بدرشاكر السياب وماهية الشعر
كتب الفيلسوف والأديب الألماني الكبير "مارتن هيدجر" كتابا بعنوان " هيولدرلن وماهية الشعر" .. يدافع فيه عن أحد أعمدة الشعر العالمي الشامخة .. وأنا هنا أقتبس من أديبنا هذا العنوان ، لأعرض عليكم شيء يسير عن "الشاعر" بدر شاكر السياب ، وكلي أمل في أن تعجبكم وتنال رضاكم ، وتجودوا علي بآرائكم وتواصلكم ..
ولد السيّاب ؛ تعب ... ومات!!! وكذا نحن ، نولد ، نتعب .. فنموت !!!
عندما يذكر اسم السيّاب ، يجيش صدري وتدمع عيني ويكتئب قلبي .. فحياة هذا الشاعر المليئة بالحزن والمرض ( السل ) تثير فينا رعشة الخوف وتكشف لنا كذلك عن ضعف الإنسان .. السيّاب ليس شاعراً فحسب ، أنه "الشاعر" والشعر معاً . فهو أكثر من مجرد رائد التجديد في الشعر العربي ، وأكثر من كونه قمة القمم .. أنه روح الشعر ، وشعر الروح ..
عاش السيّاب حياة مريرة ، خيم عليه فيها شبح الموت ، طارده حتى أقضّ مضجعه ، ونالت الحمى والسعال من جسده الضئيل مانالت .. وحرمه المرض من رؤية أهله ووطنه ، وألزمه الفراش سنين طوال .. حتى لقد كانت المرحلة الأخيرة من حياته مجرد شعور بالموت ، يستشعر فيها الموت مع كل نفس يدخله تلك "الرئة الممزقة" ، فأصبحت حياته " حياة من أجل الموت " . فتضاءل في عينيه كل شيء ، إلا شبح الموت ، الذي أخذ يكبر ويكبر .. حتى أفناه !!! محمد الخالدي ..
رئة تتمزق ...
الداءُ يثلج راحتي ، ويطفئ الغد .. في خيالي
ويشلُّ أنفاسي ، ويطلقها كأنفاس الذبالِ
تهتز في رئتين يرقص فيهما شبح الزوالِ
مشدودتين إلى ظلام القبر .. بالدّم والسعالِ ...
واحسرتا !؟ كذا أموت ؟؟ كما يجف ندى الصباحِِ ِ ؟
ما كاد يلمع بين أفواف الزنابق والأقاحي ..
فتضوعُ أنفاس الربيع تهزًُ أفياء الدوالي
حتى تلاشى في الهواء .. كأنه خَفقُ الجناحِ
يا موت !! سوف أحيى ، سوف أشقى ، سوف تمهلني طويلا
لن تطفئ المصباحِ .. لكن سوف تحرقه فتيلا
في ليلة .. في ليلتين .. سنلتقي آهاً فآها
حتى يفيض سنى النهار فيغرق النور الضئيلا !!!
يا للنهاية حين تسدل هذه الرئة الأكيل
بين السعال ، على الدماء ، فيُختم الفصل الطويل
والحفرة السوداء تفغر ، بانطفاء النور فاها ...
إني أخاف من شبحٍ تخبئُه الفصول !!
وغداً إذا ارتجف الشتاء على ابتسامات الربيع
وانحل كالظل الهزيل ، وذاب كاللحن السريع ..
وتفتحت بين السنابل – وهي تحلم بالقطيع
والناي – وزنبقة ، مددت يدي إليها في خشوع ..
وهويت أنشقها ، فتصعد كلما صعد العبير ،
من صدري المهدوم حشرجة فتحترق العطور
تحت الشفاه الراعشات ويطفأ الحقل النظير
شيئاً فشيئاً .. في عيوني ثم ينفلت الأسير ..
السيّاب 1948
<< كتب السياب رحمه الله هذه القصيدة وهو في مرحلة الرقود في فراش المرض
يعاني آلام السعال والدم ... حيث لم يكم آنذاك من علاج لمرض السل البشع . >>

تعليق