بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم يا إخوان .. كيف الحال؟
أضع بين أيديكم اليوم قصة قصيرة من تأليفي .. راجياً من المولى عز وجل أن يوفقني في إرضاء أذواقكم الرفيعة .. كما أرجو منكم أحبتي توجيه ناظري إلى نقاط الضعف في قصتي هذه وذلك لكوني من هواة كتابة القصص وما زلت أحبو وأتعلم في هذا المجال .. لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك .. والآن أترككم مع أحداث القصة والبعض منكم قد يكون قرأها مسبقاً نظراً لأني نشرتها في أحد المنتديات من قبل والبعض الآخر منكم قد يقرأها لأول مرة .. فأترككم معها الآن ..
أخوكم الصغير خليك بالشارع ..
القصة :-
في ليلةٍ مظلمةٍ تعود إلى زمانٍ غابر لم يتم فيه اختراع الكتابة والقراءة وحروف الهجاء بعد .. بينما كان الكلام هو الوسيلة الوحيدة للتخاطب بين البشر .. طرقت باب مغارةٍ صغيرةٍ تسكنها عرافة خبلة تدعى أم حديجان .. فانلطعت على باب مغارتها يجي كذا نصف ساعة .. حتى سمعت قربعةً من خلف الباب فتأهبت للدخول وإذا بأم حديجان تقول لي من خلف الباب: ما عندنا زبالة اليوم .. فقلت لها: لا تراك فاهمة غلط يا أم حديجان .. منيب مرشح المجلس البلدي ( <=== إلين الحين مهوب مستوعب وش فايدة المجلس البلدي ذا الي صجونا فيه ) .. فردت علي: أجل من ذا الي جاينا بذا الحزة المتأخرة من الليل؟!! .. فقلت لها: أنا .. فقالت: من انت؟!! .. فقلت: واحد .. فقالت: ومن ذا الواحد؟!! .. فقلت: واحد طويل وجسيم وابيض ووسيم وسكسي ورمانسي وكل شي زين فيني .. قالت: أجل أكيد منتب خليك بالشارع .. قلت: إلا يا بنت الكلب أنا خليك بالشارع والملقب بأسير الفصفص .. الله من زين العرافة بس .. هذا وانا واصفلك نفسي بالضبط ما عرفتيني .. أجل وش بتسوين لو اني معطيك أوصاف واحد هندي وقعدت أرقّص فيك الين تعرفين من انا!! .. قالت: كان قلت انت خليك بالشارع .. قلت: على شحم بس أصلن أنا واعوذ بالله من كلمة أنا شكلي أسباني وهذاك اليوم يومني كنت بامريكا تفاجأت بشلة أسبانيين جوني وقعدوا يرطنون علي بالأسباني ولا كان لهم نية يقلبون انقليزي الا يومني قلتلهم تراي سعودي .. لا وقالولي بالإنقليزي بعد لا تقعد تهك علينا انت وخشمك داريين انك اسباني وقاعد تنصب علينا .. فقالت: أقوووول لا تقعد تحضرم على راس أهل من جابني وانا وش دخلني فيك أسباني جيزاني بنقالي ما همني .. الحين وش تبي انت وخشمك جايني بانصاص الليول؟!! .. فقلت وأنا ألقط ما طاح من وجهي: قال هندي قال .. يعني وش أبي منك يا عرافة قريح؟!! .. واحد بالعصر الحجري وجاي لعرافة بنص الليل .. وش يبي منها باللهي!! .. قالت: يمكن جاي تغتصبني .. فقلت لها بلهجة حادة: أقول افتحي الباب يالشيفة ولا كسرته على راسك ..
فتحت لي أم حديجان الباب وهي تقول: يا مرحبا يا مرحبا .. فقلت لها: كلي تبن بس!! .. فقالت لي تارةً أخرى: حي الله من جانا .. فقلت لها: طيب واحد قهوة فرنسي لو سمحتي .. ثم انجعصت أمامها على مقعدٍ وثير ناعم وقلت لها وأنا أضعُ ساقاً على ساق: بالله عليكي يا أم حديجان أجيبيني .. فقالت: وعلى وشو أجاوبك بسم الله علينا الرحمن الرحيم!! .. فقلت لها متذمراً: الله من المصالة الزايدة بس .. أجيبيني يا أم حديجان .. منهو أطلق شاعر بذا الديرة؟؟ ..
فما كان من العرافة أم حديجان إلا أن نظرت إلى كرتها البلورية الموضوعة أمامها على منضدتها الخشبية العتيقة وهي تتمتم بعبارات مبهمة غير مفهومة تلتها بحركات نصف كم بيديها .. وفجأة توقفت عن قول طلاسمها وتوقفت يداها عن الحركة فرفعت عيناها إلى وجهي وقالت والخوف في عينيها: وهل هناك من هو أطلق منه .. إنه الشاعر الجميل "أسير الشاهي" .. فإنه يقول شعراً جميلاً يجعلك تسير في آفاق الحب وكأنك تسير في واحدةٍ من جنائن النعيم .. فالنَّفَسُ الطيب يهبُّ عليك من كل النواحي وأينما اتجهت .. والرؤى والخيالات والصور البهيجة ..
وهنا قاطعتها قائلاً: الصور البهيجة ولا الصور الإباحية .. فسكتت عن الكلام المباح ثم لفختني بعجرة كانت تخفيها تحت منضدتها ثم أخذت ترمقني بنظرةٍ اشمئزاز من فوق إلى تحت حتى خُيِّل لي أنها ستصفقني بشئ آخر فيدمي رأسي ولكنها سفهتني وتحمدت ربها فاسترسلت في وصفها لشِعر أسير الشاهي بينما أنا تنفستُ الصعداء فتابعت: .. والصور البهيجة تداعبُ ذاكرتك كما تداعب النسائم الخفيفة وجهك وأنت سائر في إحدى الرياض .. ويجعل بشِعره العفيف حشداً من الأحلام الجميلة تنبثق في ذاكرتك وتدلف إلى أنحاء مخيلتك كما تدلف المجرّات إلى سقوف السماوات في ليلةٍ صافية ..
وهنا قاطعتها باكياً منتحباً بعد أن جثوت أمامها على ركبتيّ قائلاً وأنا أسترق النظر إلى سروالها الداخلي من تحت تنورتها: كفى بالله عليكي يا أم حديجان لا تكملي .. فإنكي قد أوصلتي معنوياتي إلى حضيض اللا معقول تهئ تهئ .. فقالت أم حديجان مواسية: ولكنك انت بعد يا خليك بالشارع شاعر زوين ويجي منك بس بصراحة منتب أزين من أسير الشاهي .. فقلت: شاعر زوين؟!! .. أنا شاعر زوين؟!! .. زوين بس؟!! .. آآآهٍ على قلبٍ هواهُ بمحكمِ ( أبوريها اني أعرف أقول شعر ) .. وأنا الذي بت أحسب نفسي أطلق شاعر بذا الديرة .. تهئ تهئ .. فقالت أم حديجان: انت حاول يا خليك بالشارع .. حاول ولا تقنط .. وإن شاء الله سوف تطوف أسير الشاهي وسوف تطوف عشرةٌ من أمثاله .. فقلت: دعواتك يا أم حديجان .. فقالت: أبشر من عنوني .. فقلت: طيب ما قلتيلي .. منهو المركز الثاني بسلامته انتي وسروالك الأخضر ذا؟؟ .. وطراااااااااخ على أم رأسي بالكرة البلورية وهي تقول: يا قليل الأدب!! .. فقلت: فيه حرمة عاقلة بالدنيا تلبس سروال أخضر!! .. أخضر عااااااد الله يحوم كبدك!! فقالت أم حديجان: انت شكلك ما تبي تعرف منهو المركز الثاني .. قلت: إلا تكفين .. أنا آسف .. فقالت بعد أن أخذت لها نظرة سريعة على كرتها البلورية يقالك شايفة شي الحين: أبشرك .. انت يا خليك بالشارع .. أنت ثاني أطلق شاعر بذا الديرة .. يالله انبسط وكفكف دموعك لا ألخك بذا الكرة البلورية على خشمك الحين .. فقلت لها بحزن بالغ: طيب الحين ذا الكرة البلورية يمديها تلقط الشو تايم؟؟ .. فقالت: يبن الناااس ترى ما عندي غير ذا الكرة البلورية علشان كذا ما ودي أكسرها على راسك ذا الي كنه صامولة مصدية ..
فصرخ المخرج قائلاً: كَت كتوا راسك .. يا خليك بالشارع تراك أبلشتنا وبعدين معاك انت .. عشرين الف مرة قايلك إطلع من سنة 2005 م وحاول انك تعيش أجواء العصر الحجري .. ياخي خل عنك المصالة الزايدة وخلنا نشوف شغلنا ترى ما صارت .. ورانا تصوير ستين ألف مشهد غير ذا .. تكفى خلنا نخلص عاد .. قلت: قاعد ألطف الجو ياخي .. قال: لا لا تلطفه أنا أبيه مشحون .. قلت: بصرك .. فقال المخرج: كلاكيت عاشر مرة .. آكشن ..
فقلت: آكشن ولا كوميدي .. فما كان من المخرج إلا أن كسر هذيك الخشبة السوداء إلي مخططة من فوق بابيض واسود على راسي .. وهو يقول باستياء بالغ: آكشن ولا كوميدي هااه .. أنا ابوريك آكشن ولا كوميدي يالماصل .. فقلت له: أتوب أتوب وقسم أقعد مؤدب .. فقال: آكشن يا حيوان .. فقلت: أوكيك .. ثم أخذنا مواقعنا من جديد وصرخ المخرج بصوته الجهوري قائلاً: آآآآآكشن ..
فقلت لأم حديجان وأنا أمسح نخروري بطرف ثوبي بعد كل هذا البكاء والعويل والحزن المنقطع النظير: طيب كم حسابك؟؟ .. فقالت بابتسامة خبيثة وهي تفرك يديها بعضاً ببعض: 500 ريال إسترليني .. بس إذا تبي تصير من الليلة أطلق شاعر بذا الديرة حسابك 1000 ريال إسترليني .. فقلت بتعجب: من الليلة؟!! .. قالت: ومن الحين بعد اذا تبي .. قلت لها: وكيف لي ذلك؟!! .. فقالت: لك ذلك بخلطة الكلمة السنوية .. فقلت: وهلّا حدثتي قرائنا الأعزاء عن خلطة الكلمة السنوية؟!! .. فقالت: هي يا خليك بالشارع خلطة سحرية تحطها بالشاهي وتعزم ندك ومنافسك اللدود "أسير الشاهي" عندك على العشا .. وعقب العشا تقدمله الشاهي .. وهو عاد راح يشرب الشاهي .. وعقب ما يشرب الشاهي ما راح يقدر يقول إلا كلمة وحدة بالسنة .. ولا راح يقدر يقول شعر طول عمره الين ينسونه الناس وبكذا انت راح تصير الأول بلا منازع في ذا الديرة وما جاورها .. قلت: كلمة وحدة بالسنة؟!! .. طيب واذا مرت عليه سنة كاملة من غير ما ينطق بهالكلمة الوحدة الي تحقله بالسنة ما راح تتأجله هالكلمة للسنة الي عقبها ثمن يصير يقدر يقول كلمتين بذا الحالة؟!! .. قالت: وانت وش ضارك يا بعدي .. أهم شي بالسالفة تأخير نتاجه الشعري وتعطيل تدفق كلماته .. وان قعد ساكت عشر سنين كاملات ما راح يقدر ينطق إلا بعشر كلمات بس .. ووش ذا القصيدة الي بتعجب الناس عقب عشر سنين وهي مغير عشر كلمات بس!! ..
فقلت بنشوةٍ بالغة: هههههه أجل هاك يا أم حديجان الألف ريال استرليني حقتك وعطيني الخلطة السحرية على وجه السرعة أشوف .. فمدت يدها لي بالخلطة وقالت: تفنضل .. فالتقطتها وأنا أقول: لا بارك الله فيك من ساحرة .. يالخبيثة هههههااااي .. بس وقسم ان طلعتي تنصبين علي .. فقاطعتني قائلةً: حد الله ما بيني وبين الحرام .. فأخذنا نضحك بضحكة مجلجلةٍ عميقة اهتز لها أرجاء الكون وتمت الصفقة ..
فاتجهت إلى معملي السري وأخذت أعمل في تجاربي وأبحاثي حتى تمكنت من تجهيز براد شاهي تلقيمة ثم أضفت عليه الخلطة السحرية .. وكنت قد عزمت مسبقاً أسير الشاهي في مغارتي على العشاء ..
فكانت أمسية جميلة تبادلنا فيها أنا وأسير الشاهي آخر نتاجاتنا الشعرية وتحدثنا قليلاً عن شعراء الساحة وعن شكوكنا بأن الشاعرة آكلة لحوم البقر ما عندها ما عند جدتي وأن الشاعر سعبولة غريق من جنبها ..
حتى أتت لحظة براد الشاهي .. فقدمت لأسير الشاهي البيالة بينما لمعت عيني بلمعة خبيثةٍ لم يستطع أسير الشاهي تفسيرها .. ولكنه قال لي: المكيف بارد ممكن تقصر عليه شوي .. فالتفت يمنة ويسرةً بتعجب شديد ثم نظرت إلى المخرج وقلت له: هاااه يبن الكلب .. من الي قاعد يخرب القصة الحين .. قال المخرج: أقول تلايط وكمل تمثيل لا ألخك ببراد الشاهي على خشمك .. عادي أنا طلبت منه يقولك كذا .. قلت: نعنبو دارك مكيف وحنا بالعصر الحجري !! .. أمحق مخرج بس .. قال: مهوب شغلك تابع تمثيل وانت ساكت .. فقلت: انا أصلاً وش علي منكم يا جعلها تطلع أفشل قصة بالعالم .. وهنا صرخ المخرج قائلاً: آآآكشن .. ودارت عدسة الكاميرا ..
فقال لي أسير الشاهي: المكيف بارد ممكن تقصر عليه شوي يابو شارع .. فقلت له: إيه انت تامر أمر غالي والطلب ببلاش فذهبت بعيداً يعنني رحت أقصر على المكيف ( المخرق عاوز كده ) .. وإذا بي أعود لأجغم جغمة من بيالة الشاهي حقتي الخالية تماماً من الخلطة السحرية والتي صنعتها خصيصاً لي وإذا بي أحس بقوة رهيبة تخنقني .. فأردت أن أقول ماذا حدث؟!! .. ولكني قلت: ما ... ثم انقطعت الكلمات .. وإذا بأسير الشاهي يضحك بضحكة مجلجلة وهو يقول: هاردلك يابو شارع .. تراي بدلت البيالات يومك رحت تقصر على المكيف .. فنفصت عيوني وقلت في قلبي: إلعنننن أممممم النكبببببببة .. فقال: انت شكلك ما تدري ان ام حديجان تصير اختي من الرضاعة .. فقلت في قلبي: لا حسبتها أختك بالإنشطار .. ولكن لم يكن هناك أحد يسمع كلامي غيري .. ولا أجيد الكتابة والقراءة لأنني في عصر لم تخترع فيه الكتابة والقراءة بعد .. فيالهول ما آل إليه مصيري .. وهنا قال لي أسير الشاهي متهكماً: يا خليك بالشارع .. أنصحك تغير إسمك الفني من أسير الفصفص إلى أسير الصمت .. يا .. يا أسير الفصفص هههاهاهالبااهااهتاهاهاهاااااااه .. وأوصد الباب وراءه بعد أن خرج وما زال صدى صوت ضحكته البشعة يرن في رأسي رنيناً مضجراً أكاد أشبهه برنين ساعتي الخراشة وهي توقظني في الصباح الباكر لكي أذهب إلى الدوام .. أو كرنين التي تغني أغنية حبيب ئلبي ..
فمضت الأيام علي كالسنين والشهور كالقرون .. وأصبحت أجلس وحيداً في مغارتي لا أملك إلا الأكل والشرب .. لا صديق أسامره ويسامرني ولا حسناء أبث لها لواعجي شِعراً فتلوعني بدلالها .. فكرت كثيراً بالإنتحار ولكني جبنت وتراجعت .. وأصبحت كذلك حتى نسيني العشاق ونسوا شعري ..
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي خرجت فيه إلى السوبر ماركت لأشتري منه دجاجة مجمدة حتى أطبخها وأتعشى بها لوحدي .. وإذا بتلك الحسناء الواقفة تحاسب أمامي عند الكاشير .. لها براطم حمراء كالياقوت .. وشعر أسود كالأبنوس .. وعينان زرقاوتان كزرقة السماء .. ووجه أبيض كالجليد أو كوجهي .. وقعت في حبها بجنون .. ابتسمت لي فابتسمت لها وأخذت تبادلني النظرات وترفع بجوالها عالياً بحركات غبية وكأن بها تقول: تراي شغلت البلوتوث .. فأخرجت جوالي وأرسلت لها منه فايلاً إباحياً مثيراً .. وإذا بها تنظر إلى الفايل الإباحي الذي أرسلته لها بازدراء ولسان حالها يقول بتهكم: ذا شكله ما يدري ان كل بيت الحين عنده هوت بيرد .. ثم نظرت إلي بنظرة مقفلة معها وكأن بها تقول لي: يا دلخ كل ذا الزين الي قدامك والين الحين ما رقمتني؟!! .. ويا ليتني أستطيع فإن رقمي سياحي وممنوع التدخين بعد ويفشل بالحيل وما ينفع للترقيم ..
فعدت إلى مغارتي والحزن يكتسيني .. فارتميت على فراشي ونظرت إلى السماء والنجوم تتلألأُ في كبدها والقمر يلوح لي بحزنٍ بضوءه الحزين وإذا بي أنشد هذا البيت من الشعر بيني وبين نفسي:
تتوق إليك النفس ثم أردها
حياءً ومثلي بالحياء حقيقُ
إيه هين .. والله لو ان رقمي مميز كان ما خليت ولا بنت ما رقمتها ..
ثم سكت لبرهةٍ وقلت بتعجبٍ شديد: سماء!! .. نجوم!! .. قمر!! .. وين ذلف سقف مغارتي!!!! ..
فاغرورقت عيناي بالدموع وأخذت أندب حظي العاثر في سري قائلاً: آآآبوك يالحظ الزفت .. ثم استغفرت الله وأنشدت في سري:
لَرياحُ الخريف أرفق بالورد
وبالقلب من يد الحسناءِ
نثرتها أمام عينيَّ لا
تسمع مني تذلّلي وندائي!
رحمةً منكِ فهي رمزٌ لحبّي
أنا أشقى فلا تزيدي شقائي
أنتِ لو تعلمين كم سَهرَ الروض
عليها وهبتها للبقاءِ
رُبَّ طيرٍ أظلّها بجناحيه
وغنى لها أرق الغِناءِ
رب نهرٍ مصفقٍ أرسل الشوق
لها ذائباً مع الأنداءِ
رب راعٍ هفا لرؤيتها شوقاً
وغنّى على تراجيع ناءِ
فنمت ليلتي تلك دون أي شعور مني بنفسي .. فأصبح الصبح وطلع الفجر والعصفور صوصو شاف البسة ئالها بس بس ئالتلوا نَونَو .. وكأن بهم كانوا يحاولون أن يقهروني لأنهم قادرين على التحدث .. فخرجت إلى النهر لأغسل عمص عينيّ بحزنٍ شديد وإذا بفتاة البارحة وصديقاتها يملؤون القرب بالماء فأتيت لأسقي لهن .. فسمعت إحداهن تناديها بفوز .. فنظرت إلى عينيّ فوزٍ بصمت وكأني أسبح في بحرٍ عميقٍ من الهيام فتهيضت مشاعري وقلت في نفسي:
قلبي يحدثني بأنك متلفي
روحي فداكِ عرفتي أم لم تعرفي
فأخذت فوزٌ من يدي قربتها بصمت بعد أن ملأْتها لها من ماء النهر وتركتني وحيداً .. فوقفت أنظر إلى حسن جيدها من الخلف ( الداشر طول عمره داشر ) .. وإذا بي أقول في نفسي:
ومضت تكذبني الظنون فأنثني
متسمعاً دقات قلبي الثائرِ
وعندها عرفت بأني قد غرقت في بحر من الهيام .. وعرفت أن فوزٌ هي ملهمتي .. ولم أعد أستطيع لهذا الحب كتمانا .. أردت فقط أن أقول لها عزيزتي فوز ولكنها كلمتين .. وتتطلبان مني سنتين متواصلتين من الصمت المطبق لأقولهن .. فأخذت على نفسي عهداً أن أصبر سنتين متتاليتين عن الكلام حتى أقول لفوزٍ عزيزتي فوز ..
وبعد سنتين مرت علي كعصرين .. رأيتها تسامر صديقاتها في المساء فقلت في نفسي وأنا أنظر لها من بعيد:
أعولي يا قياثرَ الشعراء
في سكون الدجى وصمت المساءِ
وردةٌ أغمضَ المساءُ عليها
طرفه وهي في ثياب الرواءِ
وهنا إرتأيت أن أقول لها عزيزتي فوز .. وأزيد عليهن إنني أحبك حباً شديدا .. أردت أن أقولها لها كلها دفعةً واحدة .. وهذا يعني أن عليّ الإمساك أربع سنين زيادةً على السنتين اللتان انصرمتا ليصبح عندي في رصيد كلماتي 6 كلمات ..
وبعد أربعة سنين عجاف .. رأيتها مرتدية تلك العصابة الزرقاء على رأسها مارةً في طريقي وعندها قطفتُ لها وردةً حمراء من حديقة جاري ووضعتها في يدها بابتسامةٍ بريئةٍ على وجهي ثم تركتها وابتعدت بعيداً عنها وأنا أقول في نفسي:
روحي فِداءُ عصابةٍ زرقاءِ
لمّت شعور مليحةٍ حسناءِ
ما زيّنَتْكِ وإنما زيَّنْتِها
بجوارها لجبينك الوضاءِ
ودُنُوِّها من مقلةٍ مكحولةٍ
فتّانةٍ .. فتّاكةٍ .. حوراءِ
فنادتني بعالي صوتها: يا أيها الغريب انتظر ..
وأصبحتُ غريباً بعد!! .. وأنا ابن هذه البلدة أبّاً عن جد!! ..
فأنشد قلبي يقول في حزنٍ ..
أيا فوزُ لو أبصرتني ما عرفتني
لطول شجوني بعدكم وشحوبي
وأنت من الدّنيا نصيبي فإن أمت
فليتَكِ من حور الجنان نصيبي
فعدت إلى مغارتي كالعادة وتصومعت بها .. وإذا بي أنشد بيني وبين نفسي أقول:
صَلِيتُ من حبها نارين: واحدةً
في وجنتيها .. وأخرى بين أحشائي
وقد حَمَيتُ لساني أن أبين به
فما يعبِّرُ عني غير إيماءِ
يا ويحَ أهلي أبلَى بين أعينهم
على الفراشِ .. وما يدرون ما دائي
وعندها قررت أن أطلبها للزواج فأخذت أحسب كم كلمة أحتاج أن أقول في سبيل طلب الزواج منها .. وإذا بها كلمتين فقط .. زيادةً على "عزيزتي فوز .. إنني أحبك حباً شديداً .." فينبغي علي الآن أن أزيد عليهن "هل تتزوجينني؟" .. وحبها الذي جعلني أصبر ست سنين متواصلات من غير كلام .. لا يستطيع أن يجعلني أصبر سنتين أيضاً؟! وأنا الذي دائماً من المؤمنين بمقولة غالي والطلب يرخصلك!! .. وعندها أنشدت في نفسي فقلت:
تنازعت المها شبهاً ودرّ
البحور وشاكهت فيها الظّباءُ
فأما ما فويق العقد منها
فمن أدماء مرتعها الخلاءُ
وأما المقلتان فمن مَهاة
وللدرّ الملاحَةُ والصفاءُ
ثم أغمضت جفني الذي اجتاحه السهاد عازماً على الصبر تلك السنتين أيضاً لِأستطيع بعد ذلك أن أقول لملهمتي فوز "عزيزتي فوز .. إنني أحبك حباً شديداً .. فهل تتزوجينني؟" ..
وبت ليلتي تلك هانئاً قرير العين أحلم بذلك اليوم .. فلقد انقضى الكثير ولم يبقى إلا القليل ..
مرت السنتين الإضافيتين على صمتي المطبق بصعوبة .. فتسارعت نبضات قلبي الثائر الملتهب .. وها أنذا بعد ثمان سنين متعاقبات من الصمت المطبق أقف وجهاً لوجه أمام لحظة يجف لها الريق وترتعش لها الفرائض مدري الفرائص .. هاهي لحظة البوح وليتني كنت أقدر على أن أبوح بمشاعري شِعراً .. ولكن العين قصيرة واليد بصيرة وليس عندي من رصيد الكلمات إلا ثمان .. وما أريد قوله لفوزٍ هو أهم وأبقى من خنبقة الشعر وشعراءه ويجب علي أن أقولهن لفوزٍ اليوم مهما كان الثمن غالياً ..
فخرجت من مغارتي والخطوة تسابق الخطوة .. فلمحت فوز وهي جالسة مع صديقاتها .. ذهبت إليها ومعطتها مع يدها من بينهن وهي تقول: أتركني أيها الغريب .. إلى أين تأخذني؟! .. إلى أين نحن ذاهبان؟! .. ولم أكن قادراً على الرد عليها .. فالتزمت الصمت حتى وصلنا إلى أكثر الأماكن رومانسية في البلدة .. وفي مساءٍ ساحرٍ جميل بدأت الشمس تتوارى خلف الأفق في منظر جميل يدغدغ المشاعر .. فكدت أن أصرخ بالشعر ولكني تداركت نفسي في اللحظات الأخيرة قبل أن أجيب العيد وأضيع الثمان كلمات التي لم أكن أملك غيرهن في ذلك الوقت .. فاقتطفت لها وردة حمراء بهت جمالها أمام جمال فوزٍ وعذوبتها .. ثم أجلستها على الريطة العتيقة ( الريطة هي كل ملاءة غير ذات لفقين ) .. فابتسمت فوز ويا زين مبسمها وكأنها تعلن لي عن موافقتها المبدئية حتى من قبل أن أنبس لها ببنت كلمة .. فجثوت على ركبتي أمامها وأنا أسترق النظر بحياء وعفة إلى سروالها الداخلي الوردي الجميل من تحت تنورتها وأنا ممسك بيدها .. وبدأت شفتاي تتحركان برعشة حتى خرج صوتي من بينهما أجشاً متحجرشاً بعد كل هذه السنين من الصمت الدائم ( مافي لياقة ) لأقول لها:
عزيزتي فوز .. إنني أحبك حباً شديداً .. فهل تتزوجينني؟
فقالت فوز: عفواً؟!! لم أسمعك جيداً!! ..
فقلت في سري: إلعن أبوك يا بنت الكلب .. خلاص ولا شي ..
ثم أطرقت عائداً إلى مغارتي غضبان أسفا .. بلا حب بلا نيلة!! ..
وهنا صرخ المخرج: CUT .. وانتهت القصة إلى الأبد ..
The enD
الي بغيت اوصله لكم من خلال هذه القصة: ان كلمة وحدة غير مناسبة في وقت غير مناسب في ظروفٍ غير مناسبة قد تجيب العيد أحياناً .. فانتبهوا لما تقولون عندما تقولون يا رعاكم الله ..
أسأل الله العلي القدير أن يجعلني مشكاة نور تحترق لتضئ لكم الدرب ..
هذا وأستغفر الله لي ولكم ..
جميع الحقوق محفوظة © خليك بالشارع 2005
السلام عليكم يا إخوان .. كيف الحال؟
أضع بين أيديكم اليوم قصة قصيرة من تأليفي .. راجياً من المولى عز وجل أن يوفقني في إرضاء أذواقكم الرفيعة .. كما أرجو منكم أحبتي توجيه ناظري إلى نقاط الضعف في قصتي هذه وذلك لكوني من هواة كتابة القصص وما زلت أحبو وأتعلم في هذا المجال .. لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك .. والآن أترككم مع أحداث القصة والبعض منكم قد يكون قرأها مسبقاً نظراً لأني نشرتها في أحد المنتديات من قبل والبعض الآخر منكم قد يقرأها لأول مرة .. فأترككم معها الآن ..
أخوكم الصغير خليك بالشارع ..
القصة :-
في ليلةٍ مظلمةٍ تعود إلى زمانٍ غابر لم يتم فيه اختراع الكتابة والقراءة وحروف الهجاء بعد .. بينما كان الكلام هو الوسيلة الوحيدة للتخاطب بين البشر .. طرقت باب مغارةٍ صغيرةٍ تسكنها عرافة خبلة تدعى أم حديجان .. فانلطعت على باب مغارتها يجي كذا نصف ساعة .. حتى سمعت قربعةً من خلف الباب فتأهبت للدخول وإذا بأم حديجان تقول لي من خلف الباب: ما عندنا زبالة اليوم .. فقلت لها: لا تراك فاهمة غلط يا أم حديجان .. منيب مرشح المجلس البلدي ( <=== إلين الحين مهوب مستوعب وش فايدة المجلس البلدي ذا الي صجونا فيه ) .. فردت علي: أجل من ذا الي جاينا بذا الحزة المتأخرة من الليل؟!! .. فقلت لها: أنا .. فقالت: من انت؟!! .. فقلت: واحد .. فقالت: ومن ذا الواحد؟!! .. فقلت: واحد طويل وجسيم وابيض ووسيم وسكسي ورمانسي وكل شي زين فيني .. قالت: أجل أكيد منتب خليك بالشارع .. قلت: إلا يا بنت الكلب أنا خليك بالشارع والملقب بأسير الفصفص .. الله من زين العرافة بس .. هذا وانا واصفلك نفسي بالضبط ما عرفتيني .. أجل وش بتسوين لو اني معطيك أوصاف واحد هندي وقعدت أرقّص فيك الين تعرفين من انا!! .. قالت: كان قلت انت خليك بالشارع .. قلت: على شحم بس أصلن أنا واعوذ بالله من كلمة أنا شكلي أسباني وهذاك اليوم يومني كنت بامريكا تفاجأت بشلة أسبانيين جوني وقعدوا يرطنون علي بالأسباني ولا كان لهم نية يقلبون انقليزي الا يومني قلتلهم تراي سعودي .. لا وقالولي بالإنقليزي بعد لا تقعد تهك علينا انت وخشمك داريين انك اسباني وقاعد تنصب علينا .. فقالت: أقوووول لا تقعد تحضرم على راس أهل من جابني وانا وش دخلني فيك أسباني جيزاني بنقالي ما همني .. الحين وش تبي انت وخشمك جايني بانصاص الليول؟!! .. فقلت وأنا ألقط ما طاح من وجهي: قال هندي قال .. يعني وش أبي منك يا عرافة قريح؟!! .. واحد بالعصر الحجري وجاي لعرافة بنص الليل .. وش يبي منها باللهي!! .. قالت: يمكن جاي تغتصبني .. فقلت لها بلهجة حادة: أقول افتحي الباب يالشيفة ولا كسرته على راسك ..
فتحت لي أم حديجان الباب وهي تقول: يا مرحبا يا مرحبا .. فقلت لها: كلي تبن بس!! .. فقالت لي تارةً أخرى: حي الله من جانا .. فقلت لها: طيب واحد قهوة فرنسي لو سمحتي .. ثم انجعصت أمامها على مقعدٍ وثير ناعم وقلت لها وأنا أضعُ ساقاً على ساق: بالله عليكي يا أم حديجان أجيبيني .. فقالت: وعلى وشو أجاوبك بسم الله علينا الرحمن الرحيم!! .. فقلت لها متذمراً: الله من المصالة الزايدة بس .. أجيبيني يا أم حديجان .. منهو أطلق شاعر بذا الديرة؟؟ ..
فما كان من العرافة أم حديجان إلا أن نظرت إلى كرتها البلورية الموضوعة أمامها على منضدتها الخشبية العتيقة وهي تتمتم بعبارات مبهمة غير مفهومة تلتها بحركات نصف كم بيديها .. وفجأة توقفت عن قول طلاسمها وتوقفت يداها عن الحركة فرفعت عيناها إلى وجهي وقالت والخوف في عينيها: وهل هناك من هو أطلق منه .. إنه الشاعر الجميل "أسير الشاهي" .. فإنه يقول شعراً جميلاً يجعلك تسير في آفاق الحب وكأنك تسير في واحدةٍ من جنائن النعيم .. فالنَّفَسُ الطيب يهبُّ عليك من كل النواحي وأينما اتجهت .. والرؤى والخيالات والصور البهيجة ..
وهنا قاطعتها قائلاً: الصور البهيجة ولا الصور الإباحية .. فسكتت عن الكلام المباح ثم لفختني بعجرة كانت تخفيها تحت منضدتها ثم أخذت ترمقني بنظرةٍ اشمئزاز من فوق إلى تحت حتى خُيِّل لي أنها ستصفقني بشئ آخر فيدمي رأسي ولكنها سفهتني وتحمدت ربها فاسترسلت في وصفها لشِعر أسير الشاهي بينما أنا تنفستُ الصعداء فتابعت: .. والصور البهيجة تداعبُ ذاكرتك كما تداعب النسائم الخفيفة وجهك وأنت سائر في إحدى الرياض .. ويجعل بشِعره العفيف حشداً من الأحلام الجميلة تنبثق في ذاكرتك وتدلف إلى أنحاء مخيلتك كما تدلف المجرّات إلى سقوف السماوات في ليلةٍ صافية ..
وهنا قاطعتها باكياً منتحباً بعد أن جثوت أمامها على ركبتيّ قائلاً وأنا أسترق النظر إلى سروالها الداخلي من تحت تنورتها: كفى بالله عليكي يا أم حديجان لا تكملي .. فإنكي قد أوصلتي معنوياتي إلى حضيض اللا معقول تهئ تهئ .. فقالت أم حديجان مواسية: ولكنك انت بعد يا خليك بالشارع شاعر زوين ويجي منك بس بصراحة منتب أزين من أسير الشاهي .. فقلت: شاعر زوين؟!! .. أنا شاعر زوين؟!! .. زوين بس؟!! .. آآآهٍ على قلبٍ هواهُ بمحكمِ ( أبوريها اني أعرف أقول شعر ) .. وأنا الذي بت أحسب نفسي أطلق شاعر بذا الديرة .. تهئ تهئ .. فقالت أم حديجان: انت حاول يا خليك بالشارع .. حاول ولا تقنط .. وإن شاء الله سوف تطوف أسير الشاهي وسوف تطوف عشرةٌ من أمثاله .. فقلت: دعواتك يا أم حديجان .. فقالت: أبشر من عنوني .. فقلت: طيب ما قلتيلي .. منهو المركز الثاني بسلامته انتي وسروالك الأخضر ذا؟؟ .. وطراااااااااخ على أم رأسي بالكرة البلورية وهي تقول: يا قليل الأدب!! .. فقلت: فيه حرمة عاقلة بالدنيا تلبس سروال أخضر!! .. أخضر عااااااد الله يحوم كبدك!! فقالت أم حديجان: انت شكلك ما تبي تعرف منهو المركز الثاني .. قلت: إلا تكفين .. أنا آسف .. فقالت بعد أن أخذت لها نظرة سريعة على كرتها البلورية يقالك شايفة شي الحين: أبشرك .. انت يا خليك بالشارع .. أنت ثاني أطلق شاعر بذا الديرة .. يالله انبسط وكفكف دموعك لا ألخك بذا الكرة البلورية على خشمك الحين .. فقلت لها بحزن بالغ: طيب الحين ذا الكرة البلورية يمديها تلقط الشو تايم؟؟ .. فقالت: يبن الناااس ترى ما عندي غير ذا الكرة البلورية علشان كذا ما ودي أكسرها على راسك ذا الي كنه صامولة مصدية ..
فصرخ المخرج قائلاً: كَت كتوا راسك .. يا خليك بالشارع تراك أبلشتنا وبعدين معاك انت .. عشرين الف مرة قايلك إطلع من سنة 2005 م وحاول انك تعيش أجواء العصر الحجري .. ياخي خل عنك المصالة الزايدة وخلنا نشوف شغلنا ترى ما صارت .. ورانا تصوير ستين ألف مشهد غير ذا .. تكفى خلنا نخلص عاد .. قلت: قاعد ألطف الجو ياخي .. قال: لا لا تلطفه أنا أبيه مشحون .. قلت: بصرك .. فقال المخرج: كلاكيت عاشر مرة .. آكشن ..
فقلت: آكشن ولا كوميدي .. فما كان من المخرج إلا أن كسر هذيك الخشبة السوداء إلي مخططة من فوق بابيض واسود على راسي .. وهو يقول باستياء بالغ: آكشن ولا كوميدي هااه .. أنا ابوريك آكشن ولا كوميدي يالماصل .. فقلت له: أتوب أتوب وقسم أقعد مؤدب .. فقال: آكشن يا حيوان .. فقلت: أوكيك .. ثم أخذنا مواقعنا من جديد وصرخ المخرج بصوته الجهوري قائلاً: آآآآآكشن ..
فقلت لأم حديجان وأنا أمسح نخروري بطرف ثوبي بعد كل هذا البكاء والعويل والحزن المنقطع النظير: طيب كم حسابك؟؟ .. فقالت بابتسامة خبيثة وهي تفرك يديها بعضاً ببعض: 500 ريال إسترليني .. بس إذا تبي تصير من الليلة أطلق شاعر بذا الديرة حسابك 1000 ريال إسترليني .. فقلت بتعجب: من الليلة؟!! .. قالت: ومن الحين بعد اذا تبي .. قلت لها: وكيف لي ذلك؟!! .. فقالت: لك ذلك بخلطة الكلمة السنوية .. فقلت: وهلّا حدثتي قرائنا الأعزاء عن خلطة الكلمة السنوية؟!! .. فقالت: هي يا خليك بالشارع خلطة سحرية تحطها بالشاهي وتعزم ندك ومنافسك اللدود "أسير الشاهي" عندك على العشا .. وعقب العشا تقدمله الشاهي .. وهو عاد راح يشرب الشاهي .. وعقب ما يشرب الشاهي ما راح يقدر يقول إلا كلمة وحدة بالسنة .. ولا راح يقدر يقول شعر طول عمره الين ينسونه الناس وبكذا انت راح تصير الأول بلا منازع في ذا الديرة وما جاورها .. قلت: كلمة وحدة بالسنة؟!! .. طيب واذا مرت عليه سنة كاملة من غير ما ينطق بهالكلمة الوحدة الي تحقله بالسنة ما راح تتأجله هالكلمة للسنة الي عقبها ثمن يصير يقدر يقول كلمتين بذا الحالة؟!! .. قالت: وانت وش ضارك يا بعدي .. أهم شي بالسالفة تأخير نتاجه الشعري وتعطيل تدفق كلماته .. وان قعد ساكت عشر سنين كاملات ما راح يقدر ينطق إلا بعشر كلمات بس .. ووش ذا القصيدة الي بتعجب الناس عقب عشر سنين وهي مغير عشر كلمات بس!! ..
فقلت بنشوةٍ بالغة: هههههه أجل هاك يا أم حديجان الألف ريال استرليني حقتك وعطيني الخلطة السحرية على وجه السرعة أشوف .. فمدت يدها لي بالخلطة وقالت: تفنضل .. فالتقطتها وأنا أقول: لا بارك الله فيك من ساحرة .. يالخبيثة هههههااااي .. بس وقسم ان طلعتي تنصبين علي .. فقاطعتني قائلةً: حد الله ما بيني وبين الحرام .. فأخذنا نضحك بضحكة مجلجلةٍ عميقة اهتز لها أرجاء الكون وتمت الصفقة ..
فاتجهت إلى معملي السري وأخذت أعمل في تجاربي وأبحاثي حتى تمكنت من تجهيز براد شاهي تلقيمة ثم أضفت عليه الخلطة السحرية .. وكنت قد عزمت مسبقاً أسير الشاهي في مغارتي على العشاء ..
فكانت أمسية جميلة تبادلنا فيها أنا وأسير الشاهي آخر نتاجاتنا الشعرية وتحدثنا قليلاً عن شعراء الساحة وعن شكوكنا بأن الشاعرة آكلة لحوم البقر ما عندها ما عند جدتي وأن الشاعر سعبولة غريق من جنبها ..
حتى أتت لحظة براد الشاهي .. فقدمت لأسير الشاهي البيالة بينما لمعت عيني بلمعة خبيثةٍ لم يستطع أسير الشاهي تفسيرها .. ولكنه قال لي: المكيف بارد ممكن تقصر عليه شوي .. فالتفت يمنة ويسرةً بتعجب شديد ثم نظرت إلى المخرج وقلت له: هاااه يبن الكلب .. من الي قاعد يخرب القصة الحين .. قال المخرج: أقول تلايط وكمل تمثيل لا ألخك ببراد الشاهي على خشمك .. عادي أنا طلبت منه يقولك كذا .. قلت: نعنبو دارك مكيف وحنا بالعصر الحجري !! .. أمحق مخرج بس .. قال: مهوب شغلك تابع تمثيل وانت ساكت .. فقلت: انا أصلاً وش علي منكم يا جعلها تطلع أفشل قصة بالعالم .. وهنا صرخ المخرج قائلاً: آآآكشن .. ودارت عدسة الكاميرا ..
فقال لي أسير الشاهي: المكيف بارد ممكن تقصر عليه شوي يابو شارع .. فقلت له: إيه انت تامر أمر غالي والطلب ببلاش فذهبت بعيداً يعنني رحت أقصر على المكيف ( المخرق عاوز كده ) .. وإذا بي أعود لأجغم جغمة من بيالة الشاهي حقتي الخالية تماماً من الخلطة السحرية والتي صنعتها خصيصاً لي وإذا بي أحس بقوة رهيبة تخنقني .. فأردت أن أقول ماذا حدث؟!! .. ولكني قلت: ما ... ثم انقطعت الكلمات .. وإذا بأسير الشاهي يضحك بضحكة مجلجلة وهو يقول: هاردلك يابو شارع .. تراي بدلت البيالات يومك رحت تقصر على المكيف .. فنفصت عيوني وقلت في قلبي: إلعنننن أممممم النكبببببببة .. فقال: انت شكلك ما تدري ان ام حديجان تصير اختي من الرضاعة .. فقلت في قلبي: لا حسبتها أختك بالإنشطار .. ولكن لم يكن هناك أحد يسمع كلامي غيري .. ولا أجيد الكتابة والقراءة لأنني في عصر لم تخترع فيه الكتابة والقراءة بعد .. فيالهول ما آل إليه مصيري .. وهنا قال لي أسير الشاهي متهكماً: يا خليك بالشارع .. أنصحك تغير إسمك الفني من أسير الفصفص إلى أسير الصمت .. يا .. يا أسير الفصفص هههاهاهالبااهااهتاهاهاهاااااااه .. وأوصد الباب وراءه بعد أن خرج وما زال صدى صوت ضحكته البشعة يرن في رأسي رنيناً مضجراً أكاد أشبهه برنين ساعتي الخراشة وهي توقظني في الصباح الباكر لكي أذهب إلى الدوام .. أو كرنين التي تغني أغنية حبيب ئلبي ..
فمضت الأيام علي كالسنين والشهور كالقرون .. وأصبحت أجلس وحيداً في مغارتي لا أملك إلا الأكل والشرب .. لا صديق أسامره ويسامرني ولا حسناء أبث لها لواعجي شِعراً فتلوعني بدلالها .. فكرت كثيراً بالإنتحار ولكني جبنت وتراجعت .. وأصبحت كذلك حتى نسيني العشاق ونسوا شعري ..
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي خرجت فيه إلى السوبر ماركت لأشتري منه دجاجة مجمدة حتى أطبخها وأتعشى بها لوحدي .. وإذا بتلك الحسناء الواقفة تحاسب أمامي عند الكاشير .. لها براطم حمراء كالياقوت .. وشعر أسود كالأبنوس .. وعينان زرقاوتان كزرقة السماء .. ووجه أبيض كالجليد أو كوجهي .. وقعت في حبها بجنون .. ابتسمت لي فابتسمت لها وأخذت تبادلني النظرات وترفع بجوالها عالياً بحركات غبية وكأن بها تقول: تراي شغلت البلوتوث .. فأخرجت جوالي وأرسلت لها منه فايلاً إباحياً مثيراً .. وإذا بها تنظر إلى الفايل الإباحي الذي أرسلته لها بازدراء ولسان حالها يقول بتهكم: ذا شكله ما يدري ان كل بيت الحين عنده هوت بيرد .. ثم نظرت إلي بنظرة مقفلة معها وكأن بها تقول لي: يا دلخ كل ذا الزين الي قدامك والين الحين ما رقمتني؟!! .. ويا ليتني أستطيع فإن رقمي سياحي وممنوع التدخين بعد ويفشل بالحيل وما ينفع للترقيم ..
فعدت إلى مغارتي والحزن يكتسيني .. فارتميت على فراشي ونظرت إلى السماء والنجوم تتلألأُ في كبدها والقمر يلوح لي بحزنٍ بضوءه الحزين وإذا بي أنشد هذا البيت من الشعر بيني وبين نفسي:
تتوق إليك النفس ثم أردها
حياءً ومثلي بالحياء حقيقُ
إيه هين .. والله لو ان رقمي مميز كان ما خليت ولا بنت ما رقمتها ..
ثم سكت لبرهةٍ وقلت بتعجبٍ شديد: سماء!! .. نجوم!! .. قمر!! .. وين ذلف سقف مغارتي!!!! ..
فاغرورقت عيناي بالدموع وأخذت أندب حظي العاثر في سري قائلاً: آآآبوك يالحظ الزفت .. ثم استغفرت الله وأنشدت في سري:
لَرياحُ الخريف أرفق بالورد
وبالقلب من يد الحسناءِ
نثرتها أمام عينيَّ لا
تسمع مني تذلّلي وندائي!
رحمةً منكِ فهي رمزٌ لحبّي
أنا أشقى فلا تزيدي شقائي
أنتِ لو تعلمين كم سَهرَ الروض
عليها وهبتها للبقاءِ
رُبَّ طيرٍ أظلّها بجناحيه
وغنى لها أرق الغِناءِ
رب نهرٍ مصفقٍ أرسل الشوق
لها ذائباً مع الأنداءِ
رب راعٍ هفا لرؤيتها شوقاً
وغنّى على تراجيع ناءِ
فنمت ليلتي تلك دون أي شعور مني بنفسي .. فأصبح الصبح وطلع الفجر والعصفور صوصو شاف البسة ئالها بس بس ئالتلوا نَونَو .. وكأن بهم كانوا يحاولون أن يقهروني لأنهم قادرين على التحدث .. فخرجت إلى النهر لأغسل عمص عينيّ بحزنٍ شديد وإذا بفتاة البارحة وصديقاتها يملؤون القرب بالماء فأتيت لأسقي لهن .. فسمعت إحداهن تناديها بفوز .. فنظرت إلى عينيّ فوزٍ بصمت وكأني أسبح في بحرٍ عميقٍ من الهيام فتهيضت مشاعري وقلت في نفسي:
قلبي يحدثني بأنك متلفي
روحي فداكِ عرفتي أم لم تعرفي
فأخذت فوزٌ من يدي قربتها بصمت بعد أن ملأْتها لها من ماء النهر وتركتني وحيداً .. فوقفت أنظر إلى حسن جيدها من الخلف ( الداشر طول عمره داشر ) .. وإذا بي أقول في نفسي:
ومضت تكذبني الظنون فأنثني
متسمعاً دقات قلبي الثائرِ
وعندها عرفت بأني قد غرقت في بحر من الهيام .. وعرفت أن فوزٌ هي ملهمتي .. ولم أعد أستطيع لهذا الحب كتمانا .. أردت فقط أن أقول لها عزيزتي فوز ولكنها كلمتين .. وتتطلبان مني سنتين متواصلتين من الصمت المطبق لأقولهن .. فأخذت على نفسي عهداً أن أصبر سنتين متتاليتين عن الكلام حتى أقول لفوزٍ عزيزتي فوز ..
وبعد سنتين مرت علي كعصرين .. رأيتها تسامر صديقاتها في المساء فقلت في نفسي وأنا أنظر لها من بعيد:
أعولي يا قياثرَ الشعراء
في سكون الدجى وصمت المساءِ
وردةٌ أغمضَ المساءُ عليها
طرفه وهي في ثياب الرواءِ
وهنا إرتأيت أن أقول لها عزيزتي فوز .. وأزيد عليهن إنني أحبك حباً شديدا .. أردت أن أقولها لها كلها دفعةً واحدة .. وهذا يعني أن عليّ الإمساك أربع سنين زيادةً على السنتين اللتان انصرمتا ليصبح عندي في رصيد كلماتي 6 كلمات ..
وبعد أربعة سنين عجاف .. رأيتها مرتدية تلك العصابة الزرقاء على رأسها مارةً في طريقي وعندها قطفتُ لها وردةً حمراء من حديقة جاري ووضعتها في يدها بابتسامةٍ بريئةٍ على وجهي ثم تركتها وابتعدت بعيداً عنها وأنا أقول في نفسي:
روحي فِداءُ عصابةٍ زرقاءِ
لمّت شعور مليحةٍ حسناءِ
ما زيّنَتْكِ وإنما زيَّنْتِها
بجوارها لجبينك الوضاءِ
ودُنُوِّها من مقلةٍ مكحولةٍ
فتّانةٍ .. فتّاكةٍ .. حوراءِ
فنادتني بعالي صوتها: يا أيها الغريب انتظر ..
وأصبحتُ غريباً بعد!! .. وأنا ابن هذه البلدة أبّاً عن جد!! ..
فأنشد قلبي يقول في حزنٍ ..
أيا فوزُ لو أبصرتني ما عرفتني
لطول شجوني بعدكم وشحوبي
وأنت من الدّنيا نصيبي فإن أمت
فليتَكِ من حور الجنان نصيبي
فعدت إلى مغارتي كالعادة وتصومعت بها .. وإذا بي أنشد بيني وبين نفسي أقول:
صَلِيتُ من حبها نارين: واحدةً
في وجنتيها .. وأخرى بين أحشائي
وقد حَمَيتُ لساني أن أبين به
فما يعبِّرُ عني غير إيماءِ
يا ويحَ أهلي أبلَى بين أعينهم
على الفراشِ .. وما يدرون ما دائي
وعندها قررت أن أطلبها للزواج فأخذت أحسب كم كلمة أحتاج أن أقول في سبيل طلب الزواج منها .. وإذا بها كلمتين فقط .. زيادةً على "عزيزتي فوز .. إنني أحبك حباً شديداً .." فينبغي علي الآن أن أزيد عليهن "هل تتزوجينني؟" .. وحبها الذي جعلني أصبر ست سنين متواصلات من غير كلام .. لا يستطيع أن يجعلني أصبر سنتين أيضاً؟! وأنا الذي دائماً من المؤمنين بمقولة غالي والطلب يرخصلك!! .. وعندها أنشدت في نفسي فقلت:
تنازعت المها شبهاً ودرّ
البحور وشاكهت فيها الظّباءُ
فأما ما فويق العقد منها
فمن أدماء مرتعها الخلاءُ
وأما المقلتان فمن مَهاة
وللدرّ الملاحَةُ والصفاءُ
ثم أغمضت جفني الذي اجتاحه السهاد عازماً على الصبر تلك السنتين أيضاً لِأستطيع بعد ذلك أن أقول لملهمتي فوز "عزيزتي فوز .. إنني أحبك حباً شديداً .. فهل تتزوجينني؟" ..
وبت ليلتي تلك هانئاً قرير العين أحلم بذلك اليوم .. فلقد انقضى الكثير ولم يبقى إلا القليل ..
مرت السنتين الإضافيتين على صمتي المطبق بصعوبة .. فتسارعت نبضات قلبي الثائر الملتهب .. وها أنذا بعد ثمان سنين متعاقبات من الصمت المطبق أقف وجهاً لوجه أمام لحظة يجف لها الريق وترتعش لها الفرائض مدري الفرائص .. هاهي لحظة البوح وليتني كنت أقدر على أن أبوح بمشاعري شِعراً .. ولكن العين قصيرة واليد بصيرة وليس عندي من رصيد الكلمات إلا ثمان .. وما أريد قوله لفوزٍ هو أهم وأبقى من خنبقة الشعر وشعراءه ويجب علي أن أقولهن لفوزٍ اليوم مهما كان الثمن غالياً ..
فخرجت من مغارتي والخطوة تسابق الخطوة .. فلمحت فوز وهي جالسة مع صديقاتها .. ذهبت إليها ومعطتها مع يدها من بينهن وهي تقول: أتركني أيها الغريب .. إلى أين تأخذني؟! .. إلى أين نحن ذاهبان؟! .. ولم أكن قادراً على الرد عليها .. فالتزمت الصمت حتى وصلنا إلى أكثر الأماكن رومانسية في البلدة .. وفي مساءٍ ساحرٍ جميل بدأت الشمس تتوارى خلف الأفق في منظر جميل يدغدغ المشاعر .. فكدت أن أصرخ بالشعر ولكني تداركت نفسي في اللحظات الأخيرة قبل أن أجيب العيد وأضيع الثمان كلمات التي لم أكن أملك غيرهن في ذلك الوقت .. فاقتطفت لها وردة حمراء بهت جمالها أمام جمال فوزٍ وعذوبتها .. ثم أجلستها على الريطة العتيقة ( الريطة هي كل ملاءة غير ذات لفقين ) .. فابتسمت فوز ويا زين مبسمها وكأنها تعلن لي عن موافقتها المبدئية حتى من قبل أن أنبس لها ببنت كلمة .. فجثوت على ركبتي أمامها وأنا أسترق النظر بحياء وعفة إلى سروالها الداخلي الوردي الجميل من تحت تنورتها وأنا ممسك بيدها .. وبدأت شفتاي تتحركان برعشة حتى خرج صوتي من بينهما أجشاً متحجرشاً بعد كل هذه السنين من الصمت الدائم ( مافي لياقة ) لأقول لها:
عزيزتي فوز .. إنني أحبك حباً شديداً .. فهل تتزوجينني؟
فقالت فوز: عفواً؟!! لم أسمعك جيداً!! ..
فقلت في سري: إلعن أبوك يا بنت الكلب .. خلاص ولا شي ..
ثم أطرقت عائداً إلى مغارتي غضبان أسفا .. بلا حب بلا نيلة!! ..
وهنا صرخ المخرج: CUT .. وانتهت القصة إلى الأبد ..
The enD
الي بغيت اوصله لكم من خلال هذه القصة: ان كلمة وحدة غير مناسبة في وقت غير مناسب في ظروفٍ غير مناسبة قد تجيب العيد أحياناً .. فانتبهوا لما تقولون عندما تقولون يا رعاكم الله ..
أسأل الله العلي القدير أن يجعلني مشكاة نور تحترق لتضئ لكم الدرب ..
هذا وأستغفر الله لي ولكم ..
جميع الحقوق محفوظة © خليك بالشارع 2005




تعليق