قرأ البعض منكم الجزء الاول من حكايتي
حسنا لنكمل إذن الجزء الثاني والاخير ..
أين توقفنا
..
توقفنا عندما امرني أبي أن أقوم بمهمة مرافقة الحسناء التائهة إلى بيت عم عبد الهادي المنفلوطي ..
اعتقد إننا توقفنا في المرة الأخيرة عند نظرات زوجتي والتي بدت كما رأيتم وكأنها تبحث عن ما يعتمل في أوردتي .. محصية عدد النبضات ومنها واليها..
ومن بين أربعين عين شاخصة نحوي .. تتفحص أدق انفعالاتي ..
انطلقت معها – مع الحسناء طبعاً لا مع زوجتي - لا الوي على شئ سوى الفرار إلى الجحيم لعل الحر هناك يكون اخف وطأة مما اشعر به طوال وجود هذه الفتاه الجهنمية بجواري..
وانطلقنا أنا والحسناء بنفس اللاندكروفر المخيفة باتجاه بيت عم عبد الهادي تاركين الرؤوس خلفنا تتخبط في تساؤلاتها..
جلست بجوارها حاملاً بين جوارحي نفس إحساس البعير وهو في طريقه إلى مسلخ المدينة..
هل تعرفون ما يحدث لأوراق الشجر خريفا ..
هل رأيتم من قبل كيف تتراقص هذه الأوراق الذابلة أثناء رحلتها لعناق الأرض ..
رأيت الأمر نفسه .. عندما سقطت قدمي الحسناء على دواسة البنزين لتنطلق بنا مركبتها الفضائية .. في رحلتنا المكوكية لبيت المنفلوطي!
شاعراً بان كل حقول البرسيم من حولي ما هي إلا نجوم في سماء صافية!!
قالت محطمة أحلام الأبرياء : يمين ولا شمال ..
قلت لها باقتدار : إيه .. بتقولي إيه ..
خرجت الكلمات مني بنفس بلاهة عم بيومي القهوجي عندما تطلب منه الشاي فيأتيك بالزنجبيل.. عندما لا يكون رائق البال !
أعادت الحسناء قولها : قصدي الطريق يعني .. أروح يمين ولا شمال..
وكمن يفيق من إغماءه دامت ست سنوات متصلة قلت لها : اتجهي يميناً ..
سألتني ابسط سؤال في الدنيا : اسمك إيه ؟
وبعد محاولات مستميته مني لجمع أفكاري المبعثرة .. قلت لها : محمد
هي : اسمك حلو يا محمد !!
دعوني أسالكم يا أصدقائي قبل أن أكمل معكم ..
هل حدث من قبل لأحدكم وكأنه يسمع اسمه لأول مرة ..
هذا ما حدث لي بعدما نطقت الحسناء اسمي ..
لقد سمعت اسمي منها وكأني اعرفه للمرة الأولى في حياتي .. بل أدركت بصعوبه مدى الجمالية التاريخية في كل حرف من حروفه ..
لقد تحولت حقول البرسيم من حولنا الآن لشهب ونيازك تحاول الاصطدام بنا ..
هل ترون هذا الكوكب البعيد .. كوكب السرايا .. انه مسكني الجديد!!
هل استغرقت رحلتنا إلى بيت عم عبد الهادي كل هذا الوقت .. اهي بالفعل ست دقائق فقط مسافه الطريق إلى هناك ..
ودون أن أدرك وجدتني شهريار الصامت في محراب شهرزاد الفاتنه ..
مستسلماً لرغبه حيرى تتأمل كل خلجه من خلجاتها ..
في الوقت الذي كانت فيه هي تبحث بعينيها الآسرتين عن منزل المنفلوطي..
ووصلنا لبيت عم عبد الهادي ..
وبضعف وعذوبة وامتنان مئة نورس قررت ألا تهاجر هذا الشتاء .. قالت شكراً يا محمد
وبعبط وتخلف مائة مجنون قلت لها : أنا مين ..
هل مرت بك من قبل لحظة شارده وجدت نفسك فيها وحيداً في اللازمان واللامكان ..
هذا ما حدث لي !!
طبعاً شكرني عم عبد الهادي بود ومحبة وامتنان .. وقال لي شكراً يا محمد
لكنني مع ذلك سمعتها منه .. وكانني اسمع مـئة من الإبل تصرخ في وجهي شاكرة..
لقد قام عبد الهادي المنفلوطي – عمها – بسبب شكره لي باختطافي من اللازمان واللامكان الذي طاب لي كثيراً البقاء فيهما وحيداً !!
عادت الحسناء تطلب مني الجلوس قليلاً لاتناول قدحاً من الشاي .. قالتها بسرياليه لوحة نادرة ..
وكأن فان جوخ كان يخلق لوحاته بصوته وليس بريشته !!
طلبت مني الجلوس بجمالية سيمفونيه لبيتهوفن لم يعزفها بعد ..
قالت هي : اقعد شويه .. أنا تعبتك معايه
كانت تحدثني بينما كنت غارقاً في بحور غاضبه تصفع امواجها وجهي .. ومع ذلك ابيت ألا أفيق.. !
قالت : اتفضل كوبايه شاي ..
وكأي أحمق واثق من إمكانياته قلت لها : شكراً .. فما زال أمامي الكثير من العمل!!
قالها محمد – أنا طبعاً – واثقاً إنني سأندم لعشرين سنه مقبله لأنني لم أتناول كوب الشاي منها !!
وعدت أدراجي .. محاولاً المقارنة بين نفس حقول البرسيم التي مررت بها لإيجاد أي علاقة لها بكوكب السرايا الذي زرته منذ قليل !!
وكضفدع مائي لم يجيد السباحة في بركه ملوثه.. سرت محاولاً تذكر أين يقع منزلي..
واخيراً وصلت للبيت .. لأجد جموعاً غفيرة تقف في انتظاري ..
إن نساء قريتي ورجالها .. وكل أبناء القرى المجاورة قد جاءوا هنا .. لكن لماذا؟!
طبعاً ليهنئوني على هذا النصر العظيم ..
وكاستقبال جحافل المسلمين لصلاح الدين عندما افتتح الأقصى .. قابلني الجموع مهنئين بعودتي سالماً من أم المعارك !!
ها أنتم ترون النسوة يملأهم الفخر بان احد رجال القرية – أنا طبعاً – قد عاد غير آبهاً لكل مظاهر الترف والأنوثة الفادحة!!
ترون ايضاً رجال القرية ينظرون لي بحسد حقيقي ..
متسائلين في دهاليز نفوسهم السرية عن سر رحلة الست دقائق التاريخية من أرضنا لبيت عبد الهادي..
طبعاً أبناء قريتي وشبابها .. تجمعوا حولي ليتأكدوا إنني لم اصب بأي نوع من العته أو الاحولال العاطفي..
سألني الجميع سؤالاً واحداً : ها .. قول لنا يا محمد .. إيه اللي حصل ..
قلت لهم بنفس إحساس الذئب البرئ من دم ابن يعقوب : سألتني هي عن اسمي ..
عادوا يسالون وقد بدأ الشدق يخرج من بين أفواههم .. ها : وأنت قلت لها إيه .. أتكلم .. اعترف أحسن لك..
قلت لهم : قلت للحسناء اسمي محمد
وبحماس التتار الغازي لجيوش الشمال قالوا بقلب رجل واحد : ها وبعدين.
قبل أن أجيبهم رأيت زوجتي تقف بعيداً عن الجموع في ركن قصي .. تبتسم لي بثقة ومودة وحب .. وكأن الكون كله خُلق ليبقى في عينيها هادئاً!!
قلت لأصدقائي بعد عودة قلبي لها : لم يحدث شئ .. لكني سمعت اسمي لأول مرة !!!
وانطلقت نحو زوجتي .. احمل في طيات نفسي لها امتناناً شاكراً ..
وتعانقت يدانا ..
قالت : أما زلت لي؟
أجابت عيني : ولن أكون لغيرك






تعليق