للحب... قصة حقيرة
(للأديب الروائي الفنان العالمي: kabalizo)
رن جرس المنبه العتيق فامتدت يد النائم بأظافرها المسودة من تحت الأغطية القذرة وأطاحت به من على الترابيزة ذات الرجل المكسورة، وظل ينتظر حتى سمع الصوت المألوف... صوت المنبه المكتوم بعد سقوطه على المخدة التي يضعها دائماً على الأرض بحيث تتلقى المنبه كل صباح.
"النهارده الخميس... فل الفل!!!"
قفز (عزوز) من تحت الغطاء القذر ووقف يهرش في وسط الغرفة حتى تساقطت جميع الحشرات الملتصقة بجسده النحيل العاري على الأرض التي لم تعرف المكنسة المركونة بجوار التواليت في الحمام طريقاً إليها منذ أربع سنوات تقريباً، عندما أعجب صاحبنا (عزوز الفقري) بالغرفة ودفع 8 جنيهات عربونا للست (خربتها) مقابل إيجار شهرين.
ثم أسرع (عزوز) يجمع كل حشرة من الحشرات المتساقطة برفق ومودة، ويضعها في كيس ورق أحكم إغلاقه بشريط أصفر بالي، ووضعه تحت السرير إلى جوار مركوبه المتشقق وحذائه ذا اللونين، فقد كان يؤمن دائماً بأن النظافة من الإيمان، وأن هذه الحشرات هي التي تمتص الدم الفاسد من جسده النحيل وتنظف جلده من عرق وقشف يوم العمل الشاق.
بعد ذلك توجه إلى النافذة الوحيدة بالغرفة المتواضعة حيث القلة القناوي في صينية ألامونيا ذات بقع سوداء واسعة، وشرب حتى ارتوى من الماء البارد، ثم صب باقي القلة على جسده العاري ليستحم بباقي الصابونة النابلسي الموجودة في الصينية، فاليوم الخميس، يوم اللقاء الموعود مع فتاة أحلامه وبطلة حبه الوحيد، ولا مانع من الاستحمام رغم اقتناعه الشديد بعدم جدواه، فالاستحمام لن يغني أبداً عن أصدقائه الموجودين بالكيس الورق تحت السرير.
نزل الماء البارد إذن من على جسد (عزوز) أسود اللون كزيت تاكسي أرياف شفورليه موديل 1964 لم يتم تغييره من أيام ثورة 53 المباركة، وفي ثوان كان قد اختفى من خلال الشقوق التي تزين أرضية الحجرة، ثم توجه إلى الحمام، وهو عبارة عن ثقب في الحائط مقاس 75سم في 75 سم انحشر فيه ليقضي حاجته في الحفرة التي تتوسط أرضيته وتفضي مباشرة إلى مزراب يصب في حارة (إوعى وشك) التي يسكن بها بطلنا الشاب.
وفي ثوان كان (عزوز) يلبس جلابيته المخططة الطوبي، ثم يدلف داخل البنطلون الشارلستون البني ذو النقشات الكاروه البديعة والتي طالما أعجب بها (عزوز) منذ أن وقع في غرام البنطلون عند رؤيته لأول مرة في سوق الخميس بالمطرية، مدلدلاً من حبل غسيل في بلكونة أول دور في العمارة التي يجلس تحتها كل خميس ليبيع بضاعته من حلاوة وقراطيس لب وقرص طوال النهار، وقام بمصادرته منذ شهر.
لم يتبق غير الحذاء، فأخرجه (عزوز) من تحت السرير بحرص حتى لا يتفكك الشريط اللاصق الذي يجمع النعل بباقي الحذاء، وأدخل رجليه فيه بحذر حتى برزت أصابعه من فم الحذاء، ثم ربط الفردتين بخيط الدوبارة الموجود داخله، ثم اتجه إلى قطعة الزجاج المكسورة والمعلقة بمثابة مرآة على باب الحجرة ليستكمل زينته، وتف في راحتي يديه وسبسب شعره ولم ينس أن يفرقه من على اليمين، ثم أخرج من جيب الجلابية التي أصبحت داخل البنطلون الشارلستون قميصاً أنيقاً المشط الأسود ذي الأسنان المكسرة، واستكمل تسريح شعره حتى تأكد من أنه قد نام تماماً على رأسه.
"الفلوس! الفلوس!"
قالها (عزوز) وهو يتجه إلى الحمام حيث مد يده داخل التواليت الافرنجي الموجود به، وأخرج رزمة شلنات وبرايز ورق، ثم أخرج رزمة أخرى من الخمسين قرشاً البالية، والتي يحتفظ بها في أعمق مكان حماية لها من اللصوص والحرامية، فهذا هو أفضل استخدام للتواليت الافرنجي الذي يعاف (عزوز) استخدامه، حرصاً منه على مبدأ المقاطعة لكل ما هو أمريكاني أو افرنجي، فهو ليس بأقل وطنية وقومية من أبناء وطنه المعطاء.
إتجه (عزوز الفقري) إلى الباب وفتحه، وألقى نظرة سريعة حول الغرفة ليتأكد من أنه لم ينس شيئاً: السرير القديم ذو الملة المسوسة، وقلة الماء في صينيتها وبيت الراحة، وتنهد بارتياح ثم أغلق الباب وراءه وتسلق نازلاً على ماسورة المجاري حتى لا يصطبح بالولية بوز الإخص (خربتها)، وهنا قد يسأل القارئ البرئ عن السبب، والإجابة ببساطة "وإنت مال أهلك؟"، وحتى لا يزعل القارئ نسرع فنقول له "خلاص ما تزعلش، فصاحبنا ليس متأخراً في الإيجار ولا حاجة، فهو الوحيد من سكان العمارة المتهالكة –ونحن نقول عمارة مجازاً فقط فهي ثلاثة أدوار متكررة السقوط ولا يسندها غير كم عمود خشب على سبيل حفظ التوازن، وبدون الأعمدة فهي علطول مائلة فشر برج بيتزا الموجود في روسيا.
يكمن السبب الحقيقي في تزحلق (عزوز) على مواسير المجاري الصدئة والتي تخر على ملابسه وهو يتسلقها نزولاً كل صباح لتعطيها رائحة مميزة ونفاذة تشابه كولونيا (ماء القرد) التي يستخدمها الأسطى (متولي) المزين والذي يحلق ل(عزوز) أول جمعة من كل شهر قبطي، أقول يكمن السبب في أن الولية (خربتها) شت عقلها وطق ووقعت في غرام (عزوز) منذ أن جاء يسكن في عمارتها.
ف(عزوز) بطل قصتنا شاب مصري أسمر، ناحل العود تكاد عظامه من فرط هزاله أن تخترق جلده المهترئ، ويتمتع بساعدين مفتولين كفتلة الدوبارة التي يربط بها حذائه، وإن كانا ليس بنظافتها، وثمان أصابع –تتلف في حرير- بشهادة كل من ذاق الحلويات التي يصنعها بنفسه في بدروم العمارة التي يسكن بها، وإن كان أحياناً يفتقد سبابتيه الذين فقدهما في حادث أليم وهو يقطع "صوابع زينب" التي يشتهر بصناعتها، إذ كان يحلم بحبيبته ويتخيل نفسه معها في الكوشة يوم فرحه، والغريب أنه إلى اليوم لم يعرف من من زبائنه استمتع بصباعي زينب الإضافيين الذين فقدهما ذلك اليوم، رغم استجواباته المتكررة لكل زبائنه، فالكل أنكر أنه أخذ أكثر من نصيبه في الشراء ذلك اليوم، ولكن من يقدر على توجيه أصابع اللوم الثمانية إلى أناس جائعة مثل أولاد حارته الأوفياء؟
"الجوع كافر ياولاد!!!"
والآن حان الوقت للتعرف على فتاة أحلام بطل قصتنا، والتي بسبب حبه لها رفض كل المحاولات المستميتة للولية (خربتها) ذات الخمسة وستين ربيعاً، للنيل منه وإغراءه، تارة بقميص النوم المدندش الذي يكشف عن شعر صدرها الحاد الأطراف كسلك المواعين، وتارة أخرى بهمس صوتها الناعم كفحيح الأفعى التي أخرجت آدم من جنته، والذي قطع أوتاره دخان المعسل المضروب الذي يتغلغل صدرها ذا الشعر الكث كل مساء على قهوة المعلم (جربوع)، وتارة بغمزة من عينها الشمال الوحيدة السليمة، والتي تغطيها غلالة رقيقة من الاصفرار الذي يشي بالتهاب الكبد الوبائي والصفراء الذي تعالج (خربتها) منه منذ طفولتها.
رغم كل هذه الإغراءات ظل بطلنا صامدا صمود الحرس الجمهوري العراقي في وجه الأمريكان العلوج، ولم يسقط في وحل الخطيئة ومستنقع الرذيلة الذي فرشته (خربتها) الجميلة تحت قدميه، فقلبه ليس ملكاً له، والحب الذي تنبض به أحشاءه الخاوية على عروشها لا يعرف غير فتاة أحلامه.
من هي؟ من هي صاحبة النصيب في قلب (عزوز) المريض؟
لنسرع معه إذن وهو يخطو برشاقة فوق برك مياه الغسيل القذرة التي تغطي أرض حارته، ويتفادى بسهولة الحصى التي تمطره به نبال الأطفال الصغار من الشبابيك، وينحني تحت بصقات أمهات هؤلاء الأطفال وهن يطرقعن باللبان الدكر ويتبادلن أرق الشتائم وأجمل الألفاظ التي يعاقب عليها القانون مع بعضهن البعض.
ولم ينس (عزوز) أن يلقي التحية على جيرانه: المعلم (جربوع) المتربع على كرسيه في صدر قهوته وهو يسحب أنفاساً متوالية من حجر النص قرش الذي يتوهج في شيشته، والأسطى (متولي) مزين الحارة ومعقم –أقصد مطهر- أولادها منذ القدم، والذي هو السبب الحقيقي في فضيحة ال CNN الشهيرة (ختان جيت) في مصر، وبسببها أجرى 3 عمليات تجميل لنفسه وبنفسه، وغير إسمه وزور بطاقته الشخصية حفاظاً على حياته.
إن قلبه يكاد يقفز من خلف ضلوعه البارزة، وهو يعدو عدواً خارج حارته، ليعبر الشارع في انتظار أوتوبيس (31) ليتجه إلى محبوبته في "الزاوية الحمراء"، وكما عودتنا هيئة النقل العام دائماً في دقة مواعيد سائقيها والتزامهم التام بقواعد المرور وتعليمات الأمن والسلامة، فقد ظهر الأوتوبيس المنشود عند بداية الشارع في ميعاده المعهود، متأخرا 45 دقيقة عن موعده كالعادة، وما كاد (عزوز) يقف أمام المحطة مطمئناً، مغلقاً عينيه ليحلم بحبيبة قلبه إلى أن يحين ميعاد اللقاء، حتى التهمه أوتوبيس (66) المتجه إلى "الدويقة"، والقادم من الاتجاه العكسي، بعد أن داهم المحطة وهو يترنح قادما من "منشية ناصر" بقيادة سائقه الذي حاول عبثاً إيقافه ولكن تيل الفرامل قد خانه ووضع نهاية أليمة -وإن كانت متوقعة - لأحلام بطلنا المصري الأسمر وقصة حبه العذراء والتي لم يقدر لها أن ترى النور أبداً، تماماً كما لم يقدر للقارئ الكريم أن يعرف شخصية محبوبة بطلنا، لتظل سراً مغلقاً وراء أسوار قلب بطلنا الدامي والملقى على الأرض كقشرة موز فارغة، تحت أقدام عابر سبيل تائه في شوارع مصرنا الحبيبة.
النهاية





تعليق