سلوى .. ومواجع الذكرى
إليك يا من يقرا هذه الكلمات أو يسمعها أقول هذا تاريخي.
أنا إنسان قد ماتت آماله وأحلامه وطموحاته ، ولم يبق سوى جسده
-الجانب المضيء في حياتي- . عندما لقيت فتاه من أسرة طيبه، وهي جميلة وهادئة ، وأهم من ذلك كله إنها محافظه على دينها.
فقلت: إن دنياي قد حنت علي . ولم اعلم انه استدراج لي.. تزوجتها وعشت معها أحلى أيام حياتي زادت أفراحنا بحملها أول مولد لنا .
ومرت التسعة أشهر على خير ، وعندما كنا في طريقنا إلي المستشفى قالت زوجتي -بعد أن نظرت إلي طويلاً-: ما أسعدنا! .
ولم تكمل كلامها حتى أخذتها آلام الطلق ، وصلنا المستشفى وأدخلوها غرفة الولادة ، وبعد وقت ليس بالقصير خرجت الطبيبة ونظرت إليّ بدون كلام. فقلت: أرجوك ما هو المولود؟
وهنا طأطأت رأسها ، وقالت بهدوء: اسمع: إن زوجتك قد رحلت عن الدنيا ، ولكن بعد أن خلفت لك طفله هي حقاً جميلة .
وقالت الدنيا: قف الآن عن الأفراح. قف! فهذا يكفيك..
عشت أيام عصيبة ، لا أعلم ليلي فيها من نهاري .
وبقيت طفلتي في الحضانة لم اسمح لأحد بأن يستلمها، لم أكن أريد أن أرى سبب موت حبيبتي ، ولكن كان لابد من أخذها . دخلت الحضانة فلما رأيتها
وتذكرت أمها الغائبة الحاضرة- لم أستطع عمل شيء سوى البكاء والبكاء بشده حتى سقطت عند سريرها وأنا انتفض، نهضت وحملتها بين ذراعي، وحملت همومي على ظهري ، وخلفت أفراحي خلفي ، أو لعلي خلفتها عند قبر أم هذه الطفلة .
كنت أتأملها وهي نائمة ، وكل شيء يذكرني بأمها . أسميتها "سلوى" لعلها تكون السلوى في فقدان أمها.
كبرت سلوى .. وخمدت مع ابتساماتها جروحي ، وصارت شغلي الشاغل.
كانت ذكية و نشيطه ، وأهم من ذلك كله كانت حنونة جداً. أحببتها بل عشقتها ، وهبتها شبابي ، بل كل حياتي . كانت تعلم أنه عندما ولدت ماتت أمها .
وفي مره سألتني سؤالاً كان كفيلاً بأن يفتت الحصى الصلبة ...
أبي : هل تكرهني لأنني السبب في موت أمي؟
فأقف أمامها مثل المذنب أمام القاضي وأغلظ لها الإيمان إنها لم تكن السبب. ولكن هيهات ! ومن يقنع الطفلة إذا أصرت عل شيء؟!
كبرت سلوى .. وصار عمرها خمس سنوات ، فأحست بآلام فذهبت بها إلى طبيب قريب ، فحصها وأعطاها الدواء اللازم ، وما زالت تلك الآلام تأتى وتذهب ، وفي كل مره يتغير الدواء . كانت آلامها بسيطة .
دخلت المدرسة .. فعندما كنت أعود من العمل انتظرها تخرج من المدرسة فتأتي وابتسامتها مشرقة على وجهها ، فتنسيني معاناة العمل ، لا نملّ الحديث حتى نصل المنزل ، فتحمل حقيبتها وحقيبتي وتقول : أنت يا أبي مرهق دعني أحمل عنك ، وترفض أن أساعدها .
كانت بين فتره وأخرى أراها تنظر لصورة أمها وتبكي في صمت حتى لا أسمعها فأحزن .
كانت تخاطب الصورة وتقول: يا ليتك بقيتي يا أمي وذهبت أنا ، فأبي يحس بالوحدة بدونك .
كانت تحس بأبيها . فكيف لا أحس بطفلة فقدت أمها ؟ بل لم تعرفها أصلاً ؟!
وصل عمر سلوى ثمانِ سنوات .. فاشتدت آلامها ، فذهبت بها إلى مستشفى كبير ، وبعد الفحص فجر الطبيب براكين حزني الخامدة ، وطعنني بسهام لا قوام لي في صدها .
وقال : ابنتك تعاني من مرض خبيث منذ و سنوات طويلة .
بكيت أمامه كطفل صغير ، وقلت له : أرجوك ما هو الحل ؟
فقال : مع الأسف فمرضها متقدم ، والعلم لم يصل لحل بعد ، ولكن خذها معك ، ورحمة الله واسعة ، ويجب أن ترتاح بقدر ربي.
أخذتُ سلوى .. أرادت أن تمشي فحملتها بين ذراعي وقلت : لعلها تكون بين ذراعي مرتاحة .
وهنا ثارت براكين حزني الخامدة من جديد .لم تعد تذهب إلي المدرسة ، غابت بسمتها وحيويتها وسط المرض الذي مازال يفتك بجسدها الصغير .
كلما سمعت عن طبيب جديد ذهبت إليه ، ويأتي مثل سابقه .
فقدنا الأمل كله إلا من رحمة الله عز وجل .
كانت تبكي .. وكل دمعه تقع على خدها كجمره تقع على فؤادي .
كانت تقول : لا تبكي علي . إن الموت مصيرنا جميعاً. وكنت أعلم يا أبي أن الله سوف يقتص لأمي مني !! فقد قتلتها . نعم يا أبي قتلتها . تقولها وهي تبكي.
يا إلهي ! كانت تعلم إنها في طريقها إلي القبر .
والمصيبة إنها كانت تحس بالذنب تجاه موت أمها . تعتقد أنها هي السبب.
كانت تعاني من نارين: نار المرض ، ونار عذاب الضمير .
كم كانت تعاني ..
وأجد نفسي حائراً ، لا أجد الجواب ، ولساني عقدته الدموع . كيف لا وأنا أرى طفلتي أمامي ترى الموت وليس لها مكان تهرب إليه .
كنت أنام وأستيقظ . فأراها تحدق بألعابها وهي تبكي وكأنها تودعها إلي غير رجعه .
كانت تأخذ دميتها وتضعها على صدرها وتلاعبها وفجأة تأخذها غصة الآم وترمي الدمية جانباً. وإذا هدأ الألم أخذتها مرة أخرى ووضعتها على خدها لتجفف هذه الدمية دموعها الساخنة .
كانت تتألم في صمت حتى لا تزعجني .
كانت حنونة ..
وفي ليلة لا قمر فيها ولا نسمة عليلة ، تخلت الدنيا فيه عن مباهجها ، عن كل ذرة رحمة فيها ، كانت سلوى تصارع آلامها فصرخت تناديني .
دخلت حجرتها . فانقبض قلبي وعرفت مثل ما عرفت أنه قد حان وقت الرحيل . فاقتربت منها .
فقالت: أبي : أرجوك لا أريد أن أموت ! أرجوك يا أبي !!
آه يا طفلتي .
فلما رأتني أبكي علمت أني ضعيف عن دفع ما هي فيه .
مسحت بكفها الصغير دموعي ، وأمسكت يدي وقالت: أبقني يا أبي في حضنك أرجوك إنه قد حان الرحيل ، نعم يا أبي ! قد حان .
أخذت أقبلها محاولاً إسكاتها .
فزادت دموعها ، وتعثر الكلام في فمها وقالت: أنه الموت يا أبي ، لا أستطيع دفعه ، أحس بمرارته في حلقي . هذا قدري يا أبي . من يؤنس وحدتك من بعدي ؟!
فلم أستطع النظر إليها ..
يا إلهي .. كانت تفكر في وحدة أبيها من بعدها وهي تحتضر !
آه يا سلوى .. يا ابنتي ما أحن قلبك !
نظرت لوجهها ، فعقدت الدموع لساني .
رحماك يا ربِّ ؛ طفلتي أمامي تموت ولا أستطع إنقاذها .
وإذا بها تفتح فمها وتقول : الوداع يا أبي . اشهد أن اله ألا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .
فشهقت شهقة قفز منها قلبي ، وسكتت آهاتها ،، سكت أنينها .
وبقيت دموعها على خدها ساخنة .
وأنا انظر إليها لا اعلم ماذا حصل .
هل انتهينا؟
هل ماتت سلوى؟
لن تبتسم بعد اليوم !
من يحمل حقيبتي ؟!
لمن اتعب أشقى واعمل ؟!
يا الهي .. ما أقسى قلبك يا أبا سلوى !! أنسيت أن تلقن ابنتك الشهادة؟!!
ولكن هي ما نسيتها . وما نسيتك .
كانت تفكر فيك وفي وحدتك .. كانت تمسح دموعك .
آه غادرت سلوى ..
ليتك تعلمين يا سلوى إني مت آلف مره .. ومع أمك من قبل .
فمن يتألم لموتي أنا يا سلوى ؟!
يا ابنتي : سامحيني ! فقد تخطفتني سكاكين الزمان من كل جانب .
وضعت سلوى أو جسد سلوى الخالي من الروح ، ونهضت اهذي مثل المجنون يا ناس
تعالوا وزفوا ابنتي ، فاليوم يوم زفافها .
سمعوا النداء وأتوا .
ولكن ..لم يأتوا بثوب زفافها ؛ بل ألبسوها ثياباً لا كِمام لها، ألبسوها كفنها.
لم تمشِ وضربات الدفوف من حولها ؛ بل حملت على الأكتاف وصوتي مع النائحات من خلفها .
لم يذهبوا بها لبيت زوجها ؛ بل ذهبوا بها بقبر لا أنيس لها فيه ولا صاحب.
ويا ويلي عندما أنزلوها في قبرها والله ، لو وزعوا آلام قلبي في تلك الحظه على أهل الدنيا لكفتهم .
لم يبارك لي أحدٌ ؛ لكنهم اخذوا في تعزيتي . . وأي عزاء في فقدان سلوى.
استغفر الله كنت أعلم أن الجزع في المصيبة لا يجوز .. ولكن يا رب: كانت مصيبتي أقوى من صبري ؛ فسامحني .
كنت انتظرها لتكبر فأزوجها ؛ ففارقتني وقتلت كل أحلامي .
وانتهت حياتي وهنا ..
سقطت آخر ورقه من أيام عمري ..
واقفل كتاب حياتي ولم يعد يتسع لحرف واحد من حروف الزمان ..
ماتت أم سلوى ..
وبعدها سلوى ..
لا سمع بعدهما ولا نظر .
لا فرح ولا أمل .
يا ربِّ دنياي أنت ؛ فرحماك بي في الآخرة .
واجمعني بهما في جنتك يا أرحم الرحمين .





تعليق