الخزف (قصة قصيرة)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • BaSHaR
    عضو
    • Aug 2001
    • 15

    #1

    الخزف (قصة قصيرة)

    الخزف (قصة قصيرة)
    علت صرخة .. انتشر الخبر كالنار في الهشيم .. لقد مات أبو احمد .. عمدة الحي واحد اوائل موظفي ارامكو بالمنطقة .. توافد الناس من كل حدب وصوب على منزل الرجل الطيب صديق الجميع .. اخذوا يعزون أم احمد في مصابها .. هذه السيدة سكونها غريب .. جفاف دموعها .. عيناها الواجمتان .. قسمات وجهها التي لا تناسب عمرها .. هندامها الأسود علامة حزنها الذي لا تغيره .. يعطي كل ذلك انطباعاً بان تلك المرأة التي توفي ابنها الأكبر احمد في حادث سير قبل سنتين .. قد جفت منابع الدمع لديها .. فلم يستطع الحزن على وفاة زوجها أن يضيف لحزنها حزناً أخر .. فهي الحزن متمثلاً في صورة امرأة .. ابنتها سعاد لا تكف عن البكاء والعويل على أباها الراحل عنها .. مهلاً .. أين قصي؟؟ .. هل عاد؟؟ .. هل اخبر بما حل على والده؟؟ .. هل سيستطيع المجيء من مقر دراسته في مدينة دنفر بولاية كلورادو بالولايات المتحدة الأمريكية .. اخذ الناس يتهامسون الأمر فيما بينهم .. "احضر حالاً .. أبوك قد توفي" .. هذه كانت كلمات خاله داوود له .. تقاذفت بقصي صراعات الأسئلة في داخله .. دراستي؟؟ .. أمي؟؟ .. كيف انهي دراستي وأعود ولم يبقى لي سوى عدت اشهر .. اخذ قصي يفكر بما سوف يعمله مستقبلاً وشريط الذكريات يمر أمام عينيه .. حتى حط ذلك الطائر في مطار الظهران ..وحطت معه ساعة القرارات والنظرات الصعبة .. مطار قديم مهترئ لا يوجد به ما يميزه سوى أن جميع من فيه يودون إنهاء إجراءاتهم بسرعة للخروج منه .. خلال الطريق بين المطار ومنزل العائلة بحي .... الراغد في خيرات ارامكو لم تبدو أي علامة استفهام على محياه .. كان صامتً .. منتظراً اللحظة الرهيبة .. تقدم قصي نحو باب المنزل فكانت والدته بانتظاره .. يا ترى كيف يكون شعور أم عاد ابنها بعد سنوات اغتراب ؟؟ .. مذ رأته عانقته عناقاً أدمعت له عينا من هم ينظرون لهما .. عندها فقط بدأت منابع الدموع في عيني أم احمد ترتوي .. وكان رؤية قصي غيثاً بالنسبة لها .. كان قصي طوال الأسبوع الأول من وصوله محط أنظار أبناء الحي "وبناتها أيضا" .. حيث أن قصي كان نموذجاً حي للشباب العربي الذين سلبت عقولهم الحضارة الغربية .. فكان أولئك الشباب في غالبهم معجبين في طريقته في اللبس والتعامل وراغبين في التقليد .. اجتمع قصي بأمه وأخته وهما من بقي له وهو من بقى لهما .. عاجلهم بقوله لقد حذفت المستوى الدراسي الذي أنا فيه ألان وعدت لكم كي أرتب لحياتكم الجديدة قبل أن أعود وأواصل دراستي لفترة الأشهر المتبقية منها أو اخذكم معي خلالها .. استحسنت ألام فترة بقاء ولدها معها حيث أنها تود أن يقوم ابنها بحصر ارث والده وأملاكه لكي لا تضيع حقوق أبنائها لدى من يعملون على إدارة تلك الأملاك .. قام قصي بإنهاء جميع الأوراق الرسمية الخاصة بالإرث وقسم حسب الوجهة الشرعية .. مر الوقت سريعاً .. يقضي الوقت نهاراً في معالجة أمور العائلة المالية وتلبية متطلباتها .. ويقضي ليله في التفكير في مشروع تخرجه لا يعكره في ذلك إلا سلسلة الاتصالات والتي دائماً ما تكون من "مخطئات" في طلب الرقم وغير آسفات بالطبع على ذلك الخطاء .. في يوم من الأيام اقترح قصي أن يحضر خادمة منزلية عالية التدريب لتؤنس أمه في غيابه الذي قرب وفي أوقات انشغال سعاد عنها بدروسها وأعمالها الخاصة كفنانة تشكيلية وطالبة جامعية .. وافقت ألام على مضض لكرهها وعدم رغبتها المستمرة والرافضة للخادمات المنزليات منذ فترة مراهقة ابنها المرحوم احمد .. لكلمة قالها احمد لها في تلك الفترة عندما لاحظ إهمالها في منزلها وتربية أبنائها وانشغالها بتفاهات الرفاهية عنهم حيث قال لها بان الوضع الذي هم فيه انذاك نقمة من رب العالمين وانه كان يتمنى خادمتهم ماسونا السيلانية أما بدلاً عنها .. كان وقع ذلك الكلام مفجعاً لها مما ابغضها حتى ذكر الخادمات عندها .. قام قصي بإحضار خادمة منزلية مدربة .. وباشر في نفس الوقت العمل على ترميم منزل العائلة .. حتى أزف موعد رحيله فأوصى أمه وأخته خيراً وعاد لدراسته .. سافر قصي لدراسته والأمل يحدوه لإنهائها في أسرع وقت ممكن ليعود لأهله ووطنه .. في غيابه .. لاحظت ألام أن قطعها الذهبية بدأت في التناقص واحدةً تلو الأخرى في فترات متفاوتة .. في بادئ الأمر رمت باللوم على النسيان وإنها ربما وضعته في مكان ما ونستها .. حتى استفحل الأمر .. وفي يوم من الأيام دخلت غرفتها وإذا بها ترى الخادمة تعبث بأغراضها .. ففاجأتها أم احمد بسؤالها .. ماذا تفعلين؟؟ .. فارتبكت الخادمة ووقع صندوق مجوهرات أم احمد من يدها .. عندها أقبلت عليها أم احمد في عصبية شديدة وصفعتها .. ومن غير قصد دفعتها فسقطت الخادمة بمؤخرة رئسها على حافة الطاولة وخرت مغشياً عليها .. عندها لم تدري ما تفعل .. تجمد الدم في عروقها .. توقف تفكيرها .. حسبت بان الخادمة قد فارقت الحياة .. في تلك اللحظات العصيبة على نفسها .. إذا بجرس الباب يدق .. يا ترى من الطارق .. داوود أخي .. الحمد لله انك جئت .. روت له ما حدث .. قال لها لا ينفع النحيب ألان .. لا بد أن نجد حلاً .. لا بد أن نواري جثتها في مكان ما .. ازدادت أم احمد خوفاً .. فقال لها أخوها ستكون دورة المياه الخارجية مناسبة .. اتركي الأمر لي .. قام داوود بحمل الجثة التي ما زالت تنزف ورماها في الحفرة الموجودة بدورة المياه التي ما زال العمال يشتغلون على ترميمها .. ورتب الرمل جيداً وكان شيئاً لم يكن .. جاء لأخته وقال لها غداً سآتي بالعمال مع طقم الحمام الخزف الجديد ليمسحونه ويركبوه لتصبح دورة المياه كان شيئاً لم يكن فيها .. والآن علينا أن نمسح هذه الدماء قبل عودة سعاد .. قالت له أخته لا تخف أنها ستذهب عند صديقتها ولن تعود قبل المساء .. قامو باعادة الوضع إلى ما كان عليه .. وفي المساء عادت سعاد فأحست بعدم وجود الخادمة .. سئلت عنها .. فردت عليها ألام لقد أخذها خالك داوود ليعيدها إلى موطنها أنها سارقة ولا أستطيع تحملها .. فلم تعر سعاد أي اهتمام للأمر لكونها لا تطيق تلك الخادمة في الأساس .. وفي صباح اليوم التالي جاء العمال وبدئوا تهيئة دورة المياه وتركيب الطقم الجديد واستغرق الأمر منهم ثلاثة أيام حتى أعادوه كما كان دون أن يعلموا ما يخبئ في قاعه .. أقفلت أم احمد دورة المياه تلك ولم تسمح لأحد بدخولها .. حتى مضت الأيام تلو الأيام وعاد قصي من غربته حاملاً شهادته بتفوق .. بعد أن ارتاح فترة كان فيها محط اهتمام عائلته وأقاربه .. وفي لمحة منه لاحظ وجود جواز الخادمة في أحد أدراج أمه .. فاستغرب الأمر .. كيف تقول أمه بأنها رحلت بينما جوازها موجود لديها؟؟ .. واجه أمه بالأمر فلم تلبث أن خرت عليه وحدثته عن الأمر كاملاً .. تسمر قصي في مكانه .. لملم أفكاره وردات فعله .. نظر لعبرات أمه وخوفها .. احتظنها بين ذراعيه .. قبلها على رأسها .. قال لها أماه ما يسيئك يسيئني .. وما يضرك يضرني .. وأنا ستراً وغطاءاً لك .. فاطمئني واتركيني افعل ما يجب .. قالت له ما ستفعل .. رد عليها قائلاً لا بد من إخراج الجثة ودفنها في مكان مناسب بالحديقة بحيث لا يلحظها أحد .. ألا تري أن هناك رائحة غير مستحبة بدت تخرج في دورة المياه .. ااكد لك أن من الجثة فلا بد من إخراجها .. ذهب قصي بعدته ليكسر خزف دورة المياه ويخرج الجثة .. واخذ يضرب بأقصى ما لديه من قوة ..
    وفجاءة : استيقظ قصي من نومه على صوت ضرب العمال الذين يعملون على صيانة منزلهم .. واخذ يوبخهم لإيقاظه في يوم راحته من أحد أمتع أحلامه التي لم يكمل نهايتها ..

    ـ انتهت ـ

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...