بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • فيصل الزوايدي
    عضو فعال
    • Oct 2008
    • 50

    #1

    بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

    بيني و بينكَ ..

    هذا الذي بيني و بينكَ فـي العمرِ لـحظَة..
    هذا الذي بيني و بينكَ أغنيةٌ حزينةٌ بصمتٍ حزين..
    و أنا بيني و بيني .. أجلسُ وحيدًا فـي زاويةِ غرفةٍ باردةٍ، أجلــسُ على مقعدٍ قاسية أطرافه، و تفوحُ رائحة الـخدَرِ ،و أنينٌ حادٌّ بينَ أُذنَـيَّ.. صريرُ خفقانِ القلبِ يــطغى على أصواتٍ باهتةٍ تنبعثُ من حيثُ لا أدري.. يسكنُ في النَّفسِ صوتٌ ســألَني يومًا : إلى أين ؟ و هَذي المرافئُ تتجاذبني .. و أنا وحيدٌ في زاويةِ الغرفةِ .. يقتربُ رجلٌ في أناقةٍ مبتَذلةٍ، ينظرُ إلَـيَّ بعينينِ ثَقيلَتَيْ الأجفانِ، و يسألُني بصوتِ حَجَرٍ مُتنَاثِرٍ : أنتَ السَّيد ..؟
    أجبتُ مضطَرِبًـا: أنا هُوَ، لعلِّي أنا ..
    لم يأبَه لاضطِرابي فأَشَارَ إلى مَمَرٍّ مُظلمٍ بعضَ الشَّيء : إنّهم يريدونَ رُؤيتَكَ .. أَزَّ في الرأسِ صوتٌ مُوجِعٌ و اضطربَت دقاتُ القـلبِ بتسارُعِها نحوَ ..آخرِ الـمَمَرِّ.. و تَزاحَـمت الهواجسُ ثقيلةً كالهزيمةِ .. هل وُلَدَ الصبيُّ المنتَظَرُ منذ السِّنين أم ماتَت الأمُّ ؟ كيف اقـترنا تلك اللحظةَ بداخِلي ؟ كيف اقتربَ الموتُ مِنَ الحياةِ ذلك الاقترابَ ؟ هربتُ بـهَواجِسي إلى الوجهِ الباهتِ أمامي ، هَمَمتُ بسُؤالِهِ : ولادةٌ أم موتٌ ؟ لكنَّ الـوجهَ الـباردَ الجاف الذي لا ينبئُ بشيءٍ رَدَّني عنِ السُّؤالِ .. مــلَّ الرجلُ صمتي فأردفَ بصـوتٍ يكـتمُ ثورةً : إنهم بانتظاركَ ، تَفضل من هُنا .. قَرعُ حِذائي على الأرضِ ينهالُ على رأسي و أنا أتبعُ الرجلَ .. تـحركَت أشباحٌ حَولـي و أحسستُ ببعضِ الصدماتِ و كلماتٌ تُقالُ ، لعلّها اعتذارٌ أو سخطٌ .. مَن يهتم ؟ أيُّ معنى لأيِّ قولٍ أمامَ الولادةِ أو الـموتِ ؟؟ باحتدادٍ حدَّثَــــنا الطبيبُ قبلَ أشــهرٍ و هـو يـحذِّرُنا مِن خَطَرِ الحَملِ .. تُرَى هل أرســلَ القدرُ يومَــها ذاكَ الطبيبَ ينذِرُنا بِـما نَخشاه الآن ؟ هل يـمكِنُ أن يغتالَ ذاك الصـــبيُّ أمَّهُ ؟ هل تنطلقُ حياتُه بـمَوتِها ؟ أم يـموتُ لتَحيا...؟
    أحسـستُ أنَّ آخرَ المـمرِّ هو آخر الكَونِ .. و أنا لم أَعُد أعلمُ أَيْـني .. لا أدري كيفَ التــقطت عينَاي الكليلتانِ لافتةً تشيرُ إلى غرفَةِ الوِفَياتِ .. حائطٌ بـناه عاملٌ لا يُدرِكُ مــا يفعلُ .. يفصلُ به بينَ الحياةِ و الموتِ .. و أنا لا أزال أسيرُ ، كأنَّ الطريقَ لا تنتَهي و لكن فجأةً وصلنَا أمام بابٍ مُوارَبٍ قليلا .. أشارَ الرجلُ بلامُبالاةٍ إلى الغرفـةِ و قَالَ : إنهم هُنا .. و لكن هل يمكنُ ذلكَ حقًّا : أن يُوجِّـهَكَ رجلٌ لا تعرفُ حتّى اســــمَهُ و لا يهتم بـمعرِفَتِكَ .. أن يُوَجِّهَــك إلى .. حيثُ الـحياة أو الموت .. وقفتُ برهةً أخـشى الدخولَ .. أصَــختُ السمعَ .. ما الذي أصابَ حواسي لــحظَتَها ؟ يرتَفِعُ الوجــيبُ و أخشى من سُؤالٍ جَديدٍ .. سُرعانَ ما زَعزَعَني : هل تُقدِّمُ الممرضةُ إلـيَّ لـفافةً بيضاءَ و تقولُ بحُنُوٍّ مُصطَنَعٍ : أَبشِر إنَّه الصـبي الذي انتظَرتَه .. ها قد جَاءَ .. أم يُوجِّهُني الطبيبُ بنظراتٍ نحوَ لُفافَةٍ بيضاءَ أيضًا و يقولُ بتعاطفٍ لا أُدركُ صِدقَه مِن زَيفه : لقد حذَّرتُكم قبلَ أشهرٍ ، و لـم نستَطِع فِعلَ شيءٍ لها .. خشيتُ أن أدفعَ البابَ .. بابٌ صَنَعَهُ نَـجَّارٌ و هو يتابعُ بِبَصَرِهِ النَّهِمِ فتياتِ الحَيِّ .. صنَعَهُ يومـًا و لم يُدرِك أبدًا ما الذي يُـمكِنُ أن يُخفي وراءَهُ .. أسـمعُ هَمهَماتٍ مِن داخِلِ الغُرفَةِ .. تداخَلت مَعَ صَرخَاتٍ مِن داخِلي .. هل أقتحمُ الغرفةَ ؟ هل أهربُ ؟ إلـى أين ..؟
    أنينُ النَّفسِ الـمُوجِعُ يُطبِقُ على أنفاسي فـأُحِسُّ ضيقًا هائلا .. الـخوفُ أحيانًا يدفَعُنا إلى نَفسِ الفِعلِ الذي نَقومُ به بدافعِ الشَّجاعةِ .. تَمتدُّ يدي نحوَ قبضةِ البابِ فِضيةِ اللَّونِ، يـخترقُ مَسمَـعي صريرٌ حادٌّ لن أنسَاه .. تتخلّى اليدُ عن تلكَ القبضةِ الـمبتعِدَةِ إلـى داخل الغرفةِ .. ينفَتِحُ البابُ كأنَّ غيري قامَ بِفتحِهِ .. لـم تَقَع عينَاي على أحدٍ .. فقـط ظهرت زاويةُ السَّريرِ الـحديديِّ و الـجزءُ السُّفلي مِن سُترةٍ طِبيةٍ بيضاءَ ..أحسـستُ حركاتٍ فـي الأجسادِ تلتفتُ تستطلع مَنِ القادمُ .. بِبَقيـةٍ مِن قُدرَةٍ و عزمٍ تقــدَّمتُ خُطوتَينِ داخلَ الغرفَةِ و تضخُّمٌ مـخيفٌ بصَدري كأنّـي سأنفجرُ .. توسطتُ الـمكانَ و نظرتُ أمامي : أذهَلَني كلُّ ذلكَ البياضُ .. بياضٌ شديدٌ ناصعٌ ، تـمامًا مثلَ السَّوادِ .

    فيصل الزوايدي

  • صقرالنوايف
    عضو متميز

    • Jun 2005
    • 25677

    #2
    الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

    مرحبا بك اخي فيصل وحياك الله في منتديات ساندروز
    بدايه جميله وحضور اجمل يعطيك الف عافيه
    تحياتي

    تعليق

    • ابو المعالي
      عضو متميز
      • Apr 2008
      • 1621

      #3
      الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

      جميل ماكتبت
      واهلا بك في منتديات ساندروز
      تقبل خالص تحيتي

      تعليق

      • فيصل الزوايدي
        عضو فعال
        • Oct 2008
        • 50

        #4
        الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

        اضيف في الأساس بواسطة صقرالنوايف
        مرحبا بك اخي فيصل وحياك الله في منتديات ساندروز
        بدايه جميله وحضور اجمل يعطيك الف عافيه
        تحياتي
        أخي صقر النوايف اسعدتني حفاوتك العفوية و قد سرني اعجابك بالقصة فشكرا للتفاعل الراقي و للمشاعر الطيبة
        دمت في الخير

        تعليق

        • فيصل الزوايدي
          عضو فعال
          • Oct 2008
          • 50

          #5
          الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

          اضيف في الأساس بواسطة ابو المعالي
          جميل ماكتبت
          واهلا بك في منتديات ساندروز
          تقبل خالص تحيتي
          أخي ابو المعالي اعتز برأيك في القصة و بحفاوتك الراقية فشكرا لك
          دمت في الخير

          تعليق

          • نردين احمد
            عضو فعال
            • Jun 2008
            • 917

            #6
            الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

            لااصدق الاديب القاص فيصل الزوايدي هنا ... اينما حللت اجدك .. ارجو ان جبروت وازعاجات ( م...) لم تصلك ... سعيدة بوجودك

            لك رؤيتي


            ماذا اقول هنا جعلتنا نفكر بان غرفة الولادة تمثل الرحم وصالة الانتظار تمثل العالم الجديد للطفل .. بانتظار هذا الكائن ...فيبقى الخوف يرافقنا لمعرفة القدر ، بولادة الطفل وبموت الام


            رايت التيه والوجيعة والهواجس المريرة في نهاية غامضة ُ .. "توسطتُ الـمكانَ و نظرتُ أمامي : أذهَلَني كلُّذلكَ البياضُ .. بياضٌ شديدٌ ناصعٌ ، تـمامًا مثلَ السَّوادِ".
            هل ساقول انها ماتت ام الوليد قد مات ؟؟!!!

            تركتنا لنضع النهاية ....

            تعليق

            • فيصل الزوايدي
              عضو فعال
              • Oct 2008
              • 50

              #7
              الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

              اضيف في الأساس بواسطة نردين احمد
              لااصدق الاديب القاص فيصل الزوايدي هنا ... اينما حللت اجدك .. ارجو ان جبروت وازعاجات ( م...) لم تصلك ... سعيدة بوجودك

              لك رؤيتي


              ماذا اقول هنا جعلتنا نفكر بان غرفة الولادة تمثل الرحم وصالة الانتظار تمثل العالم الجديد للطفل .. بانتظار هذا الكائن ...فيبقى الخوف يرافقنا لمعرفة القدر ، بولادة الطفل وبموت الام



              رايت التيه والوجيعة والهواجس المريرة في نهاية غامضة ُ .. "توسطتُ الـمكانَ و نظرتُ أمامي : أذهَلَني كلُّذلكَ البياضُ .. بياضٌ شديدٌ ناصعٌ ، تـمامًا مثلَ السَّوادِ".
              هل ساقول انها ماتت ام الوليد قد مات ؟؟!!!



              تركتنا لنضع النهاية ....
              اخت نردين أسعدني كثيرا كثيرا تجدد اللقاء بك كما اسعدتني قراءتك الراقية و الواعية للقصة و لنهايتها و دور القارئ في تشكيلها .. انا ممتن لهذه الاطلالة الراقية
              دمت في الخير

              تعليق

              • طفولتي
                عضو متميز

                • Mar 2007
                • 17960

                #8
                الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

                هلا فيك وغلا أخي الغالي في منتديات ساندروز
                مرحبآ بك بين أهلك وأخوانك
                يعطيك الف عافيه بدايه رائعه وجميله
                وأتمنى لك التوفيق
                تقبل مروري وتحيتي

                تعليق

                • فيصل الزوايدي
                  عضو فعال
                  • Oct 2008
                  • 50

                  #9
                  الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

                  اضيف في الأساس بواسطة طفولتي
                  هلا فيك وغلا أخي الغالي في منتديات ساندروز
                  مرحبآ بك بين أهلك وأخوانك
                  يعطيك الف عافيه بدايه رائعه وجميله
                  وأتمنى لك التوفيق
                  تقبل مروري وتحيتي
                  شكرا للحفاوة الباذخة أختي الكريمة و قد اسعدني تفاعلك الراقي مع القصة و اعجابك بها فشكرا لك
                  دمت في الخير

                  تعليق

                  • حـــادي الكلمات
                    عضو متميز
                    • Feb 2008
                    • 903

                    #10
                    الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

                    يبدو أن وجود الأدباء في هذا المنتدى أضحى عادة من عاداته ، وأن الزائر لمجلس الأدب والشعر فيه سوف يلقى بالتأكيد ألوانا فريدة من الأدب ، وصورة أخرى ناصعة جميلة ، يختلط فيها الأدب الناشئ بالأدب الخبير .. فتكون خير تركيبة للنهوض بما يمكن النهوض به من الأدب العربي ..

                    الأستاذ الكبير : فيصل الزوايدي ، جئتك والمنطق منك على استحياء واستخذاء شديدين ، فالشرف بمعرفتك حديث منذ هذه القصة فقط ..

                    لكني أستعرض من جمال هذه القصة وروعتها الساعة ما تعي بي كلمات الإعجاب والدهشة أن أحققها فألقيها إليك مرتبة منظمة بما يليق بمكانتك ويليق بمقامك ..

                    فحسبك يا سيدي من هذا الرد الطائش ما أبدي لك من الإعجاب ببيانك ، وما أنين لك من الاستبشار بمقدمك ..

                    فإن عزمت فلا تتردد ، وادخل إلى هذا المجلس ، وأذع فيه ما أحببت أن تذيعه من الأدب والثقافة ، فإن في هذا المجلس ناشئا صغيرا في هذا الأدب ، قد عاهد نفسه منذ وجد في نفسه ما وجد من حب الأدب وعشقه أن يأخذ منه قدر ما يستطيع ، ويتزود منه بما يستطيع لعله يستعين به على جهالة نفسه الغضة فينجح في حياته أو يفلح ..

                    فاكتب لنا يا سيدي : إنا نراك من المحسنين ..
                    النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
                    وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

                    تعليق

                    • فيصل الزوايدي
                      عضو فعال
                      • Oct 2008
                      • 50

                      #11
                      الرد: بيني و بينك .. قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

                      اضيف في الأساس بواسطة حـــادي الكلمات
                      يبدو أن وجود الأدباء في هذا المنتدى أضحى عادة من عاداته ، وأن الزائر لمجلس الأدب والشعر فيه سوف يلقى بالتأكيد ألوانا فريدة من الأدب ، وصورة أخرى ناصعة جميلة ، يختلط فيها الأدب الناشئ بالأدب الخبير .. فتكون خير تركيبة للنهوض بما يمكن النهوض به من الأدب العربي ..

                      الأستاذ الكبير : فيصل الزوايدي ، جئتك والمنطق منك على استحياء واستخذاء شديدين ، فالشرف بمعرفتك حديث منذ هذه القصة فقط ..

                      لكني أستعرض من جمال هذه القصة وروعتها الساعة ما تعي بي كلمات الإعجاب والدهشة أن أحققها فألقيها إليك مرتبة منظمة بما يليق بمكانتك ويليق بمقامك ..

                      فحسبك يا سيدي من هذا الرد الطائش ما أبدي لك من الإعجاب ببيانك ، وما أنين لك من الاستبشار بمقدمك ..

                      فإن عزمت فلا تتردد ، وادخل إلى هذا المجلس ، وأذع فيه ما أحببت أن تذيعه من الأدب والثقافة ، فإن في هذا المجلس ناشئا صغيرا في هذا الأدب ، قد عاهد نفسه منذ وجد في نفسه ما وجد من حب الأدب وعشقه أن يأخذ منه قدر ما يستطيع ، ويتزود منه بما يستطيع لعله يستعين به على جهالة نفسه الغضة فينجح في حياته أو يفلح ..

                      فاكتب لنا يا سيدي : إنا نراك من المحسنين ..
                      أخي حادي الكلمات أقف اعتزازا بهذا المرور الباذخ حقا و بالمشاعر الراقية صدقا بل و ايضا بعذوبة التعبير و روعته .. أما تواضعك فانه يرفعك حيث تستحق أن تكون و اما دعوتك فلا املك إلا تلبيتها و ارجو ان اكون عند حسن الظن دوما ..
                      اسعدتني كثيرا بهذا التفاعل الراقي و الرائع و سيسعدني دوام التواصل ان شاء الله
                      دمت في الخير
                      مع الود

                      تعليق

                      مواضيع مرتبطة

                      Collapse

                      جاري العمل...