
د سعاد المانع
السبب في اختيار زاوية البحث في هذا الشعر ،لتكون عن "صورة المرأة في شعر المرأة"، هو أن هذه الفكرة تلح علي قبل زمن طويل كلما قرأت شعرا قديما أو حديثا تظهر فيه صورة المرأة من خلال تخيل شاعر . كنت أود لو عرفت كيف يمكن للنساء إذا كن شاعرات أن يتحدثن عن المرأة.؟ كيف تظهر صورة المرأة من خلال تخيل شاعرة ؟. أود هنا أن أؤكد أن ما يظهر في الشعر هو صورة تخيلية لامرأة ، وليست بالضرورة هي صورة الشاعرة نفسها ، سواء استعملت ضمير المتكلم أم استعملت ضميرا غيره، وسواء انطبق بعض ما جاء في هذه الصورة على صفات الشاعرة نفسها ،أو على حياتها الخاصة، أم لم ينطبق .
هذه الطريقة تنطبق على الشعر عموما وليس على شعر المرأة وحدها. فامرؤ القيس في قصيدته المشهورة:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
لم يكن بالضرورة يتحدث عن نفسه وما قام به فعلا . ولكن الذي لا شك فيه هو أنه يقدم لنا في هذه القصيدة (من خلال ضمير المتكلم )صورة لشاب من علية القوم عاشق حزين يحيط به أصحابه متعاطفين معه ،وهو يألف الفروسية والصيد والاستمتاع بالطبيعة ،كما كان يألف الترف والمغامرة والبحث عن اللهو والعبث الجريء مع الفتيات .هذه هي صورة الرجل المتحدث في هذه القصيدة، سواء أكانت تنطبق على شخصية امرئ القيس الحقيقية كماكان يرى شراح القصيدة، أم كانت لا تنطبق .
تظهر صورة المرأة عند امرىء القيس إجمالا من خلال صور شابات جميلات هن، فاطمة و أم الحويرث و الرباب، وعنيزة، والعذارى "بدارة جلجل" اللاتي عقر لهن مطيته . نراهن عبر القصيدة ينتمين إلى أوقات وأماكن مختلفة ،ونسمع حديث بعضهن ، ونعرف تصرف بعضهن ، وتبدو صورهن جميعا مرحات منجذبات إلى اللهو والبهجة ، لكن بعضهن يملن كل الميل مع المغامرات فينسقن معها إلى أقصاها ،وبعضهن يملن بعض الميل فيظهر عندهن ضبط الأمور، أو التحسب للعواقب. هذه هي صورة المرأة كما تظهر مثلا في معلقة امرئ القيس . وهي تقدم نموذجا من صورة المرأة في مجال شعر الرجل في شعرنا القديم. ومع أن هذا النموذج تظهر فيه المرأة قريبة تتكلم ،وتتصرف، وليست بعيدة صامتة كما هو الحال في صورة المرأة في معلقة زهير بن أبي سلمى مثلا حيث تظهر النساء في منظر خارجي بعيد هو مثار إعجاب الناظر المتأمل الباحث عن الجمال والأناقة.
- 7تبصر خليلي ، هل ترى من ظعائن
تحملن بالعلياء من فوق جرثم
- 8عَلَوءنَ بأنماط عتاق وكلة
وراد حواشيها مشاكهة الدمِ
9وفيهن ملهى للطيف ومنظرٌ
أنيق لعين الناظر المتوسم
10- بكرن بكورا ، واستحرن بسحرة
فهن ووادي الرس كاليد في الفم
فهؤلاء النساء يظهرن صامتات لا نسمع أصواتهن ولا ندري شيئا عن أفكارهن أو مشاعرهن . تظل معظم النماذج لصور المرأة عند الشعراء القدماء - في حدود علمي - تعنى بالخارج ولا نجد فيها ما يشير إلى الداخل، لا نجد رؤية هؤلاء النساء للحياة، ولا ندري شيئا عن أحلامهن ،ولا نحس بمشاعرهن أوما يصطرع في داخلهن من أفكار وتطلعات ؟
مانتطلع إليه في دراسة (المرأة في شعر المرأة)، هو أن ننظر كيف تظهر صورة المرأة في هذا الشعر. وصورة المرأة نعرض لنماذج لها في هذه المجموعات الشعرية أينما وجدت.فليس المهم في هذه الدراسة تتبع المضمون الذي تظهر فيه الصورة،ولكن المهم هو تتبع السمات التي تشكل الصورة. فسواء أكانت صورة المرأة تتصل بالأمومة ،أو علاقة المرأة بالرجل ، أو علاقتها بالمجتمع ، أو علاقتها بالكون ، يعنينا تأمل هذه الصورة .
صوت المرأة في القصيدة :
تظهر المرأة في عدد من القصائد عند الشاعرات تعبر بصوتها عن تجربة الحياة بصورتها العامة .وما أقصده بهذا هو مواجهة المرأة للحياة من زوايا مختلفة تتصل بشتى جوانبها ، وليس مجرد العلاقة بالرجل. سيكون النظر في صورة المرأة في هاته النواحي من خلال زوايا الرؤية الشعرية.وسأنتخب من المجموعات الشعرية نماذج من القصائد التي تظهر فيها صورة المرأة ، وسأنظر في مجموعة كل شاعرة على حدة . والهدف الأساسي من تتبع ما تشترك فيه الشاعرات من مجموع صور المرأة ، هو أن نرى (في هذا العمل حين يكتمل ) إن كانت ثمة رؤية شعرية عامة مشتركة للشاعرات العربيات حول تصور المرأة للمرأة .
مانتطلع إليه في دراسة (المرأة في شعر المرأة)، هو أن ننظر كيف تظهر صورة المرأة في هذا الشعر. وصورة المرأة سنعرض لنماذج لها في هذه المجموعات الشعرية أينما وجدت ،سواء أكانت تتصل بمواجهة المرأة الحياة في شتى مناحيها التي تواجه البشر جميعا بقدر ما تختلف الطموحات ويختلف تقدير الذات ، أم كانت تتصل بتجربة الحب ، أو تجربة الرغبة المشبوبة ، أم الصراع مع الرغبات المختلفة أو الصراع مع الزمن.
1الشاعرة صالحة غابش :
يظهر عند صالحة غابش في ديوانها (بمن يا بثين تلوذين ؟!) توجه نحو نساء من التاريخ العربي. قد يتبادر إلى ذهن القارىء أو القارئة أن بثينة في عنوان الكتاب تشير إلى محبوبة الشاعر جميل، لكن الشاعرة جعلت مقدمة الديوان القصيرة توضح أن بثينة المقصودة هنا هي بثينة أخرى، هي بنت المعتمد بن عباد التي تذكر بعض المصادر أنها شاعرة. والذين يألفون كتب التاريخ العربي حول الأندلس يتذكرون غالبا قصة تدور حول ابنة المعتمد بن عباد بعد أسر والدها ،لكن لا أتوقع أن كثيرين منهم يتذكرون أن اسمها بثينة.وقد أوردت الشاعرة منذ البدء موجزا من قصة بثينة وجانبا من قصيدتها(ص 7- 9) ،كما جعلت للديوان مقدمة قصيرة تتضمن أنها وجدت في بثينة هذه شيئا يشابه الشاعرة في الموقف والمعتقد(ص5). وتحمل أربع من القصائد مقتبسات من قصيدة بثينة في عناوينها. وإذ يحتل اسم بثينة المرتبطة بمأساة المعتمد بن عباد، وبتاريخ العرب في الأندلس عنوان المجموعة ،ترتبط القصائد بألم المرأة العربية بوجه خاص ، وبآلام التاريخ العربي بوجه عام إما بصورة صريحة كما يظهر في قصيدة "داخلون"،أو بصورة تتضمن إسقاط الماضي على الحاضرمثل " خيوط المغازل".1
هنا أقف عند قصيدة قصيرة عنوانها " مسك الرميكية"،أقف عندها لكونها قصيرة تستحضر التاريخ وتومىء إلى قصة بثينة في الأسر :
" أللآن رهن محاولة الحلم أنت..
وأغنية تتأجل
حتى تفيق اليمامات في صوت هذا المدى؟
أللآن يكسرك الانتظار؟
تقاسمك الحزن في رحلة العابرين رغيفا
وحيدا
يحاور رائحة الطرقات ..
ولم ينكسر قلم يتقاسمه الدفء
لحظة جاء فتاك
ليكتب وردته في يديك.
وأهداك مسك رميكية
قدماها طين المنافي
وأشعل في الأبجديةِ موقدهُ
فاختتمت القصائد باسمه
إهداء روح إليه.
(بمن يابثين ص 53-54)
يبدو الاستفهام التقريري التعجبي الذي تكرر مرتين في مطلع القصيدة "أللآن ... ؟" يمثل مركزا للقصيدة، ثمة محاولة للحلم ، أما الحلم نفسه فلم يحدث؛ وثمة " أغنية تتأجل" أما الأغنية نفسها فلم تحدث؛ وثمة انتظار طويل مُرّ ،أما الأمر المنتظر فلم يحدث! وتحتضن القصيدة إيماءات لما ورد من مرويات عن المعتمد بن عباد وشعره ومأساته ،وعن الرميكية الأديبة زوجته وقصة يوم الطين ،وعن ابنتهما " قلم يتقاسمه الدفء" " مسك رميكية " " قدماها طين المنافي""أشعل في الأبجدية موقده".
كما تحتضن جانبا من المجازات المتصلة باللغة والأدب (أغنية، قلم ، يكتب ، الأبجدية ، القصائد)، هذه المجازات وثيقة الصلة بالسياق الذي جاءت فيه .
1يحمل الديوان سمة الحزن ، وتحمل القصائد التي يظهر فيها اسم بثينة(سواء قصد بها بثينة التاريخية أم غيرها ) سمة امرأة يطوقها الحزن ،تبحث عن "ملاذ لها".في قصيدة " لا تنكروا أني سبيت .." تظهر بثينة لا تمتلك غير الصبر والدمع ، ولكنها تدرك أيضا أن انتظاراتها ساذجة :
" هنا كنت أدفن دمعة صبري
أمزق أوراق كل الوعود
التي سخرت من وفائي
وظلت تراقبني أتجمد شيئا فشيئا
بثلج انتظاراتي الساذجة." (ص14)،
1يتمثل الملاذ في صورة رجل بطل ،ويظهر المعتمد في القصيدة السابقة بطلا لكنه مهزوم (15)، و يظهر في قصيدة أخرى "فعساك ياأبتي" ، في نهايتها تكسوه خيبة الهزيمة لا يملك لبثينة شيئا ."(ص20)،1، قد تكون "بثينة" اسما يحمل دلالة على امرأة ، وقد تكون رمزا للأمة . لكن في كلا الحالين تظهر بثينة ليس لها غير حسن الظن وانتظار فتى يحقق الحلم:
" مدينة ظنكِ واقفة
تتأهب منذ سنين لضوء فتى
ليس يؤلمك
يعبر الحلم نحوك سيدة أنت أولى
على عرش دولته
تخرجين إلى ضوئه تصعدين المنصة شاعرة حرة
تطلقين اسمه بين أفق وماء
فتلتقط البجعات حديثك عنه غناء
تماهى بأبيض رقصتها الهادئة" " (ص65،)
1في ديوان آخر هو(المرايا ليست هي ) يلفت النظر عند صالحة غابش ،هيمنة زاوية الزمن واتجاه نحو القص في عدد من القصائد التي تحمل سمات المرأة. يظهر ذلك في قصيدة " انكسار مهرة" ( 37- 41)،حيث تبدو المرأة فارسة تمتطي المهرة عبر الفصول، تقارب الغمام والشفق . ولكن سائس الخيول هو الذي خولها هذا .قال لها " الآن ..أنت فارسة" ، وصاغ لها" من قلبه لجاما" وحذرها أن تلمس "الغمامة". في نهاية القصيدة يظهر السائس مضطربا" يرمقني معاتبا ..و يبكي".1 وفي قصيدة " العباءة" (ص 61- 63) ترد الكناية عن تغير العمر ما بين الطفولة والشباب بتغير الثوب : "كان لي ثوب صغير نزق يعشق الأرجحة الوسنى عل حبل المساء"، مع تغير الزمن "كبر الثوب وطال ، بعضه أصبح سرا ، رحلت عنه تفاصيل البراءة " كلتا القصيدتين تستحقان وقفة خاصة، لكن هنا سأقف عند قصيدة أخرى من الديوان نفسه.
من القصائد التي ظهرت فيها تقنية القصة مشوبة بعامل الزمن ، قصيدة عنوانها "نمرة" (المرايا ليست هي ص 51-52) وهي تحمل إلى جانب هذا مسحة تتصل بالعامل النفسي للإنسان. تظهر في القصيدة امرأة تتحدث بضمير المتكلم عن لوحة تحمل صورة نمرة.تتحدث المرأة عن انطباعاتها نحو اللوحة في مراحل زمنية متقاربة متتالية .في بداية القصيدة تظهر "النمرة" في إطار يسوده الظلام والوحشة والغموض :
علقتها على جدار ردهة
ينسكب الظلام فيها
من ممرات تراقب المدى الموحش
في غموضه ..
لكن المرأة تلوذ بزمن قديم يظهر مختلفا إذ كان يوجد فيه الضوء، فقد كانت لها علاقة مودة بشمس أعارتها "مفتاح ضوء" "قبل أن تغيب" :
بحثت في معطفي القديم
عن مفتاح ضوء
قد أعارتنيه شمس قبل أن تغيب
فتحت بابا واحدا للمملكة"
بعد أن سلطت الضوء على اللوحة تتأمل امرأة القصيدة صورة النمرة في الحاضر مأخوذة بها ، فتصف ماتراه . تظهر العينان والشراسة ،ويظهر الصوت ينفث عواصف الغضب ،و تتراءى الأنياب يشتعل فيها الحريق ، و تتراءى الأطراف أسنة مشهرة :
"تنحدر العينان في مغارة الشراسة
تنفث صوتها عواصفا
من الأحزان والغضب
وتشعل الحريق في أنيابها
قد أشهرت أطرافها أسنة لها اشتهاء
كالسعير
أن تمزقَ الأطارَ والورق
لتثر البحيرة الحمراء في مجرة الألق.."
تتمنى "امرأة القصيدة" لو كانت هي هذه النمرة ،يبدو هنا - في الحاضر - إعجاب لا حد له بقوة النمرة وقدرتها على العنف وتحفزها له . يقابل ذلك نظرة للماضي ترى فيها المرأة نفسها قطة وديعة " تخاف عثرة الحياة"، ونضمن رفضا لذلك الضعف.
نمرة كأنها وددت أن أكونها
لا قطة بالأمس كانت
في وداعة تخاف عثرة الحياة
حين تنزلق
استعارة القطة للمرأة بالأمس يتضمن أنها لم تعد اليوم قطة ،ولكن تمني " النمرة" يبين أنها ليست اليوم "نمرة" فهي بعيدة عن صفات النمرة. وتستمر "امرأة القصيدة" تكرر سمات النمرة ملتبسة بضمير المتكلم واسم الإشارة "هكذا"، تتخيل كما لو أنها تلبست بسمات النمرة، "أحرِّق الأنياب" "أدحرج النيران في عيني" "وكل مخلب أسنه من قلبي المهزوم". ويبلغ إغراء العنف هنا غايته يغذيه الانتصار لقلبها المهزوم. لكنها بعد هذا كله لا تلبث أن تفاجىء القارئ أنها تنتزع "النمرة" من الجدار قبل أن تكونها:
"نمرة كأنها
وددت أن أكونها
أحرِّق الأنياب هكذا
أدحرج النيران في عيني هكذا
وكل مخلب أسنه من قلبي
المهزوم هكذا
وددت - وانتزعتها من الجدار
قبل أن أكونها ..."
تنتهي القصيدة بتحول اللوحة إلى حطام ، فالشراسة هنا انصبت على اللوحة، وحطام اللوحة تمثل فيه نهاية الشراسة التي كانت تغري بالتحول إليها.وقد يكون عسيرا هنا أن نحدد على وجه الدقة ماذا أرادت القصيدة أن تقول1، فنهاية القصيدة تتراكم فيها المجازات وتتراكب متجهة نحو الحزن "رماد صوتي المباغت" " ليلة تصفعني رياحها" "بأضلعي تثير غيمة تمطر ملحها الحزين أدمعي" .فهل أرادت القصيدة أن تقدم صورة تستسلم المرأة فيها للضعف راضية ؟.
أسدلت في حطامها نهاية الشراسة
وانزلقت هوية الغابة في رماد صوتي المباغت ..
بلا إطار أصبحت أو صورة
لم تعد اللوحة لوحة
على جدار ردهة دخلتها
في ليلة تصفعني رياحها بأضلعي
تثير غيمة تمطر ملحها الحزين
أدمعي . (غابش، 1993ص 51- 52) تظل نهاية القصيدة تحمل مفارقة ما بين زمن أخير خفت فيه صوت امرأة القصيدة وتحول إلى رماد، ولم تعد فيه اللوحة لوحة، وزمن سابق بدأ بلوحة "النمرة" وتمني شراستها . تظهر امرأة القصيدة تكره الضعف الذي تتضمنه الوداعة(صورة القطة) فتود التخلص منه، لكنها تعي أنها ستكره البديل أيضا أن تتحول إلى الشراسة(صورة النمرة) فترفض اللوحة. لكن الرفض للوحة لا يعني نفيا لأمنيات النفس أو نفيا لتناقضات النفس ، وإنما يعني رفض الوعي عند امرأة القصيدة أن تتجسد الأمنيات الشريرة إلى حقائق.
1




تعليق