بائع العرقسوس (قصة قصيرة)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • GMW
    عضو فعال
    • Feb 2001
    • 147

    #1

    بائع العرقسوس (قصة قصيرة)

    كنت جالس بجانب النافذة حاملا هما ثقيلا فوق قلبي و أردت لو أتخلص منه حتى برميه خارجا . و فجأة قطع انتباهي هذه النغمات المتتالية الناتجة من صاجات النحاس البالية. لم تكن المرة الأولى التي أستمع إلى نغمات بائع العرقسوس و لكنها قد شدتني هذه المرة و كأنها تحاول أن تنسيني ما بداخلي. أطلت من النافذة و ظلت اتأمله.
    هذا البائع النحيف ، جسمه أقل بكثير مما يحمله من إناء . كانت له رنات مميزه و كنت أعرفه من مسافات، فقد كان يدق دقة بهذه الصاجات ثم يعود ليدق دقتين متتالين و كان دائما يمزق سكون الكون بهذه النغمات الشاذة. كانت له لحية طويلة رغم صغر سنه و كأنه يوفر نفقات حلاقتها يوميا . كان الإناء قديم و يده ملتوية كيد الشحاذ العجوز. كانت الناس تسير بجانبه دون الالتفات إليه و لو حتى بنظرة و لكنه كان يواظب عمله بكل جد و بدون كلل و يعاود ليدق هذه الدقات البالية.
    ما الذي يفعله بائع عرقسوس في هذا الشتاء القارس ؟؟ أينتظر من الناس أن تأخذ هذا السائل اللاسع . و كأن لم ترد بذهنه هذه الأسئلة أبدا و ظل ينتظر و تنتظر معه صاجاته زبون واحد و ينظر للناس التي تختفي بجانبه كالأشباح نظرات عطف و ترجي.
    مع مرور الوقت زادت على نغمات صاجاته كلمة .. يا كريم..و كان يلفظها و كأنه يستعطف الناس و رغم كل ما يحمله من حمل فوق صدره و بداخل قلبه فقد كان رافعا رأسه بدون ذلل. و مع حلول الظلام تدريجيا بطئت يداه من إخراج هذه النغمة حتى وقعت و تدلت من جسمه تعبا و ظل يواصل ندائه.
    كنت واقفا اتأمله و قد أمتصتني كل صغيرة و كبيرة من حركاته ورد فعل الناس اللامبالي له. فقد الرجل الأمل و نظر إلى السائل الأسود الذي في الإناء و كأنه يتمنى أن يصبح خاليا و تمتلئ جيوبه و لكن .. دون جدوى.
    و أخذ طريقه في السير و العودة من حيث أتى منكثا رأسه ، و بدأ في تغيير نغمات صاجاته لتخرج منها نغمات أخرى باهجة مثيرة لتراقص الجسم . بدأت رأسه في الميل يمينا و يسارا مع النغمة ، و رفع رأسه ثانيا و بدأ الإناء في التمايل بدوره. كانت عيني تتبعه حتى كاد أن يخرج خارج الشارع في حارة جانبية و فجأة رأيت الناس و قد استرعت انتباها هذه النغمات و كانت تبحث بعينها عن مصدرها . عند ذلك كان بائع العرقسوس قد ابتلعته الحارة و اختفى عن نظري رغم سماعي نغماته . جرى الناس وراءه الواحد تلو الأخر و أخذوا في ندائه لتلبية طلبه المنشود و رغم ذلك لم يسمعهم و لم يعيرهم انتباه و كان رد فعله الوحيد هو ……… تمايل رأسه مع النغمات ..
    وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني اليه في الخلد نفسي

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...