هنا.. على الشاطئ وقفت بجوار النخلة الهرمة واستمعت الى ثرثرة الامواج العذبة تغير هذا المكان كثيرا عن السابق لم يكن فيه فندق فخم ولا بيوت كثيرة ، وزائروه كان عددهم قليلا ومع ذلك لا يزال هذا المكان محتفظا بجماله وبذكريات طفولتك العابثة والمرحة لا أحد يأتي إلى هنا في فترة الظهيرة فالحر شديد ، وعلى الرغم من ظروف الطقس القاسية فقد اتخذت هذا المكان كملجأ تنعزل فيه وتنفرد بنفسك . جلست بهدوء تستعرض ما مضى من حياتك ، وتتفحص ما بقي في وعاء الذاكرة واستولى عليك شرود غريب كأنك اعتزمت الصمت مدى الحياة .
كنت في الماضي تتخيل أشياء لا وجود لها وتحس بالخوف منها بمجرد تخيلها أو التفكير فيها .. سيأتي ابن ملك البحر ويلف جسدي الصغير بذيله الذي يشبه ذيل السمكة وسيأخذني معه إلى الاعماق المجهولة الى غير رجعة ولماذا سيأخذني أنا بالذات ؟ هل كانت جدتي الكبرى ابنة من بنات البحر الجميلات بيضاء ، وحمراء الخدين ، وسوداء الشعر حسنة الصورة ... عثر عليها جدي الاكبر في يوما من الايام وأقترن بها وانجبت له الاولاد وهربت منه استجابة لنداء الذكريات الخفي وعادت إلى البحر ؟! نفس ذلك النداء الخفي يأتي عبر الامواج وابتسامة أمير البحر حفيد جدتي .
كم هو مخيف هذا النداء لن استجيب له ولن ارحل معه فهنا وطني بحثت عن ذلك الطفل الذي وقف لاول مرة أمام الامواج كان الطفل خائفا ... صرخ بقوة ... ركض نحو أحضان والده .. ونظر الى البحر فرأى تلك الكائنات الغريبة القادمة منه تريد ان تخطفه فدفن رأسه في صدر والده الحنون وضحك الوالد بقوة .
مضى ذلك العهد ولست ذلك الطفل الصغير الذى صدق حكايات الجد وقام بتضخيم ما سمعه ، وسبح عقله في بحر الخيال فأصبح هدفا للاساطير والخرافات وأدخل الغث في السمين والممكن في الممتنع .
كبرت وخرجت إلى عالم الواقع والمعقول ولكنك لا تريد ان تفقد تلك الاشياء الجميلة التي صنعها الخيال ، لا تريد الضياع وسط سلسلة من الحقائق الكئيبة والمعارف الجافة لا تريد للحلم ان يتبخر كقطرة ماء في الصحراء





تعليق