ذكريات شاعر مع الحب الاول

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • drsaid
    عضو متميز
    • Oct 2006
    • 3308

    #1

    ذكريات شاعر مع الحب الاول

    بدر بدير يقول: نسيان الحب الأول شيء وارد ومؤكد
    بدر بدير حسن
    المرأة الأخرى في حياتي، لها صفحة أخرى وهامش آخر.. وكان من الممكن أن أتغاضى عن الهامش، لكن سببين يجعلاني لا أفعل، أولهما الصدق مع النفس، وثانيهما أنَّ هذا الهامش ذكرى طفولة وشباب، والطفولة والشباب مرحلتان عزيزتان على من يطرق أبواب العام السبعين من العمر، حتى ولو كانت هذه الذكريات غير سارة!
    لقد بدأ الإحساس العاطفي بالأنثى ربما وبشكل غير محدد في المرحلة الابتدائية ـ وقتها ـ أي في سن الحادية عشرة تقريباً، وعلى قدر ما كان شعوراً عميقاً فقد كان غامضاً، فهو مجرَّد توق غير محدد الأهداف، وكأنَّه تفاعل كيميائي بين عناصر من الطبيعة، فلم يكن الشوق إلى تكوين أسرة طبع هذه العلاقة الأولى، وإنما كان مجرَّد إعجاب بوجه جميل به عينان واسعتان، ومن الغريب أنَّ هذا الإحساس العاطفي في هذه التجربة الأولى، وكذلك في التجربة الثانية بعد ذلك في المرحلة الجامعية، ليس من الصحيح أن يسمى علاقة؛ لأنَّها كانت من طرف واحد فقط، هو ذلك الطفل الذي صار شاباً حيياً، فقد كانت التربية الريفية المتدينة سبباً في تشكيلي على نحو منطو بالنسبة للأنثى فقط، فلم أجرؤ على مفاتحة الطرف الآخر بمشاعري في المرة الأولى في مرحلة الطفولة، ولا في الثانية في بداية المرحلة الجامعية، كما أني اكتشفت أنَّ الطرف الآخر مرتبطة بأحد أقربائها في الجامعة أيضاً، والذي فاتحني سائلاً عن سر اهتمامي بصاحبته نظراً بالعين فقط، والتي لم أفاتحها في الأمر، لكن نتج عن هذه التجربة الأخيرة بعض النفثات الشعرية، وكأنَّها كانت مجرَّد وسيلة اخترعها العقل الباطن لتكون سبباً دافعاً لكتابة بعض القصائد الرومانسية والتي سجلتها في ديواني الأول "لن يجف البحر" مثل قصيدة "لستِ لي" التي جاء في مطلعها قولي:
    لا لستِ لي لا لستِ لي
    يا زهرة القرنفل
    يا ومضة في أعيني
    وعبر دربي المقفل وقصيدة "زورق الأمل" التي جاء في مطلعها قولي:
    رحماك بالطائر الظمآن في صدري
    يا رب رحماك بي رحماك بالشعر
    بكل قلبٍ حزينٍ شفّهُ ألمٌ
    بالليل بالصمت بالأحلام بالبدر
    وقصيدة "القلب المذاب" التي جاء في مطلعها:
    ذوّب القلب في دموع الحنين
    واهجر الناي واستمع للأنين
    في السكون العميق والليل يحنو
    في هدوءٍ على الفؤاد الحزين لقد كانت التجربة العاطفية في الجامعة أكثر تحديداً من التجربة الطفولية الأولى، فقد كانت هناك أمنيات وأحلام أُجهضت عندما اكتشفت أنَّ المحبوبة على صلة خطبة بقريبها، فانسحبت، لكنها كانت فترة حزينة، وحباً من طرف واحد استمر فترة قصيرة حتى تقابلت مع التجربة الأخيرة الدائمة الناجحة، فولدت قصائد جديدة كلها تعبير عن السعادة الهناء.
    وفي هذا المجال أزعم أنَّ نسيان الحب الأول شيء وارد ومؤكد، معترضاً على المثل البراق الذي صاغه صاحبه شعراً فقال:
    نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى
    ما الحب إلا للحبيب الأول
    لأنَّ هذا الزعم يتنافى مع الواقع، ومع حكمة الخالق جلَّ شأنه الذي خلق الحياة وهيأ النفوس لممارستها واستمرارها إلى ما شاء سبحانه.
    ولو أنَّ حياة الأفراد ارتبطت بالتجربة العاطفية الأولى الفاشلة بسبب انقطاع الصلة بالهجر أو الموت لأحد الطرفين، ما انتظمت الحياة على الأرض بالنسبة للبشر.
    وإذا كان الإنسان قادراً على تجاوز التجارب العاطفية الفاشلة، وما تضمنته من مشاعر السعادة أو الشقاء، فإنَّ تجربتي هذه كانت في نسيانها أسهل؛ لأني ذقت مرارتها ولم أذق حلاوتها، فقد كانت العلاقة أحادية من ناحيتي فقط.
    صحيح أنني لم أنس التجربتين المبتورتين السابقتين نسياناً كاملاً، بدليل أني أكتب عنهما الآن بعد عشرات السنين، وإنما بقيتا في الذاكرة نقطتين غير مشعتين فاقدتي التأثير وجدانياً، وما بقي منها مجرَّد خبرة حياتية انضمت إلى ملايين الخبرات التي يحتفظ بها الوعي واللاوعي ليستفيد منها الإنسان عند دراسة المواقف واتخاذ القرارات.
    أقول: إنَّ هاتين النقطتين فقدتا التأثير وجدانياً، بمعنى أنه لا يصحب تذكرهما أي نوع من أنواع الألم أو الحسرة أو المعاناة التي كان يشعر بها الإنسان وقت ممارسة التجربة، إنهما نقطتان باردتان برودة الموت، فسبحان الخالق العظيم الذي أراد للإنسان أن تستمر حياته إلى أجل يعرفه سبحانه، فجعله كائناً قابلاً للتأقلم بحسب ظروف حياته، وهو في كل حالاته يبحث عن السعادة والسلوى حتى لو فقد كل شيء عدا نبض القلب فإنه يرغب ويقدر على ممارسة الحياة بشكل آخر.
    هذا بالنسبة لكل الناس، أمَّا بالنسبة لي فلم تكن هناك صعوبة تذكر في نسيان هاتين التجربتين اللتين لم أذق حلاوتهما قط حتى تبقى هذه الحلاوة في نفسي فترة ما، اللهم إلا حلاوة الوهم!
    وعندما صادفت المرأة المثال، التقية النقية المسؤولة المثقفة، كان للسعادة طعم أشهى، وللحياة مذاق حقيقي، وللشعر آفاق أدفأ وأرق، وذلك واضح في قصائدي في هذا المجال في ديواني الأول "لن يجف البحر" والثاني "ألوان من الحب" مثل قصيدة "تعاليْ" والتي كان مطلعها:
    أترعيكأسي بالحب وهاتي
    إنني حطمت كأس الذكريات
    وتعاليْ نزرع الزهر على الدرب
    فإنَّ الشوك أدمى خطواتي
    وتعالي أقرأ الأحلام في عينيك أحلامي وأدري سر ذاتي وكنت وقت كتابة هذه القصيدة بعيداً عن هذه النقية التقية/ الخطيبة، في بلاد النوبة القديمة، حيث أعمل مدرساً في أول حياتي العملية.
    وبدأت مرحلة جديدة بعد جمع الشتيتين، مرحلة من السعادة التي لم يرق خيالي إليها من قبل، لدرجة أنني لم أكن أصدق أنني أحيا كل هذه الهناءة مع الرفيقة الطيبة، وكانت قصيدتي التي عنوانها "لا أصدق" تعبيراً عن هذا النصيب السعيد الذي كان الله قد ادخره لي إلى وقته:
    أترى أعيش حقيقة
    أم تلك أوهام الخيال
    أنا لا أصدق أن لي
    يا أعيني هذا الجمال
    هذي المحبة والحنان
    هذا الأمان من الزمان
    أنا لا أصدق
    وتمر السنون سريعة، ونحن ننهل من مواردها الصافية كؤوس السعادة الحلال، ونفسر ـ هي وأنا ـ معنى قول الله الحكيم العليم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فسَّرنا الآية الكريمة بطريقة عملية حياتية يعطي كل طرف ما عنده للآخر سعيداً بلذة العطاء.
    أجمل الأوقات ما أقضيها في بيتي مع الشريكة والأولاد، وقد ضننت بها أن تقبل وظيفة خارج البيت، وكانت مؤهلة ومرشحة لذلك، واكتفينا برزقنا الحلال الذي أحصل عليه من عملي، والذي باركه الله، فكان كافياً لحاجاتنا، فإذا خرجت صباحاً إلى عملي كانت الجملة الأخيرة بيننا قولها "لا إله إلا الله"، وردي "محمد رسول الله" ثمَّ وصيتها لي بألا أتأخر، تلك الوصية التي صارت عنواناً لقصيدة قلت في مطلعها:
    في كل صباح ترجوني "لا تتأخر"
    يا ساحرتي
    هل يملك موج في بحر يزخر أن يتأخر
    أو يتوانى يوماً عن حضن الشطآن؟
    أو يملك جفن أن يتأخر في الإطباق من العينين على الإنسان؟
    أو تملك هذي الكرة الأرضية
    أن تتأخَّر في الدوران؟
    أو يملك نسرٌ أن يمتنع عن الطيران؟
    يا شاطئ موجي
    يا إنسان العين
    ويا سر الجذب لأرضي
    يا نبض القلب العاشق
    لن أتأخر ونتعرض في حياتنا لبعض المشكلات كما يتعرَّض الناس جميعاً، فينتاب الرفيقة مرض طارئ لكنه شديد، وأشعر بالخطر الداهم الذي يهدد أغلى وأعزّ ما في حياتي، وتنتهي الأزمة بلطف الله بعد أن يملي القلب على قلمي قصيدة بعنوان "لا تذبلي"، كانت من بين كلماتها قولي:
    بدونك لا الشمس دفء
    ولا الظل فيء
    ولا باقة الورد تغمرني بالعبير
    ولا بسمة البدر في الليل تهنئة باقتراب الأمل
    ولا همسة الماء أغنية الخصب في الحقل
    تسري بغصن الزهور
    فلا تذبلي
    أنتِ شمسي ودفئي
    وزهري وفيئي
    وأحلام عمري
    وقيثار شعري
    وفي الليل نجمي
    وبدرُ البدور
    وقصيدة أخرى بعنوان (لا تسرعي) حيث كنت أخاف أن تسبقني إلى نهاية درب الحياة، جاء فيها:
    لا تسرعي قبلي الخطا نحو الجنان
    فلن تطيب قطوفها إلا معي
    يا جنَّة الدنيا وأنسي في الروح الأخرى
    وعيني فيهما ومسامعي
    ما زال في قلبي غصونٌ حولها
    يا بلبلي رفرف وغرد واسجع
    ما زال في قلبي لكي أحتضن الكون وإياك ألوف الأذرع
    وقد تحدث جفوة مؤقتة كما يحدث بين الناس جميعاً، ويكون العتاب حاراً، وبعد ساعات قليلة يتدفق نهر الحنان والهناءة كما هو واضح من أبيات القصيدة التي بدأت بالتساؤل العاتب:
    ما بيننا بالأمس هل كان الجسد؟
    أم كان بركاناً طغى ثمَّ خمدْ؟
    ألقى شواظ الرغبة الهوجاء في
    مخدعنا عمراً مديداً وهمدْ؟
    وا حسرتا فلم يعد نهر الحنان
    دافقاً في جنتينا لم يعد
    ولم نعد نخطر في شطآنه
    وفوق مائه اللعوب نبترد
    ولم تلبث اللهجة أن تلين وترق ويعود الصفاء، فأقول في نفس القصيدة:
    حبيبتي ولم أزل أقولها
    ففي لظاها شبَّ قلبي واتَّقد
    حبيبتي وعندما أقولها
    في عرض نهر حبنا ينهار سدْ
    وتجرف الأمواه في طريقها
    كل الذي بالأمس قد كان ركدْ
    إلى آخر بيت بالقصيدة:
    فلم يكن ما بيننا أمس ولا
    اليوم ولا غداً تراباً أو جسد
    وإذا كان "حافظ إبراهيم" شاعر النيل يقول في إحدى قصائده:
    الناس هذا حظه مال وذا
    علم وذاك مكارم الأخلاق
    فإذا رزقت خليقة محمودة
    فقد اصطفاك مقسم الأرزاق
    فأنا أعتبر أنَّ الرزاق الحكيم قد أجزل لي عطاءه حين وهبني هذه الحياة الهانئة المستقرة بفضل هذه الشريكة التي ينقسم وقتها بين رعاية زوجها وأسرتها وقراءة القرآن ليلاً ونهاراً وأداء العبادات وصلة أرحام زوجها قبل أرحامها هي.
    وبعد:
    إذا كنت من الشعراء القلائل الذين أشادوا وأثنوا على زوجاتهم بشجاعة لم يعرفها القدماء من الشعراء الذين كانوا يتحرجون من ذلك بحكم التقاليد والعصر، واكتفوا فيما يتعلق بزوجاتهم بالرثاء لهن عند الموت، فإني أدعو الله ألا يكون لي في رثاء شريكتي وأمي بعد أمي بيتاً واحداً من رثاء.

  • صقرالنوايف
    عضو متميز

    • Jun 2005
    • 25677

    #2
    الرد: ذكريات شاعر مع الحب الاول

    نقل فؤادك حيث شئت من الهوى .... ماالحب إلا للحبيب الأول
    شكرا اخي الدكتور الفاضل
    تحباتب

    تعليق

    • الشاعر لطفي الياسيني
      شاعر
      • Jan 2008
      • 5553

      #3
      الرد: ذكريات شاعر مع الحب الاول

      د. سعيد شكرا لك على هذه المشاركة المميزة
      دمت بخير


      تعليق

      • drsaid
        عضو متميز
        • Oct 2006
        • 3308

        #4
        الرد: ذكريات شاعر مع الحب الاول

        اضيف في الأساس بواسطة صقرالنوايف
        نقل فؤادك حيث شئت من الهوى .... ماالحب إلا للحبيب الأول
        شكرا اخي الدكتور الفاضل
        تحباتب


        شكرا اخى العزيز صقر النوايف على المشاركة والتواصل ادام الله عليك الصحة والسعادة

        تعليق

        • drsaid
          عضو متميز
          • Oct 2006
          • 3308

          #5
          الرد: ذكريات شاعر مع الحب الاول

          اضيف في الأساس بواسطة الشاعر لطفي الياسيني
          د. سعيد شكرا لك على هذه المشاركة المميزة
          دمت بخير


          شكرا الاستاذ الكبير والشاعر المبهر لطفى الياسينى على تشريفك لصفحتى

          تعليق

          مواضيع مرتبطة

          Collapse

          جاري العمل...