كان في السابعة من عمره
كان تماما في السابعة من عمره
دخل بيتهم الكبير مرعوبا يخفي بيده كدمة استقرت فوق حاجبه ، جرى مسرعا إلى الحمام ، أخذ ينظر إلى المرآة ، واستقر رأيه على أن الكدمة يصعب إخفائها أنطلق مسرعا إلى الخادمة علها قد تساعده قبل أن يراه أحد ، حاول الاستعداد لمقابلة أمه ، اخذ يفكر في الأعذار المناسبة لأنه يستحيل أن يخبرها السبب الحقيقي .
رأى الخادمة في الغرفة الخارجية ، نادها هامسا خشية لفت انتباه الآخرين وفي داخل الغرفة أسلم رأسه للخادمة من أجل أن تضع عليه بعض الأدوية بينما أخذ هذا الصغير يسترجع ما حصل له .
بدأت مأساته عندما كان خارجا من المسجد مع أصدقائه بعد صلاة العشاء ، خرجوا مباشرة بعد الصلاة ، كانت ضحكاتهم تملأ الشارع ، وعندما وصلوا إلى بيت الصغير الذي كان قريبا من المسجد ، رأوا خاله الشاب يخرج من بيت جده الملاصق لبيتهم ويركب سيارته الفارهة مسرعا .
قال اكبر الأطفال موجها كلامه للصغير :
- خالك ما صلى في المسجد .
أنطلق الصغير مدافعا عن خاله الشاب بدون تفكير :
- ما تدري ، يمكن راح يصلي في مسجد ثاني .
رد اكبر الأطفال :
- أصلاً أنت خالك ما يصلي في المسجد أبد ، عشانه داشر *
*(داشر : مصطلح محلي يطلق على الشخص غير سوي الأخلاق)
ولم تكن إلا دقائق حتى نشب العراك .
كان العراك غبر متكافئ ، فخرج الصغير بأضرار كبيرة .
فز من خيالاته على صوت الخادمة التي تخبره بأن أمه تناديه للتأكد من عودته من الصلاة .
خرج من الغرفة مسرعا ، ماذا سيفعل عندما ترى أمه هذه الكدمة ، وعلى غير عادته لم يدخل البيت وقرر أن يرد على أمه من الفناء وقال :
- سمي يمه
أمه :
- ريان ، صليت .
هو :
- الحمد الله ، بجيب الكوره وبأجي بعد شوي .
إلى متى سيتهرب ، أخذ يسأل نفسه هذا السؤال ، يجب أن يجد عذرا مقبولا ولكن كل الأعذار التي في رأسه ستكلفه غاليا ، لماذا لا يقول الحقيقة ، فكر في هذا ثواني قليلة ثم هز رأسه بالنفي .
سمع صوت سيارة خاله وهي تتوقف أمام بيت جده ، لا يعرف لماذا ارتسمت صورة خاله أمامه .
ماذا فعلت بي ، ستجعلني أكذب ، ستجعلني أفقد أصدقائي ، وستجعل أمي تكرهني .
لماذا ليس لك لحية مثل باقي أخوالي ، لماذا تدخن ، لماذا لديك دش ، لماذا تسافر كثيرا .
لماذا أنت هكذا من بين جميع أخوالي ، على الأقل لماذا لم تكن أنت متدينا و أحد أخوالي هو الداشر .
اقترب من الباب الذي يفصل بين بيتهم وبيت جده .
سمع وقع خطوات خاله في فناء بيت جده .
كم هو حانق عليه ، كان آخر شخص يود مقابلته فهو سبب المشاكل .
لكنه فتح الباب الفاصل بين البيتين وأطل برأسه الصغير ورأى خاله في آخر الفناء ، التفت خاله إليه وأبتسم وقال له :
- يا الله تعال ، المباراة بتبدأ بعد شوي .
لم يكن يرى وجه خاله بوضوح ، كان يحس فقط أن خاله كان يبتسم وهو يتكلم .
وبكل براءة الأطفال رمى مشاكله خلف ظهره وانطلق مسرعا خلف خاله .
كانت علاقتهما موطنا للتندر بين أفراد العائلة ، فخاله الشاب لم يكن يتجاوب كثيرا مع الأطفال ولكنه كان يعطي استثناء لهذا الصغير من بين كل أطفال إخوانه وأخواته حتى الصغير لم يكن يعرف السبب .
دخل إلى غرفة خاله التي بالأعلى ، كان خاله يتحدث بالهاتف ، نظر خاله إليه وهو يبتسم ولكن سرعان ما زالت الإبتسامه من وجهه وقال منهيا محادثته الهاتفية :
- اوكي ، دقايق و أكلمك .
التفت إلى الصغير بوجه مستاء و أشار بيده إلى موضع الكدمة التي على وجهه .
طأطىء الصغير برأسه إلى الأرض وقال :
- اليوم لعبت كوره في الشارع وطحت .
ثم نظر بتوسل إلى خاله وقال :
- تكفى قل لأمي ما تزعل علي ، أنا مستعد أقعد شهر ما أطلع من البيت بس هي ما تزعل علي .
لم يكن خاله يحب التدخل في الأمور العائلية ولكن عندما وقعت عيناه على الصغير لم يستطع السماح لنفسه بأن يجعلهم يعاقبونه .
قال للصغير وهو متضايق :
- طيب أنا ممكن أسوي لك هاالخدمه ، بس مهوب بلاش .
ذهل الصغير من كلام خاله وقال :
- يعني بكم ؟
فأجاب خاله :
- يا أنك تعطيني مليون ريال الحين أو أنك توعدني أنك ما تلعب في الشارع مره ثانيه .
رد الصغير وهو فرح بأن أزمته قد تفرج وقال :
- أوعدك .
خاله :
- و إذا أخلفت بوعدك .
الصغير يرفع يده إلى السماء ضاحكا ويقول :
- إذا أخلفت بالوعد ، علقني بالنجفه .
و أخذا في الضحك .
لم يكن الصغير يهتم كثيرا بالمباريات الرياضية ، كان يراقب إنفعالات خاله مع المباراة أكثر من مراقبة المباراة نفسها ، على الرغم من أن خاله كان يدعوه كثيرا لمشاهدة المباريات ، وعلى الرغم من أن خاله كان يختلق لوالديه القصص الواهية حتى يستطيع اصطحابه إلى مشاهدة المباريات في الملعب ، إلا أن معلوماته الرياضية انحصرت في أمرين هم أن خاله يشجع فريقا ازرق يدعى الهلال ، وأن خاله أقسم أنه سيرميه من فوق سطح البيت إذا علم أنه يميل إلى فريق آخر .
كان الفريق الأزرق متأخرا بهدف ، وفي خضم أحداث المباراة أنفرد لاعبين من الفريق الأزرق بمرمى الخصم ، أخذ خاله في الصراخ :
- ناول سامي ، ناول سامي .
إلا أن اللاعب الآخر فضل التسديد وضاعت الكره .
أخذ خاله يضرب قبضة يده اليمنى بكف يده اليسرى من الغضب .
وبعد أن انتهت المباراة أغلق خاله التلفزيون متأففا وبحركة آلية شغل المسجل الذي أخذ يصدح بموسيقى غربية ، غريبة ولكنها هادئة .
ارتسمت تعابير الإمتعاض على وجه الصغير ، تذكر كلام أمه المطول عن أن الموسيقى حرام و أنه لا يجب الإستماع إليها ، ولكن بعد فتره بسيطة أغلق خاله المسجل ، إستغرب الصغير من هذا الفعل ، إنه لم يقل شيئا لخاله ، حتى عندما نظر خاله إليه لم يتكلم .
إستلقى خاله على الأريكة والتفت للصغير وقال له :
- أيوه ، وش عندك سواليف يا المطوع .
ضحك الصغير من اللقب الذي أطلقه عليه خاله ، و أنطلق بالحديث ، أخذ يتحدث في كل شيء عن مشاجراته مع أخيه الكبير التي لا تنتهي ، وعن نسيانه للنشيد الذي يحفظه عندما خرج لينشده في الإذاعة المدرسية ، وعن أمنيته الأزلية في أن يكون عريف الفصل ، لم يكن خاله يقاطعه لقد ظل يسمعه بهدوء ربما كان هذا أكثر شيء يحبه في خاله ، حتى عندما تحدث عن نظام يومه الرتيب لم يقاطعه خاله أو يطلب منه التوقف ، و لو لم يكن متعودا على هذه الميزة في خاله لظن أنه نام .
و فجأة قاطعه خاله وقال :
- عد ، وش قلت قبل شوي .
أجاب الصغير :
- قلت ، إنشاء الله بعد أسبوعين بأنتهي من حفظ جزء تبارك مع الحلقة اللي في المسجد .
أطلق خاله ضحكة عالية .
و دونما سبب دار نقاش غريب بينهما .
كان خاله غير مصدق لما يقول .
وتابع خاله الحديث بقوله انه رغم محاولاته الجادة لحفظ القرآن – على حد زعمه – لم يستطع أن يحفظ إلا بعض قصار السور ، فكيف بك أنت يا ذا السبع سنوات .
وبكل هدوء أخرج الصبي مصحفه الصغير من جيبه ومده إلى خاله مطالبا إياه باختباره فيما يقول .
أصابت خاله نوبة من الذهول ، كان ذهوله من أن الصغير كان يحمل مصحفا في جيبه ، أكثر من ذهوله في تصديق ما يحفظه الصغير من قران .
وبابتسامة فخورة على وجهه قال :
- خلاص ، خلاص ، صدقت .
واستطرد قائلا :
- شف يا أبو محمد ، إذا كملت حفظك للجزأين ، عندي لك جائزه .
وما أن سمع الصغير بذكر جائزة حتى إنشدت حواسه كلها للحديث وقال :
- وش الجائزة .
خاله :
- أي شيء تبيه .
شطح الصغير بآماله عليا وقال لخاله :
- حتى لو أقولك تعطيني دوره بالسيارة في الحارة ، بتوافق .
أجابه خاله :
- يا شيخ حتى لو تبي دوره بالسيارة في التخصصي .
و عادا للضحك .
وبعد لحظات سمعا صوت أخو الصغير يناديه من الفناء ، فز الصغير للإجابة ، و أراد توديع خاله .
حاول أن يقترب من رأسه ليقبله ، ولكن خاله التقطه من ثيابه و رفعه عن الأرض وهو يقول :
- كم مره قلت لك بطل عاداتك البايخه هذي .
أجاب الصغير وهو يبتسم :
- كل خوالي وعماني لازم احب روسهم .
نرفزة هذه الإجابة خاله فأخذ يهز الصغير في الهواء والصغير غارق في الضحك ويصرخ :
- توبه ، توبه .
وبعد أن وضعه خاله على الأرض قال الصغير :
- طيب وش اسوي .
رد خاله :
- جر شعري ولا شتني مع رجلي ولا حتى عطني بقس بس لا تحب راسي .
أخذ الصغير بأخف الأمور وشد شعر خاله بلطف وهو يودعه .
وبأقصى سرعته انطلق ليلحق بأخيه الأكبر في الفناء وما أن رآه حتى بادره أخوه بالسؤال :
- وراك تأخرت .
أجاب الصغير :
- كنت قاعد اشوف المباراة مع خالي .
الأخ الأكبر :
- من فاز .
الصغير بنبرة حزن .
- إنهزم الهلال .
أخذ الصغير يضرب بقبضة يده اليمنى كف يده اليسرى و استطرد بلهجة الواثق من كلامه :
- كان المفروض يناول سامي .
بعد صلاة العصر خرج مسرعا من المسجد و لم ينخرط في الحلقة مع أصدقائه كعادته
بسبب الحادثة المشؤومة ، وبقي على هذه الحال أياما يحفظ القران في البيت لوحده ، لم يكن يريد أن يخسر الرهان الذي بينه وبين خاله ، ولكن بالمقابل كان يريد أن يسًمع ما حفظه على مدرس الحلقة ، أخذ يتسكع قرب المسجد منتظرا انتهاء أصدقائه من الحلقة ومن ثم سيدخل بعدهم على مدرس الحلقة ليتلوا ما حفظه ، بدت له هذه انسب طريقة .
جلس بمكان غير بعيد عن باب المسجد منتظرا ، ياله من رهان غريب هذا الذي بينه وبين خاله لم يستسغ أن خاله يمكن أن يشجعه على حفظ القران لدرجة انه يمكن أن يعطيه الجائزة التي يريدها ، لو كان الرهان أن يلعب لفريق فصله مثلا لربما استساغ الموضوع ، نعم لقد بدى له رهانا غريبا جدا .
وما أن خرج أصدقائه من المسجد حتى تحرك للدخول ، اقترب باحترام من مدرس الحلقة ، وبعد أن تلقى بعض التوبيخ الهادئ عن غيابه مؤخرا بدأ تلاوة ما حفظه ، بدت علامات الراحة تظهر على وجه الشيخ ، فعلى الرغم من أن الصغير لم يحضر للحلقة منذ فتره إلا انه قارب على الانتهاء من نهاية حفظ الجزء المقرر عليه وبأداء جيد .
لكن فجأة توقف الصغير عن التلاوة .
ظن الشيخ أن الصغير قد نسي الكلمة فذكره بها ، نظر الصغير إلى الأرض ، فقرأ الشيخ المقطع عليه كاملا ، ولكن دونما استجابة من الصغير ، وبدون مقدمات رفع الصغير رأسه ووجه سؤالا للشيخ :
- يا شيخ ، اللي ما يصلي في المسجد وش يسوي به ربي .
تفاجأ الشيخ من سؤال الصغير أيما تفاجُأ ، و لوهلة ظن أن الصغير يريد التهاون بالصلاة في المسجد ، فقال :
- يا ولدي ، اللي ما يصلي في المسجد يعاقبه ربي ، ويمكن يروح النار .
نزلت هذه الإجابة نزول الصاعقة على الصغير ، أراد أن يترجى الشيخ حتى يقول كلاما غير هذا ، لكنه لم يستطع ، كما انه لم يستطع منع عينيه من ذرف الدموع .
رق قلب الشيخ عندما رأى دموع الطفل فأستطرد قائلا :
- يا ولدي ، باب التوبة مفتوح ، و الواحد إذا تاب توبة صادقه إنشاء الله ربي بيقبل توبته .
رفع الصغير رأسه بلهفة وكأنه يرى منفذا للنجاة ولم يكبح جماح نفسه وهو يسأل :
- حتى لو كان داشر .
ضحك الشيخ ضحكة هادئة وقال :
- حتى لو كان داشر .
اسند الصغير رأسه على باب غرفة خاله ممسكا بيده مصحفه متمتما بالقران ، لا يذكر كم مره راجع فيها ما حفظه ، كان هذا هو اليوم الذي سيتم اختباره في الحلقة فيما حفظ ، لقد أراد أن يكون مستعدا ، لكن ذهنه كان مشغولا بالجائزة التي يريدها ، كان موعد الاختبار قبل صلاة العشاء و أمام المصلين ، ولم يبق على الموعد إلا بضع ساعات ، كم يتلهف الآن لرؤية خاله .
وما هي إلا لحظات حتى اقبل خاله ، وما أن رآه خاله حتى فهم كل شيء وابتسم ثم قال له :
- بشرني .
فما كان من الصغير إلا أن ضحك وهو يهز يده بعلامة الانتصار ، لقد كسب الرهان ، لقد جاء وقت الجائزة .
و بفرح عارم قال خاله :
- يا بطل ، آمر ، تدلل ، وش تبي جائزه .
لكن الغريب في الموضوع أن الصغير سكت ، لقد ظن خاله أن الصغير قد حسم أمر الجائزة منذ فتره ، لكن الصغير واصل الصمت ، فكر خاله بأن يأخذ الصغير لمحل الألعاب ليأخذ ما يريد وقبل أن يطرح اقتراحه تكلم الصغير :
- الجائزه .
سكت برهة ثم عاود الحديث بصوت منخفض :
- اليوم قبل صلاة العشاء بيختبروني في الجزء اللي حفظته ، و أبيك تجي المسجد عشان تشوفني .
ماذا أصاب خاله بعد أن سمع كلام الصغير ، هل هي رعشة أم صدمة أم ذهول ، كل ما رآه الصغير هو أن خاله كان واقفا فجلس ، أراد أن يتحدث فتلعثم .
لكن في النهاية نطق خاله :
- ريان .
صمت طويلا ثم استطرد :
- ريان ، أنا ما اقدر اجي المسجد ، فيه ناس هناك ما شفتهم من زمان ، ولو رحت ……
ما أن سمع الصغير عبارة " ما أقدر أجي المسجد " حتى أصاب أذنيه ما يشبه الصمم ، لم يكن يريد الاستماع لتبريرات خاله ، لقد سمع الجواب النهائي وكفى .
أشاح الصغير بوجهه وولى خارجا بهدوء ، و لأول مرة لم يودع خاله أو على الأقل لم يحاول توديعه .
أتخذ مكانه المعتاد في الصف الأول من المسجد منتظرا دوره في الاختبار .
كان المسجد مليئا بالمصلين ، وكانت عبارات الإعجاب مثل " الله أكبر " و " بارك الله فيك " و " وفقك الله " تطلق من المصلين على الأطفال الذين كانوا يرتلون القران بصورة عذبة ، وما أن جاء دوره حتى وقف أمام المصلين غير خائف وانطلق بقراءة القران بكل ما أوتى من قوة صوت ، لقد بدأ في قراءة القران حتى قبل أن يأذن له الشيخ بالبدء .
لم يعلم أحد لماذا يقرأ الصغير القران بكل ما أوتى من قوة ، أما هو فقد كان يريد أن يزيد من قوة صوته حتى لا يسمع أصوات أخرى تتعالى في داخله .
وما أن انتهى حتى شد حدث غريب انتباهه ، لا بل إن هذا الحدث شد انتباه جميع المصلين في المسجد .
فمن آخر صف بالمسجد أخذ شخص بالتصفيق بحده ، لم يكن التصفيق هو الطريقة المثلى أو المألوفة لإبداء الإعجاب بالمسجد ، الكل يعرف هذا حتى الصغير نفسه .
التفت الصغير إلى مصدر التصفيق كحال باقي الموجدين ، لقد كان خاله هو ذلك الشخص .
كم كان يحترق لرؤية التعابير على وجه خاله ، لأنه لم يكن يرى وجهه بوضوح لكنه في أعماقه كان متأكدا من أن خاله كان يبتسم .
انطلق صوت المؤذن معلنا إقامة الصلاة ، وعلى غير العادة لم يأخذ الصغير مكانه المفضل في الصف الأول ، بل رجع إلى الصف الأخير حيث خاله .
في هذه اللحظة بالذات كان يود تقبيل رأس خاله ، ولكنه كان يعلم أن هذا الأمر كان مرفوضا ، كم انه لا يستطيع الوصول لشعر خاله كي يشده ، فما كان منه إلا أن ركل قدم خاله بلطف وهو يبتسم .
ما أن كبر خاله تكبيرة الإحرام مع المصلين حتى أخذ الصغير ينظر إلى وجهه بتمعن ، انه لا يعرف شكل التوبة الصادقة لقد سمع بها فقط حاول أن يتخيلها فعجز ، ألقى نظرة أخيرة على وجه خاله ، لاحت في باله إجابة ، هز رأسه موافقا ثم كبر .
كان تماما في السابعة من عمره
دخل بيتهم الكبير مرعوبا يخفي بيده كدمة استقرت فوق حاجبه ، جرى مسرعا إلى الحمام ، أخذ ينظر إلى المرآة ، واستقر رأيه على أن الكدمة يصعب إخفائها أنطلق مسرعا إلى الخادمة علها قد تساعده قبل أن يراه أحد ، حاول الاستعداد لمقابلة أمه ، اخذ يفكر في الأعذار المناسبة لأنه يستحيل أن يخبرها السبب الحقيقي .
رأى الخادمة في الغرفة الخارجية ، نادها هامسا خشية لفت انتباه الآخرين وفي داخل الغرفة أسلم رأسه للخادمة من أجل أن تضع عليه بعض الأدوية بينما أخذ هذا الصغير يسترجع ما حصل له .
بدأت مأساته عندما كان خارجا من المسجد مع أصدقائه بعد صلاة العشاء ، خرجوا مباشرة بعد الصلاة ، كانت ضحكاتهم تملأ الشارع ، وعندما وصلوا إلى بيت الصغير الذي كان قريبا من المسجد ، رأوا خاله الشاب يخرج من بيت جده الملاصق لبيتهم ويركب سيارته الفارهة مسرعا .
قال اكبر الأطفال موجها كلامه للصغير :
- خالك ما صلى في المسجد .
أنطلق الصغير مدافعا عن خاله الشاب بدون تفكير :
- ما تدري ، يمكن راح يصلي في مسجد ثاني .
رد اكبر الأطفال :
- أصلاً أنت خالك ما يصلي في المسجد أبد ، عشانه داشر *
*(داشر : مصطلح محلي يطلق على الشخص غير سوي الأخلاق)
ولم تكن إلا دقائق حتى نشب العراك .
كان العراك غبر متكافئ ، فخرج الصغير بأضرار كبيرة .
فز من خيالاته على صوت الخادمة التي تخبره بأن أمه تناديه للتأكد من عودته من الصلاة .
خرج من الغرفة مسرعا ، ماذا سيفعل عندما ترى أمه هذه الكدمة ، وعلى غير عادته لم يدخل البيت وقرر أن يرد على أمه من الفناء وقال :
- سمي يمه
أمه :
- ريان ، صليت .
هو :
- الحمد الله ، بجيب الكوره وبأجي بعد شوي .
إلى متى سيتهرب ، أخذ يسأل نفسه هذا السؤال ، يجب أن يجد عذرا مقبولا ولكن كل الأعذار التي في رأسه ستكلفه غاليا ، لماذا لا يقول الحقيقة ، فكر في هذا ثواني قليلة ثم هز رأسه بالنفي .
سمع صوت سيارة خاله وهي تتوقف أمام بيت جده ، لا يعرف لماذا ارتسمت صورة خاله أمامه .
ماذا فعلت بي ، ستجعلني أكذب ، ستجعلني أفقد أصدقائي ، وستجعل أمي تكرهني .
لماذا ليس لك لحية مثل باقي أخوالي ، لماذا تدخن ، لماذا لديك دش ، لماذا تسافر كثيرا .
لماذا أنت هكذا من بين جميع أخوالي ، على الأقل لماذا لم تكن أنت متدينا و أحد أخوالي هو الداشر .
اقترب من الباب الذي يفصل بين بيتهم وبيت جده .
سمع وقع خطوات خاله في فناء بيت جده .
كم هو حانق عليه ، كان آخر شخص يود مقابلته فهو سبب المشاكل .
لكنه فتح الباب الفاصل بين البيتين وأطل برأسه الصغير ورأى خاله في آخر الفناء ، التفت خاله إليه وأبتسم وقال له :
- يا الله تعال ، المباراة بتبدأ بعد شوي .
لم يكن يرى وجه خاله بوضوح ، كان يحس فقط أن خاله كان يبتسم وهو يتكلم .
وبكل براءة الأطفال رمى مشاكله خلف ظهره وانطلق مسرعا خلف خاله .
كانت علاقتهما موطنا للتندر بين أفراد العائلة ، فخاله الشاب لم يكن يتجاوب كثيرا مع الأطفال ولكنه كان يعطي استثناء لهذا الصغير من بين كل أطفال إخوانه وأخواته حتى الصغير لم يكن يعرف السبب .
دخل إلى غرفة خاله التي بالأعلى ، كان خاله يتحدث بالهاتف ، نظر خاله إليه وهو يبتسم ولكن سرعان ما زالت الإبتسامه من وجهه وقال منهيا محادثته الهاتفية :
- اوكي ، دقايق و أكلمك .
التفت إلى الصغير بوجه مستاء و أشار بيده إلى موضع الكدمة التي على وجهه .
طأطىء الصغير برأسه إلى الأرض وقال :
- اليوم لعبت كوره في الشارع وطحت .
ثم نظر بتوسل إلى خاله وقال :
- تكفى قل لأمي ما تزعل علي ، أنا مستعد أقعد شهر ما أطلع من البيت بس هي ما تزعل علي .
لم يكن خاله يحب التدخل في الأمور العائلية ولكن عندما وقعت عيناه على الصغير لم يستطع السماح لنفسه بأن يجعلهم يعاقبونه .
قال للصغير وهو متضايق :
- طيب أنا ممكن أسوي لك هاالخدمه ، بس مهوب بلاش .
ذهل الصغير من كلام خاله وقال :
- يعني بكم ؟
فأجاب خاله :
- يا أنك تعطيني مليون ريال الحين أو أنك توعدني أنك ما تلعب في الشارع مره ثانيه .
رد الصغير وهو فرح بأن أزمته قد تفرج وقال :
- أوعدك .
خاله :
- و إذا أخلفت بوعدك .
الصغير يرفع يده إلى السماء ضاحكا ويقول :
- إذا أخلفت بالوعد ، علقني بالنجفه .
و أخذا في الضحك .
لم يكن الصغير يهتم كثيرا بالمباريات الرياضية ، كان يراقب إنفعالات خاله مع المباراة أكثر من مراقبة المباراة نفسها ، على الرغم من أن خاله كان يدعوه كثيرا لمشاهدة المباريات ، وعلى الرغم من أن خاله كان يختلق لوالديه القصص الواهية حتى يستطيع اصطحابه إلى مشاهدة المباريات في الملعب ، إلا أن معلوماته الرياضية انحصرت في أمرين هم أن خاله يشجع فريقا ازرق يدعى الهلال ، وأن خاله أقسم أنه سيرميه من فوق سطح البيت إذا علم أنه يميل إلى فريق آخر .
كان الفريق الأزرق متأخرا بهدف ، وفي خضم أحداث المباراة أنفرد لاعبين من الفريق الأزرق بمرمى الخصم ، أخذ خاله في الصراخ :
- ناول سامي ، ناول سامي .
إلا أن اللاعب الآخر فضل التسديد وضاعت الكره .
أخذ خاله يضرب قبضة يده اليمنى بكف يده اليسرى من الغضب .
وبعد أن انتهت المباراة أغلق خاله التلفزيون متأففا وبحركة آلية شغل المسجل الذي أخذ يصدح بموسيقى غربية ، غريبة ولكنها هادئة .
ارتسمت تعابير الإمتعاض على وجه الصغير ، تذكر كلام أمه المطول عن أن الموسيقى حرام و أنه لا يجب الإستماع إليها ، ولكن بعد فتره بسيطة أغلق خاله المسجل ، إستغرب الصغير من هذا الفعل ، إنه لم يقل شيئا لخاله ، حتى عندما نظر خاله إليه لم يتكلم .
إستلقى خاله على الأريكة والتفت للصغير وقال له :
- أيوه ، وش عندك سواليف يا المطوع .
ضحك الصغير من اللقب الذي أطلقه عليه خاله ، و أنطلق بالحديث ، أخذ يتحدث في كل شيء عن مشاجراته مع أخيه الكبير التي لا تنتهي ، وعن نسيانه للنشيد الذي يحفظه عندما خرج لينشده في الإذاعة المدرسية ، وعن أمنيته الأزلية في أن يكون عريف الفصل ، لم يكن خاله يقاطعه لقد ظل يسمعه بهدوء ربما كان هذا أكثر شيء يحبه في خاله ، حتى عندما تحدث عن نظام يومه الرتيب لم يقاطعه خاله أو يطلب منه التوقف ، و لو لم يكن متعودا على هذه الميزة في خاله لظن أنه نام .
و فجأة قاطعه خاله وقال :
- عد ، وش قلت قبل شوي .
أجاب الصغير :
- قلت ، إنشاء الله بعد أسبوعين بأنتهي من حفظ جزء تبارك مع الحلقة اللي في المسجد .
أطلق خاله ضحكة عالية .
و دونما سبب دار نقاش غريب بينهما .
كان خاله غير مصدق لما يقول .
وتابع خاله الحديث بقوله انه رغم محاولاته الجادة لحفظ القرآن – على حد زعمه – لم يستطع أن يحفظ إلا بعض قصار السور ، فكيف بك أنت يا ذا السبع سنوات .
وبكل هدوء أخرج الصبي مصحفه الصغير من جيبه ومده إلى خاله مطالبا إياه باختباره فيما يقول .
أصابت خاله نوبة من الذهول ، كان ذهوله من أن الصغير كان يحمل مصحفا في جيبه ، أكثر من ذهوله في تصديق ما يحفظه الصغير من قران .
وبابتسامة فخورة على وجهه قال :
- خلاص ، خلاص ، صدقت .
واستطرد قائلا :
- شف يا أبو محمد ، إذا كملت حفظك للجزأين ، عندي لك جائزه .
وما أن سمع الصغير بذكر جائزة حتى إنشدت حواسه كلها للحديث وقال :
- وش الجائزة .
خاله :
- أي شيء تبيه .
شطح الصغير بآماله عليا وقال لخاله :
- حتى لو أقولك تعطيني دوره بالسيارة في الحارة ، بتوافق .
أجابه خاله :
- يا شيخ حتى لو تبي دوره بالسيارة في التخصصي .
و عادا للضحك .
وبعد لحظات سمعا صوت أخو الصغير يناديه من الفناء ، فز الصغير للإجابة ، و أراد توديع خاله .
حاول أن يقترب من رأسه ليقبله ، ولكن خاله التقطه من ثيابه و رفعه عن الأرض وهو يقول :
- كم مره قلت لك بطل عاداتك البايخه هذي .
أجاب الصغير وهو يبتسم :
- كل خوالي وعماني لازم احب روسهم .
نرفزة هذه الإجابة خاله فأخذ يهز الصغير في الهواء والصغير غارق في الضحك ويصرخ :
- توبه ، توبه .
وبعد أن وضعه خاله على الأرض قال الصغير :
- طيب وش اسوي .
رد خاله :
- جر شعري ولا شتني مع رجلي ولا حتى عطني بقس بس لا تحب راسي .
أخذ الصغير بأخف الأمور وشد شعر خاله بلطف وهو يودعه .
وبأقصى سرعته انطلق ليلحق بأخيه الأكبر في الفناء وما أن رآه حتى بادره أخوه بالسؤال :
- وراك تأخرت .
أجاب الصغير :
- كنت قاعد اشوف المباراة مع خالي .
الأخ الأكبر :
- من فاز .
الصغير بنبرة حزن .
- إنهزم الهلال .
أخذ الصغير يضرب بقبضة يده اليمنى كف يده اليسرى و استطرد بلهجة الواثق من كلامه :
- كان المفروض يناول سامي .
بعد صلاة العصر خرج مسرعا من المسجد و لم ينخرط في الحلقة مع أصدقائه كعادته
بسبب الحادثة المشؤومة ، وبقي على هذه الحال أياما يحفظ القران في البيت لوحده ، لم يكن يريد أن يخسر الرهان الذي بينه وبين خاله ، ولكن بالمقابل كان يريد أن يسًمع ما حفظه على مدرس الحلقة ، أخذ يتسكع قرب المسجد منتظرا انتهاء أصدقائه من الحلقة ومن ثم سيدخل بعدهم على مدرس الحلقة ليتلوا ما حفظه ، بدت له هذه انسب طريقة .
جلس بمكان غير بعيد عن باب المسجد منتظرا ، ياله من رهان غريب هذا الذي بينه وبين خاله لم يستسغ أن خاله يمكن أن يشجعه على حفظ القران لدرجة انه يمكن أن يعطيه الجائزة التي يريدها ، لو كان الرهان أن يلعب لفريق فصله مثلا لربما استساغ الموضوع ، نعم لقد بدى له رهانا غريبا جدا .
وما أن خرج أصدقائه من المسجد حتى تحرك للدخول ، اقترب باحترام من مدرس الحلقة ، وبعد أن تلقى بعض التوبيخ الهادئ عن غيابه مؤخرا بدأ تلاوة ما حفظه ، بدت علامات الراحة تظهر على وجه الشيخ ، فعلى الرغم من أن الصغير لم يحضر للحلقة منذ فتره إلا انه قارب على الانتهاء من نهاية حفظ الجزء المقرر عليه وبأداء جيد .
لكن فجأة توقف الصغير عن التلاوة .
ظن الشيخ أن الصغير قد نسي الكلمة فذكره بها ، نظر الصغير إلى الأرض ، فقرأ الشيخ المقطع عليه كاملا ، ولكن دونما استجابة من الصغير ، وبدون مقدمات رفع الصغير رأسه ووجه سؤالا للشيخ :
- يا شيخ ، اللي ما يصلي في المسجد وش يسوي به ربي .
تفاجأ الشيخ من سؤال الصغير أيما تفاجُأ ، و لوهلة ظن أن الصغير يريد التهاون بالصلاة في المسجد ، فقال :
- يا ولدي ، اللي ما يصلي في المسجد يعاقبه ربي ، ويمكن يروح النار .
نزلت هذه الإجابة نزول الصاعقة على الصغير ، أراد أن يترجى الشيخ حتى يقول كلاما غير هذا ، لكنه لم يستطع ، كما انه لم يستطع منع عينيه من ذرف الدموع .
رق قلب الشيخ عندما رأى دموع الطفل فأستطرد قائلا :
- يا ولدي ، باب التوبة مفتوح ، و الواحد إذا تاب توبة صادقه إنشاء الله ربي بيقبل توبته .
رفع الصغير رأسه بلهفة وكأنه يرى منفذا للنجاة ولم يكبح جماح نفسه وهو يسأل :
- حتى لو كان داشر .
ضحك الشيخ ضحكة هادئة وقال :
- حتى لو كان داشر .
اسند الصغير رأسه على باب غرفة خاله ممسكا بيده مصحفه متمتما بالقران ، لا يذكر كم مره راجع فيها ما حفظه ، كان هذا هو اليوم الذي سيتم اختباره في الحلقة فيما حفظ ، لقد أراد أن يكون مستعدا ، لكن ذهنه كان مشغولا بالجائزة التي يريدها ، كان موعد الاختبار قبل صلاة العشاء و أمام المصلين ، ولم يبق على الموعد إلا بضع ساعات ، كم يتلهف الآن لرؤية خاله .
وما هي إلا لحظات حتى اقبل خاله ، وما أن رآه خاله حتى فهم كل شيء وابتسم ثم قال له :
- بشرني .
فما كان من الصغير إلا أن ضحك وهو يهز يده بعلامة الانتصار ، لقد كسب الرهان ، لقد جاء وقت الجائزة .
و بفرح عارم قال خاله :
- يا بطل ، آمر ، تدلل ، وش تبي جائزه .
لكن الغريب في الموضوع أن الصغير سكت ، لقد ظن خاله أن الصغير قد حسم أمر الجائزة منذ فتره ، لكن الصغير واصل الصمت ، فكر خاله بأن يأخذ الصغير لمحل الألعاب ليأخذ ما يريد وقبل أن يطرح اقتراحه تكلم الصغير :
- الجائزه .
سكت برهة ثم عاود الحديث بصوت منخفض :
- اليوم قبل صلاة العشاء بيختبروني في الجزء اللي حفظته ، و أبيك تجي المسجد عشان تشوفني .
ماذا أصاب خاله بعد أن سمع كلام الصغير ، هل هي رعشة أم صدمة أم ذهول ، كل ما رآه الصغير هو أن خاله كان واقفا فجلس ، أراد أن يتحدث فتلعثم .
لكن في النهاية نطق خاله :
- ريان .
صمت طويلا ثم استطرد :
- ريان ، أنا ما اقدر اجي المسجد ، فيه ناس هناك ما شفتهم من زمان ، ولو رحت ……
ما أن سمع الصغير عبارة " ما أقدر أجي المسجد " حتى أصاب أذنيه ما يشبه الصمم ، لم يكن يريد الاستماع لتبريرات خاله ، لقد سمع الجواب النهائي وكفى .
أشاح الصغير بوجهه وولى خارجا بهدوء ، و لأول مرة لم يودع خاله أو على الأقل لم يحاول توديعه .
أتخذ مكانه المعتاد في الصف الأول من المسجد منتظرا دوره في الاختبار .
كان المسجد مليئا بالمصلين ، وكانت عبارات الإعجاب مثل " الله أكبر " و " بارك الله فيك " و " وفقك الله " تطلق من المصلين على الأطفال الذين كانوا يرتلون القران بصورة عذبة ، وما أن جاء دوره حتى وقف أمام المصلين غير خائف وانطلق بقراءة القران بكل ما أوتى من قوة صوت ، لقد بدأ في قراءة القران حتى قبل أن يأذن له الشيخ بالبدء .
لم يعلم أحد لماذا يقرأ الصغير القران بكل ما أوتى من قوة ، أما هو فقد كان يريد أن يزيد من قوة صوته حتى لا يسمع أصوات أخرى تتعالى في داخله .
وما أن انتهى حتى شد حدث غريب انتباهه ، لا بل إن هذا الحدث شد انتباه جميع المصلين في المسجد .
فمن آخر صف بالمسجد أخذ شخص بالتصفيق بحده ، لم يكن التصفيق هو الطريقة المثلى أو المألوفة لإبداء الإعجاب بالمسجد ، الكل يعرف هذا حتى الصغير نفسه .
التفت الصغير إلى مصدر التصفيق كحال باقي الموجدين ، لقد كان خاله هو ذلك الشخص .
كم كان يحترق لرؤية التعابير على وجه خاله ، لأنه لم يكن يرى وجهه بوضوح لكنه في أعماقه كان متأكدا من أن خاله كان يبتسم .
انطلق صوت المؤذن معلنا إقامة الصلاة ، وعلى غير العادة لم يأخذ الصغير مكانه المفضل في الصف الأول ، بل رجع إلى الصف الأخير حيث خاله .
في هذه اللحظة بالذات كان يود تقبيل رأس خاله ، ولكنه كان يعلم أن هذا الأمر كان مرفوضا ، كم انه لا يستطيع الوصول لشعر خاله كي يشده ، فما كان منه إلا أن ركل قدم خاله بلطف وهو يبتسم .
ما أن كبر خاله تكبيرة الإحرام مع المصلين حتى أخذ الصغير ينظر إلى وجهه بتمعن ، انه لا يعرف شكل التوبة الصادقة لقد سمع بها فقط حاول أن يتخيلها فعجز ، ألقى نظرة أخيرة على وجه خاله ، لاحت في باله إجابة ، هز رأسه موافقا ثم كبر .