أدعك حتى تخبريني "
" و لم تود أن تعرف ؟؟ ماذا يهمك أنت ؟؟ "
" يهمني كل شيء يتعلق بك ... كل شيء "
" كذّاب "
انقبضت عضلاتي استياء ً ... و استدرت للمغادرة ...
خطوت خطوتين ، و توقعت أن تخرج رغد من بعدي ، ألا أنها لم تخرج ...



تعليق